موسوعة التفسير

سُورةِ الأنعام
الآيتان (143-144)

ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ

غريب الكلمات :


وَصَّاكُمُ: الوصيَّةُ: التقدُّمُ إلى الغَيرِ بما يَعمَلُ به، والوصيَّةُ مِن اللهِ هي الأمرُ المؤكَّدُ، والتَّوصيَةُ تُعرِبُ عن تأكيدِ الأَمرِ، والاعتناءِ بشأنِ المأمورِ به، وأَصْلُ (وصي): يدلُّ على وصْلِ شيءٍ بشَيءٍ؛ يقال: وَطِئْنَا أرضًا واصِيةً، أي: إنَّ نَبْتَها متَّصِلٌ قد امتَلَأتْ منه، ومنه الوصِيَّة؛ كأنَّه كلامٌ يُوصَى؛ أي: يُوصَلُ [2164] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/116)، ((المفردات)) للراغب (ص: 873)، ((تفسير أبي حيان)) (4/688)، ((تفسير الألوسي)) (13/22). .

مشكل الإعراب :


قوله تعالى: ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ
ثَمَانِيَةَ: منصوبٌ، على أنَّه بدلٌ مِنْ حَمُولَةً وفَرْشًا، أو بإضمارِ فِعلٍ؛ تقديرُه (أَنْشَأَ).
اثْنَيْنِ منصوبٌ، وفي نَصْبِه وجهانِ؛ أحَدُهما: أنَّه بَدَلٌ مِن ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ، والثاني: أنَّه منصوبٌ بـ (أَنْشَأَ) مُقدَّرًا [2165] يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/274-275)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/543-544)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (5/190-193). .

المعنى الإجمالي :


يُخبِرُ اللهُ تعالى أنَّه خَلَقَ من الأَنْعامِ ثمانِيَةَ أزواجٍ: مِنَ الضَّأنِ الذَّكَرَ والأُنثى، ومِنَ المَعْزِ كذلك الذَّكَرَ والأُنثى، ثم أمَرَ اللهُ نبيَّه محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم أن يقولَ لِمَن حَرَّموا ما رَزَقَهم اللهُ، بتَحْريمهم بعضًا من الأَنْعامِ دونَ بعضٍ، أو بتَحْريمِهم بعضَ تلك الأَنْعامِ على إناثِهم دونَ ذكورِهم؛ أمَرَه أن يُخاطِبَهم مُلزِمًا لهم بأنَّه لا فَرْقَ بين ما حَرَّموا وما أباحُوا: أَحَرَّمَ ربِّي الذَّكَرينِ: ذَكَرَ المَعْزِ والضَّأْنِ، أم حَرَّمَ الأُنْثَيين منهما، أم كان التَّحريمُ لِمَا اشتَمَلَتْ عليه أرحامُ الأُنْثَيَينِ؟ وهم لا يقولونَ بواحدٍ من هذه الأقوالِ، فإذا كان ذلك كذلك فلِمَ حَرَّموا بَعْضًا منها، وأحَلُّوا بعضًا آخَرَ؟ وأَمَرَه تعالى أن يَطْلُبَ منهم إخبارَهُ بيقينٍ وعِلْمٍ عن الفَرْقِ بين ما حَرَّموا وأحَلُّوا إنْ كانوا صادقينَ.
ثم ذَكَرَ اللهُ بقيَّةَ الأَزْواجِ الثَّمانِيَةِ بعد أنْ ذَكَرَ أربعةً منها؛ فذَكَرَ هنا مِنَ الإبِلِ اثنينِ: الذَّكَرَ والأُنثى، ومن البَقَرِ اثنينِ كذلك: الذَّكَرَ والأنثى، ثم أمَرَ اللهُ نبيَّه محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم أن يُعيدَ عليهم نَفْسَ الحُجَّة، فيقول لِمَن حَرَّموا ما رَزَقَهم اللهُ، وذلك بتَحْريمهم بعضًا من الأنعامِ دون بعضٍ، أو بِتَحْريمِهم بعضَ تلك الأنعامِ على الإِناثِ دونَ الذُّكورِ؛ أَمَرَه أن يخاطِبَهم؛ مُلْزِمًا لهم بأنَّه لا فَرْقَ بين ما حَرَّموا وبين ما أباحوا: أَحَرَّمَ ربِّي الذَّكَرينِ: ذَكَرَ الإِبِلِ والبَقَرِ، أم حَرَّمَ الأنثيين منهما، أمْ ما اشْتَمَلَتْ عليه أرحامُ الأُنْثَيَينِ؟ وهم لا يقولونَ بواحدٍ من هذه الأَقْوالِ، فإذا كان ذلك كذلك، فلِمَ حَرَّموا بعضًا منها، وأحَلُّوا بعضًا آخَرَ؟ أم أنَّهم كانوا شُهَداءَ حين وصَّاهم اللهُ بهذا الذي يتَقَوَّلونَه عليه؟ وهذا كذلك باطِلٌ، ثم أخبَرَ تعالى أنَّه لا أحَدَ أشَدُّ ظُلمًا مِمَّنْ كَذَبَ على اللهِ تعالى؛ ليُضِلَّ النَّاسَ بغيرِ عِلمٍ، واللهُ تعالى لا يُوَفِّقُ للحَقِّ القَومَ الظَّالِمينَ.

