موسوعة التفسير

سورةُ الأحزابِ
الآية (49)

ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ

غَريبُ الكَلِماتِ:


تَمَسُّوهُنَّ: أي: تَقربوهنَّ وتُجامِعوهنَّ، وأصلُ المسِّ: جَسُّ الشَّيءِ باليدِ [952] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (4/286)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/271)، ((المفردات)) للراغب (ص: 766)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 301)، ((تفسير ابن كثير)) (2/314). .
تَعْتَدُّونَهَا: أي: تُحْصونَها بالأقراءِ والأشهرِ، وتَسْتَوْفونَ عَدَدَها، مِن: عَدَدْتُ الدَّراهِمَ فأنا أعتدُّها، وأصلُ (عدد) هنا: مِن العدِّ الَّذي هو الإحصاءُ [953] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/128)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/29)، ((تفسير السمعاني)) (4/295)، ((تفسير البغوي)) (3/650)، ((المفردات في غريب القرآن)) (ص: 550)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 319)، ((تفسير الشوكاني)) (4/334). .
فَمَتِّعُوهُنَّ: أي: أعطوهنَّ ما يَستمتِعْنَ به، والمُتعةُ: ما تُعطَى المُطَلَّقةُ لِتَنتفِعَ به، وأصلُ (متع): يدُلُّ على منفعةٍ وامتِدادِ مدَّةٍ في خَيرٍ [954] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/128)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/293)، ((تفسير غريب ما في الصحيحين البخاري ومسلم)) لابن أبي نصر (ص: 466)، ((المفردات)) للراغب (ص: 757، 758)، ((تفسير البغوي)) (3/650)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 35). .
وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا: أي: أخْلوا سَبيلَهنَّ تخليَةً بالمعروفِ مِن غيرِ ضرارٍ، والتَّسْريحُ: التَّطليقُ، والسَّراحِ هو الطَّلاقُ، والسَّرْحُ: شجرٌ له ثمرٌ، وسَرَّحْتُ الإبلَ، أصلُه: أن تُرْعيَه السَّرْحَ، ثمَّ جُعِل لكلِّ إرسالٍ في الرَّعيِ، وأصلُ (سرح): يدُلُّ على الانطلاقِ [955] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/128)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/157)، ((الغريبين في القرآن والحديث)) للهروي (3/883)، ((المفردات)) للراغب (ص: 406)، ((تفسير البغوي)) (3/650). .

المعنى الإجماليُّ:


يقولُ تعالى مبيِّنًا جانبًا مِن أحكامِ الزَّواجِ والطَّلاقِ: يا أيُّها الَّذين آمَنوا إذا تزوَّجتُم المؤمِناتِ ثمَّ طلَّقتُموهنَّ مِن قَبلِ الدُّخولِ بهِنَّ؛ فما لكم -أيُّها المؤمِنونَ- عِدَّةٌ تُحصونَها عليهِنَّ؛ فأعطوهنَّ شَيئًا يكونُ مَتاعًا لهنَّ، وخَلُّوا سبيلَهنَّ تَخليةً حَسَنةً بالمعروفِ.

تَفسيرُ الآيةِ:


