موسوعة التفسير

سُورَةُ آل عِمْرانَ
الآيات (156-158)

ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ

غريبُ الكَلِمات:


غُزًّى: جمْع غازٍ، والغزوُ: الخروجُ إلى مُحاربةِ العَدوِّ، وأصلُ الغزوِ: طلبُ شيءٍ يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 114)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 354)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/423)، ((المفردات)) للراغب (ص: 606)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 52)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 132)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 674). .

المَعنَى الإجماليُّ:


يَنهى اللهُ عِبادَه المؤمنين عن أنْ يُشابهوا الَّذين كفَروا في قولِهم النَّاشئِ عن الاعتراضِ على قَضاءِ اللهِ وأقدارِه، حين قالوا عن إخوانِهم من الكَفَرة الَّذين ماتوا أو قُتِلوا- وهم بَعيدونَ عن أوطانِهم لغرَض التِّجارة أو القِتال- قالوا: لو كانوا مُقيمينَ معنا في أوطاننا، لَمَا أصابَهم ما أصابهم؛ ليجعلَ اللهُ هذا الاعتقادَ والقولَ منهم حسرةً وندامةً في قلوبهم، واللهُ وحده مَن بيدِه إحياءُ الخَلْق وإماتتُهم، وكلُّ ذلك بمشيئته، لا تموتُ نفسٌ إلَّا حين تستوفي أجَلَها، وهو سبحانه بما يعمَلُ خَلقُه بصيرٌ.
ثمَّ يُخاطِب عبادَه سبحانه بأنَّ مَن يُقتَل في سبيل الله أو يموت، فما سينالُه من مغفرةِ الله ورحمتِه هو خيرٌ من البقاءِ في هذه الدُّنيا، وأفضل ممَّا يجمعه أهلُها منها، ثمَّ يُذكِّرهم أنَّهم إنْ ماتوا أو قُتلوا فإنَّ المصيرَ والمرجِع إليه جلَّ وعلا.

تفسير الآيات:


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (156)
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّا بيَّن الله- سبحانه- وتعالى للمؤمنين أنَّ هزيمةَ مَن تولَّى منهم يوم أُحُدٍ كانت بوَسواسٍ من الشيطان استزلَّهم فزَلُّوا، أراد أنْ يُحذِّرهم من مثلِ تلك الوسوسةِ الَّتي أفسدَ الشَّيطانُ بها قلوبَ الكافرين يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (4/159). ، فقال:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا
أي: يا أيُّها المؤمنون، لا تَصيروا مثلَ الكفَّار الَّذين قالوا قولًا منكَرًا ناشئًا عن اعتقادٍ فاسدٍ بالاعتراضِ على قضاءِ الله عزَّ وجلَّ وقدَرِه، وهو قولُهم عن إخوانهم من أهلِ الكفرِ الَّذين خرَجوا من بلادهم سَفرًا لأجل التِّجارة وطلب المعيشة، أو خرَجوا غُزاةً للقتال، فماتوا في سَفَرهم، أو قُتلوا في غزوهم: لو أقاموا معنا في بِلادِنا ولم يَخْرُجوا كما فَعَلْنا نحن لَمَا ماتوا في سفَرِهم، ولَمَا قُتِلوا في غَزوِهم يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/175-177)، ((تفسير ابن كثير)) (2/147)، ((تفسير السعدي)) (ص: 153). .
لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ
أي: إنَّ اللهَ تعالى يَجعلُ هذا القولَ وهذا الاعتقادَ ندامةً في قلوبهم وهمًّا، فتزداد مصيبتُهم بذلك يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/175)، ((تفسير ابن كثير)) (2/147)، ((تفسير السعدي)) (ص: 153). .
وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ
أي: واللهُ تعالى هو وحْدَه الَّذي يملِكُ الإحياءَ والإماتة، فلن يموتَ أحدٌ أو يُقتَل إلَّا بمشيئتِه سبحانه، وذلك بعدَ استكمالِ أجَلِه الَّذي قدَّره الله عزَّ وجلَّ له يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/180-181)، ((تفسير ابن كثير)) (2/147)، ((تفسير السعدي)) (ص: 154). .
وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
القِراءاتُ ذاتُ الأثرِ في التَّفسير:
في قوله تعالى: تَعْمَلُونَ قراءتان:
1- يَعْمَلُونَ على أنَّها خِطابٌ للكافرين قرأ بها ابن كثير وحمزة والكسائي. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/242). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((معاني القراءات)) للأزهري (1/277)، ((الكشف)) لمكي (1/361). .
2- تَعْمَلُونَ على أنَّها خِطابٌ للمؤمنين قرأ بها الباقون. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/242). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((معاني القراءات)) للأزهري (1/277)، ((الكشف)) لمكي (1/361). .
وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
أي: واللهُ عزَّ وجلَّ يرى كلَّ ما يَعمَلُه العبادُ، مؤمنُهم وكافرُهم، من خيرٍ أو شرٍّ، قليلٍ أو كثيرٍ، وهو حافظٌ له، وسيُجازيهم عليه يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/181)، ((تفسير ابن كثير)) (2/147)، ((تفسير السعدي)) (ص: 154). .
وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (157)
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّا نهى اللهُ تعالى المؤمنين عن أنْ يكونوا كالَّذين كفروا وقالوا ما قالوا في شأنِ مَن مات في سفَرٍ أو غزوٍ- بيَّن لهم ثمرةَ فواتِ أنفسِهم في الجهادِ بالموتِ أو القتْل؛ ليكونَ ذلك موجِبًا لتسليمِ الأمرِ للخالِق، وعدمِ التَّخاذُل عن الغزوِ يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (3/405)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (5/104). ، فقال:
وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (157)
أي: إنَّكم إذا قُتِلتم في سبيلِ الله تعالى أو أصابَكم الموتُ في سبيله أيضًا، فهذا أمرٌ حسَنٌ يَنبغي أنْ تطمَعوا فيه، وتتنافسوا عليه؛ لأنَّه موصلٌ إلى نيلِ مغفرةِ الله تعالى لذُنوبكم، وشمولِ رحمتِه عليكم، وذلك أفضلُ لكم من البقاءِ في هذه الدَّارِ وجمْعِ حُطامِها الفاني، كما يفعلُ أهلُ الدُّنيا يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (3/405)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (5/104). .
قال تعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس: 58].
وقال سبحانه: وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [الزخرف: 32].
وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّا رغَّب اللهُ تعالى المجاهدِينَ في الآيةِ الأُولى بمغفرتِه ورحمتِه، زادَ في إعلاءِ الدَّرجاتِ، فرغَّبهم هاهنا بالحشرِ إليه يُنظر: ((تفسير الرازي)) (9/404). ، فقال:
وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ
أي: إنْ أصابَكم الموتُ أو القتْلُ- أيُّها المؤمنون- فإنَّ مَصيرَكم في النهاية هو العودةُ إلى الله عزَّ وجلَّ، فيُجازيكم بما صنعتُم، فآثِروا ما يُقرِّبكم من اللهِ تعالى، وكونوا مُطمئنِّين ومستبشرين للقائِه سبحانه يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (6/183-184)، ((تفسير السعدي)) (ص: 154)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (2/360-361). .

الفَوائِد التربويَّة:


1- عِلمُ الله لا يَتغيَّرُ، وحُكمُه لا ينقلِبُ، وقضاؤُه لا يتبدَّلُ، فلا تأثيرَ لشيءٍ آخرَ في الحياةِ والموت: مَن قُدِّر له البقاءُ لم يُقتَل في الجهاد، ومَن قُدِّر له الموتُ لم يَبقَ وإنْ لم يجاهد؛ يُبيِّنُ ذلك قولُه تعالى: وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ يُنظر: ((تفسير الرازي)) (9/402،399)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (5/105). .
2- إثباتُ عمومِ عِلمِ الله عزَّ وجلَّ بكلِّ ما نعمل؛ لقوله: وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ أو بِمَا يَعْمَلُونَ، ويَترتَّبُ على هذه الفائدةِ فائدةٌ مسلكيَّةٌ ينتفعُ بها الإنسانُ في سلوكِه وعملِه، وهي أنَّه إذا آمَن بأنَّ اللهَ بَصيرٌ بما يعمل لزِم من ذلك أنْ يستقيمَ على أمْرِه يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (2/355). .
3- إنَّ مصيرَ العالَمين كلِّهم إلى اللهِ تعالى؛ فالموافاةُ على الشَّهادةِ أمثلُ بالمرء؛ ليُحرِزَ ثوابها ويجِدَه وقتَ الحشر، ذلك خيرٌ له من أنْ يموتَ مِن غيرِ ما فائدةٍ؛ يبيِّنُ ذلك قولُه تعالى: وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ يُنظر: ((تفسير الرازي)) (9/403، 400)، ((تفسير أبي حيان)) (3/406). ، فالنهايةُ واحدةٌ: موتٌ أو قتْلٌ في الموعدِ المحتوم، والأَجَلِ المقسوم، ورجعةٌ إلى الله وحشرٌ في يومِ الجَمْعِ والحشر، ومغفرةٌ من الله ورحمةٌ، أو غضبٌ من الله وعذاب؛ فأحْمَقُ الحمقَى مَن يختار لنفسِه المصيرَ البائس، وهو ميِّتٌ على كلِّ حال يُنظر: ((تفسير الرازي)) (9/403،400)، ((تفسير أبي حيان)) (3/406). !