تفسير الآيتين :


ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ نَبِّؤُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (143) وَمِنَ الإِبْلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ وَصَّاكُمُ اللّهُ بِهَـذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (144)  .
مناسبةُ الآيتينِ لِمَا قَبْلَهما:
أنَّ الله تعالى لَمَّا رَدَّ دِينَ المشركينَ وأثبَتَ دِينَه، وكانوا قد فَصَّلوا الحُرمةَ بالنِّسبةِ إلى ذُكورِ الآدميِّ وإناثِه؛ ألزَمَهم تفصيلَها بالنِّسبةِ إلى ذُكورِ الأَنْعامِ وإناثِه، ففَصَّلَ أَمْرَها في أُسْلوبٍ أبانَ فيها أنَّ فِعْلَهم بعيدٌ من قانونِ الحكمةِ، فهو موضِعٌ للاستهزاءِ، وأهلٌ للتهَكُّمِ [2166] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/294)  فقال تعالى:
ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ نَبِّؤُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (143) .
ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ.
أي: وخَلَقَ اللهُ تعالى مِنَ الأَنْعامِ- التي امتنَّ بها على عبادِه، وجَعَلَها كلَّها حلالًا طَيِّبًا- ثمانيةَ أزواجٍ، ومنها الذَّكَرُ والأنثى من الضَّأنِ والمعْز، فمِنَ الضَّأْنِ الكَبْشُ والنَّعجةُ، ومن المعْز التَّيْسُ والعَنْز [2167] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/624)، ((تفسير ابن كثير)) (3/351)، ((تفسير السعدي)) (ص: 277)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (1/198)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/337-340). .
كما قال تعالى: فَاطِرُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا [الشورى: 11] .
وقال سبحانه: وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ [الزمر: 6] .
قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ.
أي: قُلْ- يا مُحمَّدُ- لهؤلاءِ الَّذينَ حَرَّموا ما رَزَقَهم اللهُ تعالى؛ اتِّباعًا للشَّيطانِ، فيُحَرِّمونَ من الأَنْعامِ شيئًا دونَ شَيءٍ، أو يُحَرِّمونَ بَعْضَها على الإناثِ دُونَ الذُّكورِ، فقل مُلْزِمًا لهم بعَدَمِ وُجودِ الفَرْقِ بين ما أباحوا منها وما حَرَّموا: أحَرَّمَ اللهُ الذَّكَرينِ؛ ذَكَرَ المعْزِ والضَّأنِ؟ فليس هذا قَوْلَكم، أم حَرَّمَ أُنثَيَيْهما؟ فليس هذا بِقَوْلِكم أيضًا. فلَسْتُم تقولونَ بتحريمِ الذُّكورِ الخُلَّصِ، ولا الإناثِ الخُلَّصِ من الضَّأْنِ والمَعْز. أم تُحَرِّمون ما اشتَمَلَت عليه أرحامُ أنثى الضَّأنِ وأنثى المَعْز، من غيرِ فَرْقٍ بين ذَكَرٍ وأنثى؟ فلستُم تقولونَ أيضًا بهذا القَولِ. فإذا كُنْتم لا تقولونَ بأحدِ هذه الأقوالِ الثَّلاثةِ؛ فإنَّ تَفريقَكم بينَ بعضِ الذُّكورِ وبَعْضِ الإناثِ، وبعضِ ما في بُطُونِ الأنعامِ بأنْ تُحِلُّوا بعضَ هذا، وتُحَرِّموا بعضَه؛ تفريقٌ باطِلٌ [2168] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/625)، ((تفسير ابن كثير)) (3/351)، ((تفسير السعدي)) (ص: 277)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/347-348). قال الشِّنقيطيُّ: (تفريقُكم بين بَعضِ الذُّكورِ وبَعضِ الإناثِ، وبعضِ ما في بُطونِ الأنعامِ؛ بأنْ تُحِلُّوا بعضَ هذا، وتُحَرِّموا بَعضَه، إن كانت العِلَّةُ في تحريمِ الذَّكَرِ الذُّكُورةَ، فكان اللَّازِمُ أن يَحرُمَ كلُّ ذَكَرٍ؛ لاطِّرادِ العلَّةِ، وإن كانت الأنوثةَ لَزِمَ أن تَحرُمَ كُلُّ أنثى؛ لاطِّرادِ العلَّة، وإن كان كَونَه في البُطونِ- مُشتَمِلةً عليه الرَّحِمُ- لَزِمَ أن يَحرُمَ كُلُّ مولودٍ مِن ذَكَرٍ وأنثى، وكلُّ لَبَنٍ؛ لأنَّ الكُلَّ اشتمَلَت عليه الرَّحِمُ!! فكأنَّه يقولُ: تفريقُكم هذا باطِلٌ؛ لأنَّه لو كانت العِلَّةُ الذُّكورةَ لَحَرُمَ ذَكَرُ الضَّأنِ والمَعزِ معًا، وأنثاهما كُلًّا، ولو كانت التَّخَلُّقَ في الرَّحِمِ لَحَرُمَ ما اشتمَلَت عليه الرَّحِمُ مُطلقًا، فلِمَ حَرَّمتُم بعضَ هذا، وحلَّلتُم بعضَ هذا؟! وما الفارِقُ بين ما حَلَّلْتم وحَرَّمتُم؟) ((العذب النمير)) (2/348). ؟!
نَبِّؤُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ.
أي: قُلْ لهم يا مُحمَّدُ: أخْبِروني عن يقينٍ وعِلمٍ بصِحَّةِ هذا الذي حَرَّمْتُم، وهذا الذي أَحْلَلْتم؛ ما وَجْهُ تحريمِكم لِهذا، وتحليلِكم لِذَاك مع استواءِ الجميعِ؛ إن كنتم صادقينَ في دعواكم هذه [2169] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/626)، ((تفسير ابن كثير)) (3/351)، ((تفسير السعدي)) (ص: 277)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/348). ؟
وَمِنَ الإِبْلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ وَصَّاكُمُ اللّهُ بِهَـذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (144).
مناسبةُ الآيةِ لما قَبلَها:
انتقَلَ مِن تَوبيخِهم بنَفْيِ عِلْمِهم بذلك إلى تَوبيخِهم بنَفْيِ شَهادَتِهم؛ لأنَّ مُدْرَكَ الأشياءِ المعقولُ والمحسوسُ، فإذا انتَفَيا فكيفَ يُحْكَم بتحليلٍ أو بتحريمٍ؟ وكيفيَّةُ انتفاءِ الشَّهادةِ منهم واضحةٌ، وكيفيَّةُ انتفاءِ العِلْمِ بالعَقْلِ أنَّ ذلك مستنِدٌ إلى الوَحْيِ، وكانوا لا يُصَدِّقونَ بالرُّسُلِ، ومع انتفاءِ هَذَينِ كانوا يقولون: إنَّ اللهَ حَرَّمَ كذا؛ افتراءً عليه [2170] ينظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/672). .
وَمِنَ الإِبْلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ.
أي: وخَلَقَ الله تعالى من الأنعامِ- التي امتنَّ بها على عبادِه، وجَعَلَها كُلَّها حلالًا طَيِّبًا- ثمانيةَ أزواجٍ، ومنها الذَّكَرُ والأُنثى من الإبِلِ والبَقَر؛ فمن الإبلِ: الجَمَلُ والنَّاقة، ومن البَقَرِ: الثَّورُ والبَقَرَة [2171] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/624، 629)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (1/198)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/346). .
قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ.
أي: قُلْ -يا مُحمَّدُ- لهؤلاءِ الَّذينَ حَرَّموا ما رَزَقَهم اللهُ تعالى؛ اتِّباعًا للشَّيطانِ، فيُحَرِّمونَ من الأنعامِ شيئًا دون شيءٍ، أو يُحَرِّمونَ بَعْضَها على الإناثِ دُون الذُّكورِ، فقل مُلْزِمًا لهم بعَدَمِ وُجودِ الفَرْقِ بين ما أباحوا منها وحَرَّموا: أحَرَّمَ اللهُ الذَّكَرينِ؛ ذَكَرَ الإبِلِ والبَقَرِ؟ فليس هذا قَوْلَكم. أم حَرَّمَ أُنثَيَيْهما؟ فليس هذا بِقَوْلِكم أيضًا. فلَسْتُم تقولونَ بتحريمِ الذُّكورِ الخُلَّصِ، ولا الإناثِ الخُلَّصِ من الإبِلِ والبَقَرِ. أم تُحَرِّمون ما اشتَمَلَت عليه أرحامُ أنثى الضَّأنِ وأنثى المَعْز، من غيرِ فَرْقٍ بين ذَكَرٍ وأنثى؟ فلستُم تقولونَ أيضًا بهذا القَولِ. فإذا كُنْتم لا تقولونَ بأحدِ هذه الأقوالِ الثَّلاثةِ؛ فإنَّ تَفريقَكم بينَ بعضِ الذُّكورِ وبَعْضِ الإناثِ، وبعضِ ما في بُطُونِ الأنعامِ بأنْ تُحِلُّوا بعضَ هذا، وتُحَرِّموا بعضَه؛ تفريقٌ باطِلٌ [2172] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/625، 629)، ((تفسير ابن كثير)) (3/351)، ((تفسير السعدي)) (ص: 277)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/347-348). .