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (49).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا ذكَرَ اللهُ تعالى قِصَّةَ زَيدٍ وزَينبَ، وتَطليقَه إيَّاها، وكانت مدخولًا بها، واعتدَّت، وخطَبَها الرَّسولُ صلَّى الله عليه وسلَّم بعدَ انقِضاءِ عِدَّتِها؛ بيَّن حالَ مَن طُلِّقَت قبْلَ المَسيسِ، وأنَّها لا عِدَّةَ عليها [956] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/489). ، فجاءت هذه الآيةُ تَشريعًا لحُكمِ المطلَّقاتِ قبلَ البناءِ بهنَّ، بمناسَبةِ حُدوثِ طلاقِ زَيدِ بنِ حارِثةَ زَوجَه زينبَ بنتَ جَحشٍ؛ لئلَّا يَظُنَّ ظانٌّ أنَّ العِدَّةَ مِن آثارِ العَقدِ على المرأةِ، سواءٌ دخل بها الزَّوجُ أم لم يَدخُلْ [957] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/59، 60). .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ.
أي: يا أيُّها الَّذين آمَنوا إذا عقَدْتُم عَقدَ الزَّواجِ على المُؤمِناتِ، ثمَّ طَلَّقتُموهنَّ قبْلَ أن تُجامِعوهنَّ [958] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/128)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 869)، ((تفسير الألوسي)) (11/225). قال ابنُ كثير: (قَولُه: الْمُؤْمِنَاتِ خرجَ مخرجَ الغالبِ؛ إذ لا فَرقَ في الحُكمِ بيْنَ المُؤمِنةِ والكتابيَّةِ في ذلك بالاتِّفاقِ). ((تفسير ابن كثير)) (6/440). ويُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 357). .
كما قال تعالى: لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ [البقرة: 236] .
فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا.
أي: فما لكم -أيُّها المؤمِنونَ- عِدَّةٌ تُحصونَها عليهنَّ [959] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/128)، ((تفسير السعدي)) (ص: 668)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/60، 61). قال ابنُ العربي: (هذه الآيةُ نَصٌّ في أنَّه لا عِدَّةَ على مُطَلَّقةٍ قبْلَ الدُّخولِ، وهو إجماعُ الأمَّةِ؛ لهذه الآيةِ، وإذا دخَل بها فعليها العِدَّةُ إجماعًا). ((أحكام القرآن)) (3/587). وقال ابنُ كثير: (قَولُه: فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا: هذا أمرٌ مُجمَعٌ عليه بيْنَ العُلَماءِ: أنَّ المرأةَ إذا طُلِّقَت قبْلَ الدُّخولِ بها: لا عِدَّةَ عليها، فتذهَبُ فتتزوَّجُ في فَورِها مَن شاءت، ولا يُستثنى مِن هذا إلَّا المتوفَّى عنها زوجُها؛ فإنَّها تعتَدُّ منه أربعةَ أشهُرٍ وعَشرًا، وإنْ لم يكُنْ دخل بها، بالإجماعِ أيضًا). ((تفسير ابن كثير)) (6/441). .
فَمَتِّعُوهُنَّ.