الفوائِدُ العِلميَّةُ واللَّطائِف:


1- في قول الله تعالى: إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى ذكَرَ الغزوَ بعدَ الضَّربِ في الأرض وهو داخلٌ فيه؛ قيل: لأنَّ الضَّربَ في الأرض يُراد به الإبعادُ في السَّفر، لا ما يَقرُب منه، وفي الغزو لا فَرقَ بين بعيدِه وقريبِه، فبينهما عمومٌ وخصوص؛ فتغايرَا، فصحَّ إفرادُه يُنظر: ((تفسير الرازي)) (9/400)، ((تفسير أبي حيان)) (3/401). . وقِيل: قدَّم الضَّربَ في الأرض على الغزو؛ لكَثرتِه يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (3/401). .
3- في قولِ الله تعالى: لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا قدَّم الموتَ على القتْل؛ قيل: لِمُناسبةِ ما قَبلَه من قوله: إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (3/406)، ((تفسير الشربيني)) (1/259). ، أو باعتبارِ أنَّ الموتَ حتْفَ الأنفِ هو الغالبُ، وليس القتْل يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (3/406، 407). .
4- الرَّدُّ على القدريَّة؛ لقوله: لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ يعني: أنَّ اللهَ قدَّر أنْ يقولوا هذا القولَ ليجعلَه حَسرةً في قلوبهم يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (2/355). .
5- قول الله تعالى: وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ علَّق ما قال الكافرون بالبصرِ لا بالسَّمعِ، وإنْ كان الصادرُ منهم قولًا مسموعًا لا فِعلًا مرئيًّا، لَمَّا كان ذلك القولُ من الكافِرِ قصدًا منهم إلى عَملٍ يُحاولونه، فخَصَّ البصرَ بذلك يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (3/404). .
6- في قوله تعالى: وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ الرَّدُّ على الجبريَّة، حيث أضافَ العملَ إليهم، والجبريَّةُ لا يُضيفون العملَ إلى الإنسان يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (2/355). .
7- قول الله تعالى: وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ قدَّم القتلَ على الموت؛ لأنَّه محلُّ تحريضٍ على الجهاد، فقدَّم الأهمَّ والأشرفَ يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (3/407)، ((تفسير الشربيني)) (1/259). .
8- الجَمْع بين المغفرة والرَّحمة ليكملَ للإنسانِ سعادتُه؛ إذ بالمغفرةِ زوالُ المكروه، وبالرَّحمةِ حصولُ المطلوب: لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (2/360). .
9- جوازُ إيقاع التَّفضيلِ بين شيئينِ بينهما بُعدٌ تامٌّ، كما قال تعالى: لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (2/360). .
10- قول الله تعالى: وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ قدَّم الموتَ هنا على القتْل؛ قيل: لأنَّها آيةُ وعْظٍ بالآخِرة والحشرِ، وتزهيدٍ في الدُّنيا والحياة، والموتُ فيها مُطلَق لم يقيَّدْ بشيءٍ فقُدِّم لعمومِه، أو لأنَّه أغلبُ في النَّاس من القتْل يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (3/406)، ((تفسير الشربيني)) (1/259). .
11- في قوله تعالى: وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ زيادةُ تسليةٍ للمؤمنين؛ لأنَّ المؤمنَ إذا عَلِم أنَّ مرجعَه إلى الله فإنَّه سوف يَطمئنُّ ويستبشرُ وينشرحُ صدرُه بذلك يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (2/361). .