فلَمَّا بيَّنَ اللهُ تعالى بُطلانَ قَوْلِهم وفسادَه، قال لهم قولًا لا حِيلةَ لهم في الخُروجِ مِن تَبِعَتِه؛ حيثُ أَمَرَ نَبِيَّه محمدًا صلَّى الله عليه وسلَّم أن يقولَ لهؤلاءِ الجَهَلَةِ من المشركينَ الَّذين أَخْبَر عنهم في الآياتِ السَّابقة [2173] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/629)، ((تفسير السعدي)) (ص: 277). .
أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ وَصَّاكُمُ اللّهُ بِهَـذَا.
أي: أم كنتم- أيُّها المشركونَ- حاضرينَ حين وصَّاكم الله تعالى بهذا الذي تقولونَ عليه سبحانه [2174] بيَّنَ اللهُ تعالى بُطلانَ قَولِهم هذا على طَريقةِ السَّبر والتقسيمِ، وهي حصرُ الأوصافِ في الأصلِ؛ للإبقاءِ على الصوابِ، وإلغاءِ الباطلِ منها، فالكفَّار لَمَّا حرَّموا ذكورَ الأنعامِ تارةً، وإناثَها أُخرى ردَّ عليهم بالسَّبر والتقسيمِ، وطريقُه: أنَّ علةَ الحرمةِ إمَّا الذُّكورة أو الأُنوثة، أو اشتمالُ الرَّحم عليهما، أو التعبدُ عن اللهِ، وذلك إمَّا بوحيٍ، أو إرسالِ رسولٍ، أو سماعِ كلامِه بلا واسطةٍ، فهذه وجوهُ التحريمِ لا غيرُ، فالأوَّل يستلزمُ حرمةَ جميعِ الذُّكور، والثاني: حرمةَ جميعِ الإناثِ، والثالث: حرمةَ الصنفين معًا، والأخذُ عن الله باطلٌ، ولم يدَّعوه، وكذلك بواسطةِ رسولٍ؛ لأنَّه لم يأتِ إليهم قبلَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وإذا بطَل الجميعُ ثبَت المدَّعى، وهو أنَّ ما قالوه افتراءٌ وضلالٌ. يُنظر: ((مفاتيح التفسير)) لأحمد الخطيب (ص: 521). ؟ فهذا باطِلٌ أيضًا [2175] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/629-630)، ((تفسير السعدي)) (ص: 277)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/349). .
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ.
أي: لا أَحَدَ أشدُّ ظُلمًا مِمَّنْ كَذَبَ على الله تعالى، بقَصْدِ إضلالِ عبادِ اللهِ عن سبيلِ الله بغيرِ بيِّنةٍ منه ولا بُرهانٍ [2176] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/630)، ((تفسير القرطبي)) (7/115)، ((تفسير ابن كثير)) (3/352)، ((تفسير السعدي)) (ص: 277). .
إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.
أي: إنَّ الله تعالى لا يُوَفِّقُ للحَقِّ الظَّالِمينَ [2177] قال ابنُ عطيةَ في قولِه تعالى: واللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [البقرة: 258] : (عمومٌ معناه الخصوصُ فيمَن حتِّم كفرُه وموافاتُه عليه، ويحتملُ أن يريدَ الإخبارَ عن أنَّ الظَّالمَ في ظُلمِه ليس على هدًى مِن الله، فتجيءُ الآيةُ عامةً تامةَ العمومِ) ((تفسير ابن عطية) (1/468). ، ومِن جُمْلَتِهم مَنِ افتَرَى عليه الكَذِبَ، فأضافَ إليه تحريمَ ما لم يُحَرِّمْه سبحانَه [2178] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/630)، ((تفسير السعدي)) (ص: 277). .