أي: فأعطوهنَّ ما يَستَمتِعنَ به مِن مَتاعِ الدُّنيا [960] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/128)، ((تفسير السعدي)) (ص: 668)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/62)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 359). قال ابنُ عثيمين: (أعطوهنَّ ما يَستمتِعْنَ به مِن الدَّراهمِ، ومِن الثِّيابِ، ومِن المتاعِ، ومِن العَقَارِ، ومن أيِّ شَيءٍ؛ فالله عزَّ وجلَّ أطلَقَها، ثمَّ إنها مُطلَقةٌ مِن جهةِ الكَمِّيَّةِ، كما أنَّها مُطلَقةٌ مِن جهةِ النَّوعيَّةِ). ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 359). ثمَّ قال: (ويُستثنى مِن ذلك مَن سُمِّي لها مَهرٌ؛ فإنَّ مَن سُمِّي لها مَهرٌ لا يجِبُ لها إلَّا نِصفُه). ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 360). .
كما قال تعالى: لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ * وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [البقرة: 236، 237].
وعن سَهلِ بنِ سَعدٍ السَّاعديِّ وأبي أُسَيدٍ السَّاعديِّ رَضِيَ اللهُ عنهما، قالا: ((تزوَّج النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أُمَيمةَ بنتَ شَراحِيلَ، فلمَّا أُدخِلَت عليه بسَطَ يَدَه إليها، فكأنَّها كَرِهَت ذلك، فأمَرَ أبا أُسَيدٍ أن يُجَهِّزَها ويَكسوَها ثَوبَينِ رازقِيَّينِ [961] الرَّازِقيَّة: ثيابٌ مِن كَتَّانٍ بِيضٌ طِوالٌ. وقيل: يكونُ في داخِلِ بَياضِها زُرْقةٌ، والرَّازِقيُّ: الصَّفيقُ. يُنظر: ((فتح الباري)) لابن حجر (9/359). ) [962] رواه البخاري (5256). .
وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا.
أي: وأخلُوا سَبيلَهنَّ تَخليةً حَسَنةً [963] يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/500)، ((تفسير ابن جرير)) (19/128)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 869)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/377)، ((تفسير السعدي)) (ص: 668)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/62)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 360، 361). قيل: المرادُ بالسَّراحِ الجَميلِ هنا: أي بدُونِ أذًى ولا إضرارٍ ولا منْعِ حقٍّ. وممَّن اختاره في الجملةِ: مقاتلُ بنُ سُلَيمانَ، وابنُ الجوزي، والبيضاوي، والعُلَيمي، والشوكاني، وابن عاشور. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/500)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/473)، ((تفسير البيضاوي)) (4/235)، ((تفسير العليمي)) (5/374)، ((تفسير الشوكاني)) (4/334)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/62). وقال الرازي: (الجمالُ فِي التَّسريحِ ألَّا يُطالِبَها بما آتاها). ((تفسير الرازي)) (25/175). وقال البِقاعي: (سَرَاحًا جَمِيلًا بالإحسانِ قولًا وفعلًا، مِن غيرِ ضِرارٍ بوجْهٍ أصلًا). ((نظم الدرر)) (15/377). ويُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 360، 361). وفي معناه أقوالٌ أخرى. يُنظر: ((تفسير الماتريدي)) (8/400)، ((تفسير القرطبي)) (14/ 204، 205). قال ابنُ تيميَّةَ: (أَمَر بتَسريحِهنَّ بعدَ الطَّلاقِ قبْلَ الدُّخولِ، وهو طلاقٌ بائنٌ لا رَجعةَ فيه، وليس التَّسريحُ هنا تطليقًا باتِّفاقِ المُسلِمينَ). ((مجموع الفتاوى)) (20/536). .