بلاغة الآيات:


1- قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
- في الآية: حِكايةُ الحالِ الماضيةِ؛ لاستحضارِ الصُّورةِ في الذِّهن، وتجسيدِ المعنى المراد، والتَّشخيصِ لِمَا يُراد عَرْضُه؛ فـ: إِذَا ظرفٌ للمستقبل، وقد جاء متعلقًا بـقَالُوا، وهي فِعل ماضٍ، وكان ظاهرُ الكلام يَقضي باستعمال (إذ) المفيدةِ للمُضيِّ، ولكنَّه عدَل عنها إلى إِذَا؛ لحكايةِ الحالِ الماضية، وفائدتُها استمرارُ الزَّمان المنتظِم للحالِ الَّذي يَدورُ عليه الحديثُ إلى وقتِ التَّكلُّم يُنظر: ((تفسير الرازي)) (9/401)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (2/84). .
- وقوله: وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ: خبرٌ متضمِّنٌ للتَّحذيرِ لهم مِن أن يُضمروا العَوْدَ إلى ما نُهوا عنه يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/105)، ((تفسير ابن عاشور)) (4/143). .
- وفيه: إظهارُ الاسمِ الجليلِ (الله) في موقعِ الإضمارِ؛ لتربيةِ المهابةِ، وإلقاءِ الرَّوْعةِ، والمبالغةِ في التَّهديد، والتَّشديدِ في الوعيد يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/104)، ((دليل البلاغة القرآنية)) للدبل (ص: 567). .
- وفيه: تعليقُ قولهم بالبَصرِ لا بالسَّمعِ- مع أنَّ المتبادرَ أنَّ تعليقَه بالسَّمعِ أليقُ؛ لأنَّ الصادرَ منهم كان قولًا مسموعًا لا فِعلًا مرئيًّا- ونُكتةُ ذلك: أنَّه لَمَّا كان ذلك القولُ من الكافر قصدًا منهم إلى عمل يحاولونه، فخصَّ البصر بذلك، كقولِك لِمَن يقول شيئًا وهو يَقصِد فِعلًا يحاوله: أنا أرى ما تَفعلُه يُنظر: ((تفسير الراغب)) (3/944)، ((تفسير أبي حيان)) (3/404)، ((تفسير أبي السعود)) (2/104). .
2- قوله: لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ: فيه تأكيدُ الخبرِ باسميَّةِ الجملة، واللام يُنظر: ((دليل البلاغة القرآنية)) للدبل (ص: 568). .
- ووردتْ لَمَغْفِرَةٌ وَرَحْمَةٌ نكرتين، إشارةً إلى أنَّ أيسرَ جزءٍ من المغفرة والرَّحمة خيرٌ من الدُّنيا، وأنَّه كافٍ في فوزِ المؤمن يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (3/405)، ((تفسير الشربيني)) (1/259). .
5- قوله: وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ: فيه توكيدُ الخبر باسميَّةِ الجملة، واللام في لَإِلَى، وبتقديمِ ما حقُّه التَّأخير لَإِلَى يُنظر: ((دليل البلاغة القرآنية)) للدبل (ص: 569). .
- وعبَّر بقوله تعالى: لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ ولم يقُلْ: (تحشرون إلى الله)؛ لأنَّ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ يُفيد الحَصرَ، فمعناه: إلى اللهِ يُحشَر العالَمون لا إلى غيرِه، وهذا يدلُّ على أنَّه لا حَاكمَ في ذلك اليومِ ولا ضارَّ ولا نافعَ إلَّا هو سبحانه وتعالى يُنظر: ((تفسير الرازي)) (9/404). .
- وقوله: تُحْشَرُونَ بُني لِمَا لم يُسمَّ فاعلُه، مع أنَّ فاعلَ ذلك الحَشرِ هو اللهُ تعالى، وإنَّما لم يقَعِ التَّصريحُ به؛ لأنَّه تعالى هو العظيمُ الكبير، وترك التَّصريح في مِثل هذا الموضعِ أدلُّ على العظَمةِ يُنظر: ((تفسير الرازي)) (9/405)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (5/105). .