الفوائد العلمية واللطائف :


1- في قولِه تعالى: ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قيل: قدَّمَ الضَّأْنَ على المَعْزِ لغلاءِ ثَمَنِه، وطِيبِ لَحْمِه، وعِظَمِ الانتفاعِ بِصُوفِه [2179] ينظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/672). .
2- في قولِ اللهِ تعالى: ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ، تفصيلُ ما ذُكِرَ من الذُّكورِ والإناثِ وما في بُطونِها؛ للمبالغةِ في الرَّدِّ عليهم بإيرادِ الإنكارِ على كلِّ مادَّةٍ من موادِّ افترائِهم، فيَظْهَر للمُتفَكِّرِ فيه منهم أنَّه لا وَجْهَ يُعْقَلُ لقَوْلِهم [2180] ينظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (8/124-125). .
3- قال تعالى: ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ.... لَمَّا كانوا قد حَرَّموا في الجاهليَّةِ بَعْضَ الغَنَم، ومنها ما يُسمَّى بالوصيلةِ، وبعضَ الإبِلِ كالبَحِيرةِ والوَصيلةِ أيضًا، ولم يُحرِّموا بعضَ المَعْزِ ولا شيئًا من البَقَر، ناسَبَ أنْ يُؤتَى بهذا التقسيمِ قبل الاستدلالِ؛ تمهيدًا لتحَكُّمِهم إذ حَرَّموا بعضَ أفرادٍ من أنواعٍ، ولم يُحَرِّموا بعضًا مِن أنواعٍ أخرى، وأسبابُ التَّحريمِ المزعومةُ تتأتَّى في كلِّ نوعٍ؛ فهذا إبطالٌ إجماليٌّ لِمَا شَرَعُوه، وأنَّه ليس مِن دينِ الله، وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا [2181] ينظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/129). [النساء: 82] .
4- قولُ اللهِ تعالى: مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ استدَلَّ به بعضُ المالكيَّةِ على أنَّ الضَّأْنَ والمَعْزَ صنفانِ لا يُجْمَعانِ في الزَّكاةِ، كما أنَّ الإِبِلَ والبَقَرَ كذلك [2182] ينظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 122). .
5- في قَوْلِه تعالى: نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ لَمَّا كانوا عاجزينَ عن الإنباءِ؛ دَلَّ ذلك على أنَّهم حَرَّموا ما حرَّموه بجهالةٍ وسُوءِ عَقلٍ لا بِعِلْمٍ، وشأنُ مَن يتصَدَّى للتَّحريمِ والتَّحليلِ أن يكون ذا علمٍ [2183] ينظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/133). .
6- يُستفادُ مِن قَوْلِه تعالى: لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ أنَّه مِنَ الظُّلْمِ أنْ يُقْدِمَ أحَدٌ على الإفتاءِ في الدِّينِ ما لم يَكُنْ قد غَلَبَ على ظَنِّهِ أنَّه يُفْتي بالصَّوابِ الذي يُرضِي اللهَ، وذلك إنْ كان مجتهدًا فبالِاستنادِ إلى الدَّليلِ الذي يَغْلِبُ على ظَنِّه مصادَفَتُه لمرادِ الله تعالى، وإن كان مُقَلِّدًا؛ فبالاستنادِ إلى ما يَغْلِبُ على ظَنِّه أنَّه مَذْهَبُ إمامِه الذي قَلَّدَه [2184] ينظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/135). .