الفَوائِدُ التَّربَويَّةُ:


1- قَولُ الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا يدُلُّ على أنَّه ينبغي لِمن فارقَ زوجتَه قبلَ الدُّخولِ أو بعْدَه: أن يكونَ الفِراقُ جَميلًا، يَحمَدُ فيه كُلٌّ منهما الآخَرَ [964] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 668). .
2- في قَولِه تعالى: مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ التَّكنِيةُ عمَّا يُستَحْيا مِن ذِكرِه [965] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 364). ، فقولُه: تَمَسُّوهُنَّ أي: تجامِعوهنَّ، أطلَق المَسَّ على الجِماعِ؛ لأنَّه طريقٌ له [966] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/376). .

الفَوائِدُ العِلميَّةُ واللَّطائِفُ:


1- في قَولِه تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ ... أهمِّيَّةُ النِّكاحِ والطَّلاقِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى صَدَّرَه بالنِّداءِ الَّذي يُطْلَبُ به تَنَبُّه المنادَى لِمَا سيُلْقَى عليه، وتصديرُ الخِطابِ بمثلِ هذه النِّداءِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا يدُلُّ على أنَّ التِزامَ أحكامِ الشَّريعةِ في النِّكاحِ والطَّلاقِ هو مِن مقتضياتِ الإيمانِ [967] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 362). .
2- قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ هذه الآيةُ الكريمةُ فيها أحكامٌ كَثيرةٌ؛ منها: إطلاقُ النِّكاحِ على العَقدِ وحْدَه، وليس في القُرآنِ آيةٌ أصرَحُ في ذلك منها، واستِعمالُ القُرآنِ إنَّما هو في العَقدِ والوَطءِ بعْدَه إلَّا في هذه الآيةِ؛ فإنَّه استُعمِلَ في العَقدِ وحْدَه؛ لِقَولِه: إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ، وفيها دَلالةٌ لإباحةِ طَلاقِ المرأةِ قبْلَ الدُّخولِ بها [968] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (6/439). .
3- قَولُ الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا، فيه سؤالٌ: لِمَ خَصَّ المُطَلَّقاتِ اللَّاتي طُلِّقنَ قبْلَ المَسيسِ بالذِّكرِ؟
الجوابُ: هذا إرشادٌ إلى أعلى دَرَجاتِ المَكرُماتِ؛ لِيُعلَمَ منها ما دُونَها، وبيانُه هو أنَّ المرأةَ إذا طُلِّقَت قبْلَ المَسيسِ لم يَحصُلْ بيْنَهما تأكُّدُ العَهدِ؛ ولهذا قال اللهُ تعالى في حَقِّ الممسوسةِ: وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا [النساء: 21] ، وإذا أمر اللهُ بالتَّمَتُّعِ والإحسانِ مع مَن لا مَوَدَّةَ بيْنَه وبيْنَها، فما ظَنُّك بمَن حصَلَت الموَدَّةُ بالنِّسبةِ إليها بالإفضاءِ، أو حصَل تأكُّدُها بحُصولِ الوَلَدِ بيْنَهما [969] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (25/175). ؟!
4- قَولُ الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ يدُلُّ على جوازِ الطَّلاقِ؛ لأنَّ الله أخبَر به عن المؤمنينَ على وجهٍ لم يَلُمْهم عليه، ولم يؤنِّبْهم، مع تصديرِ الآيةِ بخِطابِ المؤمنينَ [970] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 668). .
5- في قَولِه تعالى: ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ دَليلٌ على أنْ لا طلاقَ قبْلَ نِكاحٍ، وأنَّ مَن طَلَّقَ قبْلَ النِّكاحِ فليس بطَلاقٍ [971] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقَصَّاب (3/663). ، وأنَّ تعليقَ الطَّلاقِ بالنِّكاحِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ التَّطليقَ حينَئذٍ لا يكونُ إلَّا بعدَ النِّكاحِ، واللهُ تعالى ذكَرَه بكَلِمةِ (ثُمَّ)، وهي للتَّراخي [972] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (25/175). .
6- في قَولِه تعالى: إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ أنَّه لا إيلاءَ ولا ظِهارَ ولا تحريمَ على امرأةٍ إلَّا بعدَ النِّكاحِ؛ لأنَّه إذا كان الطَّلاقُ -وهو أعظمُ فُرْقةً مِن الظِّهار والإيلاءِ وما أشبهَه- لا يكونُ إلَّا بعدَ النِّكاحِ؛ فكذلك ما دونه، إلَّا أنَّ التحريمَ إذا حَرَّمَ الرَّجُلُ امرأةً مُعَيَّنةً ثمَّ تزَوَّجها بعدَ ذلك؛ فإنَّ عليه كفَّارةَ يمينٍ، وكذلك الظِّهَارُ إذا قَصَدَ به التَّحريمَ وظاهَرَ مِنِ امرأةٍ قبْلَ أنْ يَتزوَّجَها؛ فإنَّ عليه كفَّارةَ يمينٍ، وليس عليه كفَّارةُ ظِهارٍ؛ لأنَّ الظِّهارَ لا يصِحُّ إلَّا مِن زوجةٍ [973] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 362). .
7- قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ، في قَولِه: ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ أنَّ المُعتدَّةَ مِن وفاةٍ عليها العِدَّةُ مُطلقًا وإنْ لم يُدْخَلْ بها، فجَعَلَ اللهُ تعالى هذا الحُكمَ في الطَّلاقِ؛ فيبقى قَولُه تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا [البقرة: 234] على إطلاقِه: أنَّ المتوفَّى عنها زَوْجُها تَجِبُ عليها العِدَّةُ، وإنْ لم يُدخَلْ بها [974] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 364). .
8- قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ في قَولِه: ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ أنَّ الطَّلاقَ بيدِ الزَّوجِ، فلا يَمْلِكُ الأبُ ولا الجَدُّ ولا العَمُّ ولا الخالُ ولا غيرُهم أنْ يُطَلِّقُوا على الإنسانِ [975] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 365). .
9- قَولُ الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ يدُلُّ على جوازِ الطَّلاقِ قبْلَ المسيسِ، كما قال في الآيةِ الأُخرَى: لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ [976] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 668). [البقرة: 236] .
10- قَولُ الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ بيَّن أنَّ العِدَّةَ حَقُّ الزَّوجِ فيها غالبٌ، وإن كان لا يَسقُطُ بإسقاطِه؛ لِما فيه مِن حَقِّ اللهِ تعالى [977] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (25/175)، ((تفسير أبي حيان)) (8/491)، ((زاد المعاد)) لابن القيم (5/591). ؛ لأنَّ ما تتضَمَّنُه العِدَّةُ مِن حِفظِ النَّسَبِ مَقصدٌ مِن أصولِ مقاصدِ التَّشريعِ، فلا يسقطُ بالإسقاطِ، فالإسنادُ إلى الرِّجالِ في طَلَّقْتُمُوهُنَّ وتَمَسُّوهُنَّ؛ للدَّلالةِ على أنَّ العِدَّةَ حقُّ الأزواجِ، كما أشعَرَ به فَمَا لَكُمْ؛ لأنَّ المَقصدَ منها راجعٌ إلى نفْعِ الأزواجِ بحِفْظِ أنسابِهم، ولأنَّهم يَملِكُونَ مُراجعةَ الأزواجِ ما دُمْنَ في مُدَّةِ العِدَّةِ [978] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/235)، ((تفسير أبي السعود)) (7/108، 109)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/61). .
11- قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ في قَولِه: ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ أنَّه لا عِدَّةَ لغيرِ المُطلَّقةِ؛ كالمَفسوخةِ بخُلعٍ أو غَيرِه [979] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 365). .
12- قَولُ الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ يدُلُّ على أنَّ المطلَّقةَ قبْلَ الدُّخولِ لا عِدَّةَ عليها، بل بمجرَّدِ طَلاقِها يجوزُ لها التَّزوُّجُ؛ حيث لا مانِعَ، وعلى أنَّ عليها العِدَّةَ إذا كان طلاقُها بعدَ الدُّخولِ [980] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 668). .
13- قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا قَولُه: تَعْتَدُّونَهَا فيه دليلٌ على أنَّ مِن شأنِ الأزواجِ أنْ يَعْتَدُّوا عِدَّةَ أزواجِهنَّ؛ وأنْ يُحْصُوها ويُراقِبوها ويَعتنوا بها؛ لأنَّها فراشٌ له ما دامتْ في العِدَّةِ، إذا كانت رجعيَّةً [981] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 364). .
14- في قَولِه تعالى: فَمَتِّعُوهُنَّ وُجوبُ المُتْعَةِ على مَن طَلَّق قبْلَ الدخولِ، وهذا مُقَيَّدٌ بالآيةِ الأخرى -وهي ما إذا فَرَضَ لها فريضةً-، فإنَّها إذا فَرَضَ لها مهرًا؛ فليس عليه إلَّا نصفُ المَهْرِ؛ لقولِه تعالى: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ [982] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 668)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 363). [البقرة: 237] .
15- في قَولِه تعالى: فَمَتِّعُوهُنَّ رَحمةُ اللهِ سُبحانَه وتعالى بعِبادِه وخَلقِه؛ حيث أوجَبَ المُتعةَ على مَن طُلِّقَت قبْلَ الدُّخولِ؛ وَجهُ ذلك: أنَّ فيه جَبرًا لخاطرِها، وإزالةً لِلْهَمِّ والغَمِّ الَّذي اعتراها بعدَ الطَّلاقِ [983] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 364). .
16- في قَولِه تعالى: فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا الجَمعُ بيْنَ الإحسانِ الماليِّ والفِعليِّ؛ فقَولُه تعالى: فَمَتِّعُوهُنَّ هذا الإحسانُ الماليُّ، وقولُه تعالى: سَرَاحًا جَمِيلًا هذا الإحسانُ الفِعليُّ [984] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 365). .
17- في قَولِه تعالى: وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا وُجوبُ التَّسريحِ الجَميلِ في المُفارقةِ [985] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 364). .