بلاغة الآيات :


1- قوله: قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أمَرَه اللهُ تعالى أنْ يقولَ لهم تبكيتًا، وإظهارًا لانقطاعِهم عن الجوابِ [2185] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/193). : آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ، والهمزةُ في قَولِه: آلذَّكَرَيْنِ للاستفهامِ الإنكاريِّ، وللتَّوبيخِ والتَّقريعِ؛ حيث نَسَبُوا ما حَرَّموه إلى اللهِ تعالى [2186] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/74)، ((تفسير أبي حيان)) (4/671)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/131-132). ، المقصودُ في الموضعينِ إبطالُ تحريمِ ما حَرَّمَ المشركونَ أَكْلَه، ونفيُ نِسبَةِ ذلك التَّحريمِ إلى الله تعالى [2187] ينظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/130). .
2- قوله: نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ وقدْ فَصَلَ بهذه الجُملة المعتَرِضةِ بين المتعاطفَينِ على سَبيلِ التَّقريعِ لهم والتَّوبيخِ؛ حيثُ لم يَسْتَنِدوا في تَحريمِهم إلَّا إلى الكَذِبِ البَحْتِ والافتراءِ [2188] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/672). ، وفيه: تهكُّمٌ؛ لأنَّه لا يُطلَب تلقِّي عِلْمٍ منهم، وهذا التَّهكُّم تابِعٌ لصورةِ الاستفهامِ وفرعٌ عنها [2189] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/133). .
- وفيه: تكريرٌ للإلزامِ، وتثنيةٌ للتَّبكيتِ والإفحامِ [2190] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/193). .
3- قوله: أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا معنى الهمزةِ الإنكارُ والتَّوبيخُ [2191] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/193)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/134). ، وقد خَصَّ بالإنكارِ حالةَ المشاهَدَة، تهكُّمًا بهم؛ لأنَّهم كانوا يُكَذِّبونَ الرَّسولَ صلَّى الله عليه وسلَّم [2192] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/194)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/134). .
- في قوله: وَصَّاكُمُ أُطْلِقَ الإيصاءُ على ما أَمَرَ اللهُ به؛ لأنَّ النَّاسَ لم يُشاهِدوا اللهَ حين فِعْلِهم ما يأمُرُهم به، فكان أمْرُ اللهِ مؤكَّدًا، فعَبَّرَ عنه بالإيصاءِ؛ تنبيهًا لهم على الاحترازِ مِنَ التَّفويتِ في أوامِرِ اللهِ [2193] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/134). .
4- قوله: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا الفاءُ لترتيبِ ما بَعدَها على ما سَبَقَ من تَبكيتِهم، وإظهارِ كَذِبِهم وافْتِرائِهم [2194] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/194). .
5- قوله: إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فيه: تهديدٌ ووعيدٌ لهم إنْ لم يُقْلِعوا عمَّا هُم فيه؛ بأنَّ اللهَ يَحْرِمُهم التَّوفيقَ، ويَذَرُهم في غَيِّهِم وعَمَهِهم [2195] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/136). .