بلاغةُ الآيةِ:


- قولُه تعالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا خَصَّ المُؤمناتِ بالذِّكرِ -معَ أنَّ الحُكمَ الَّذي نطَقَتْ به الآيةُ تَسْتوي فيه المؤمناتُ والكتابيَّاتُ-؛ لأنَّ في اختِصاصِهنَّ تَنْبيهًا على أنَّ أصلَ أمْرِ المؤمنِ والأَولى به أنْ يَتخيَّرَ لنُطفتِه، وألَّا يَنكِحَ إلَّا مُؤمنةً عفيفةً، ويَتنزَّهَ عن مُزاوجَةِ الفواسقِ، فما بالُ الكوافرِ؟! ويَستنكِفَ أنْ يُدخِلَ تحتَ لِحافٍ واحدٍ عَدُوَّةَ اللهِ ووَلِيَّه [986] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/548)، ((تفسير البيضاوي)) (4/235)، ((تفسير أبي حيان)) (8/489)، ((تفسير أبي السعود)) (7/109). . وقيل: تَعليقُ الحُكمِ في العِدَّةِ بالمؤمناتِ جَرَى على الغالِبِ؛ لأنَّ نِساءَ المؤمنينَ يَومَئذٍ لم يَكُنَّ إلَّا مُؤمناتٍ، وليس فيهنَّ كِتابيَّاتٌ [987] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/60). .
- وأفادَتْ (ثُمَّ) في قولِه: ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ نَفْيَ التَّوهُّمِ عمَّن عَسى أنْ يَتوهَّمَ تَفاوُتَ الحُكمِ بيْنَ أنْ يُطلِّقَها وهي قَريبةُ العهْدِ مِن النِّكاحِ، وبيْنَ أنْ يَبعُدَ عَهدُها بالنِّكاحِ، ويَتراخَى بها المُدَّةُ في حِبالةِ الزَّواجِ، ثمَّ يُطلِّقَها [988] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/548)، ((تفسير البيضاوي)) (4/235)، ((تفسير أبي حيان)) (8/489). . لذا لم يَقُلْ سُبحانَه: «وطلَّقتُموهنَّ» أو «فطلَّقتُموهنَّ»؛ لِيتَبيَّنَ به أنَّه لو تأخَّرَ الطَّلاقُ عن العَقدِ مُدَّةً طويلةً فالحُكمُ لا يَتغيَّرُ، كما أنَّه لو طَلَّقَها مُباشَرةً فالحُكمُ لا يَتغيَّرُ أيضًا [989] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 357). .
- قولُه: مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ المَسُّ والمسيسُ كِنايةٌ عن الوَطْءِ، كما سُمِّيَ مُلامَسةً في قولِه: أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ [990] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/548)، ((تفسير أبي حيان)) (8/489)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/60). [النساء: 43] .
- ولَمَّا كانت العِدَّةُ واجبةً، عبَّر بأداةِ الاستِعلاءِ، فقال: عَلَيْهِنَّ [991] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/376). .
- وأفادَتْ (مِن) في قولِه: فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا العُمومَ؛ لِدُخولِها على النَّكرةِ المَنفيَّةِ، أي: فما لكمْ عليهنَّ مِن جِنسِ العِدَّةِ [992] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/61). .
- قوله: فَمَتِّعُوهُنَّ قيل: لم يصرِّحْ بأنَّ ذلك لغيرِ مَن سمَّى لها؛ لِتَدخُلَ المسمَّى لها في الكلامِ على طريقِ النَّدبِ، معَ ما لها مِن نِصفِ المُسَمَّى، كما دخَلتِ الأُولَى وجوبًا [993] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/377). .