موسوعة التفسير

سورةُ الكَهفِ
الآيات (13-15)

ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ

غريب الكلمات:


وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ: أي: ثبَّتْنا قلوبَهم، وألْهَمناهم الصَّبرَ، وأصلُ (ربط): يدُلُّ على شَدٍّ وثَباتٍ [164] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 264)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 239)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/478)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 216).   .
شَطَطًا: أي: قَولًا جائِرًا بعيدًا عن الحَقِّ، وأصلُ (شطط): يدُلُّ على البُعدِ [165] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 264)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 288)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/165)، ((الغريبين)) للهروي (3/1002)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 272).   .
بِسُلْطَانٍ: أي: بحُجَّةٍ، وأصْلُ السُّلطانِ: القوَّةُ والقَهرُ، مِن التَّسلُّطِ؛ ولذلك سُمِّي السُّلطانُ سُلطانًا [166] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 113)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/95)، ((المفردات)) للراغب (ص: 247، 420، 724).   .

المعنى الإجمالي:


بعدَ أن أجمَل الله تعالى الكلامَ عن أصحابِ الكهفِ أخَذ يُفصِّلُ قصتَهم، فقال تعالى: نحن نَقُصُّ عليك -يا مُحَمَّدُ- خبَرَ أصحابِ الكَهفِ بالصِّدقِ، إنَّ أصحابَ الكَهفِ شَبابٌ آمنوا باللهِ، وزِدْناهم ثَباتًا وهُدًى، وثبَّتْنا قُلوبَهم بالإيمانِ، حين قاموا  فقالوا: رَبُّنا هو رَبُّ السَّمَواتِ والأرضِ، لن نَعبُدَ غَيرَه مِن الآلهةِ، لو عَبَدْنا غيرَه لكُنَّا قد قُلْنا قَولًا جائِرًا بعيدًا عن الصَّوابِ والحَقِّ، هؤلاء قَومُنا اتَّخَذوا آلِهةً غَيرَ اللهِ تعالى، فهلَّا يأتونَ بدَليلٍ واضِحٍ على صِحَّةِ عبادتِهم لها، فلا أحَدَ أشَدُّ ظُلْمًا ممَّن اختَلَقَ على اللهِ الكَذِبَ، فادعى شريكًا له في الألوهيةِ.

تفسير الآيات:


نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ.
أي: نحن -يا مُحَمَّدُ- لا غَيرُنا نَروي لك خبَرَ أصحابِ الكَهفِ بالصِّدقِ المُطابِقِ للواقِعِ، واليَقينِ الذي لا شَكَّ فيه [168] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/178، 179)، ((تفسير السعدي)) (ص: 471)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/271)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الكهف)) (ص: 26).   .
إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ.
أي: إنَّ أصحابَ الكَهفِ شَبابٌ آمنُوا باللهِ حقًّا [169] قال ابن كثير: (ذُكِرَ أنَّهم كانوا على دينِ عيسى ابنِ مريمَ عليه السلام، والله أعلم. والظَّاهِرُ أنَّهم كانوا قبل مِلَّةِ النصرانيَّة بالكليَّةِ؛ فإنَّهم لو كانوا على دينِ النصرانيَّة لما اعتنى أحبارُ اليهود بحِفظِ خَبرِهم وأمْرِهم؛ لِمُباينتِهم لهم). ((تفسير ابن كثير)) (5/140).   ، فوحَّدُوه ولم يُشرِكُوا به شَيئًا [170] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/179)، ((تفسير ابن كثير)) (5/140)، ((تفسير السعدي)) (ص: 471).   .
وَزِدْنَاهُمْ هُدًى.
أي: وبسَبَبِ أصلِ اهتدائِهم مِن قَبلُ إلى الإيمانِ، زِدْنَاهم إيمانًا، وعِلمًا بالحقِّ، وعملًا صالحًا [171] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/179)، ((تفسير القرطبي)) (10/365)، ((تفسير السعدي)) (ص: 471).   .
كما قال تعالى: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ [محمد: 17].
وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (14).
وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ.
أي: وشَدَدْنا على قُلوبِهم، وثَبَّتْناها بالإيمانِ والصَّبرِ، فاشتَدَّ عَزمُهم، وقَوِيَ صَبْرُهم [172] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/179)، ((تفسير القرطبي)) (10/365)، ((مدارج السالكين)) لابن القيم (3/68)، ((تفسير ابن كثير)) (5/140)، ((تفسير السعدي)) (ص: 472)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/214)، ((تفسير الكهف)) لابن عثيمين (ص: 26).   .
كما قال تعالى: وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [القصص: 10].
  إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا.
أي: رَبَطْنا على قُلوبِهم حِينَ [173] قال ابنُ عاشور: (إِذْ قَامُوا ظَرفٌ للرَّبطِ، أي: كان الرَّبطُ في وَقتِ قيامِهم، أي: كان ذلك الخاطِرُ الذي قاموا به مُقارِنًا لِرَبطِ الله على قُلوبِهم، أي: لولا ذلك لَمَا أقدَموا على مِثلِ ذلك العَمَلِ وذلك القَولِ). ((تفسير ابن عاشور)) (15/272).   قاموا لله، فقالوا مُعلِنينَ الحَقَّ [174] قيل: قاموا بين يَدَي مَلِكِهم. وممَّن قال بهذا: ابن جرير. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/179). وقيل: قاموا في قَومِهم. وممن قال بذلك: ابنُ عثيمين، وذكره ابنُ عاشورٍ احتمالًا. يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الكهف)) (ص: 26)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/272). قال ابنُ عطية: (قَولُه تعالى: إِذْ قَامُوا فَقَالُوا يحتَمِلُ مَعنَيينِ؛ أحدُهما: أن يكونَ هذا وَصفَ مُقامِهم بينَ يَدَيِ المَلِك الكافِرِ؛ فإنَّه مقامٌ يَحتاجُ إلى الرَّبطِ على القَلبِ؛ حيث صَلُبوا عليه، وخالفوا دينَه، ورَفَضوا في ذاتِ اللهِ هَيبَتَه، والمعنى الثاني: أن يُعَبَّرَ بالقيامِ عن انبعاثِهم بالعَزمِ إلى الهُروبِ إلى الله، ومُنابَذةِ النَّاسِ، كما تقولُ: قام فلانٌ إلى أمرِ كذا: إذا اعتَزَم عليه بغايةِ الجِدِّ). ((تفسير ابن عطية)) (3/501). : رَبُّنا الذي خَلَقَنا ويَملِكُنا ويَرزُقُنا ويُدَبِّرُ أمورَنا، هو الرَّبُّ المتفَرِّدُ بخَلقِ السَّمواتِ والأرضِ ومِلْكِها وتَدبيرِها، لن نَعبُدَ [175] قال ابنُ عثيمين: (لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لن نَدعُوَ -دُعاءَ مسألةٍ ولا دُعاءَ عِبادةٍ- إلَهًا سِواه). ((تفسير ابن عثيمين- سورة الكهف)) (ص: 27).   غَيرَه أبدًا؛ فهو الإلهُ المُستَحِقُّ للعبادةِ وَحْدَه لا شريكَ له [176] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/179)، ((تفسير القشيري)) (2/381)، ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (3/6)، ((تفسير السعدي)) (ص: 472)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الكهف)) (ص: 26، 27).   .
لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا.
أي: لو دَعَوْنا غيرَ اللهِ لَكُنَّا قد أفرَطْنا وغَلَوْنا في قَولِ الكَذِبِ، والتحَدُّثِ بالباطِلِ والبهتانِ [177] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/179، 180)، ((تفسير ابن كثير)) (5/141)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/215، 216).   .
هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (15).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا وَحَّد هؤلاء الفِتيةُ اللهَ تعالى، ورَفَضوا ما دُونَه مِن الآلهةِ، وذكَروا ما مَنَّ اللهُ به عليهم مِن الإيمانِ والهُدى؛ التَفَتوا إلى ما كان عليه قَومُهم مِن اتِّخاذِ الآلِهةِ مِن دونِ اللهِ، وأخَذُوا في ذَمِّهم وسُوءِ فِعلِهم، وأنَّهم لا حُجَّةَ لهم في عبادةِ غيرِ الله، ثمَّ عَظَّموا جُرْمَ مَن افتَرى على اللهِ كَذِبًا [178] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/149)، ((تفسير السعدي)) (ص: 472).   .
هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً.
أي: قال الفِتيةُ المُؤمِنونَ [179] قال ابنُ عطيةَ: (وقولُهم: هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا مَقالةٌ تَصلُحُ أن تكونَ مِمَّا قالوا في مقامِهم بين يَدَيِ المَلِك، وتصلُحُ أن تكونَ مِن قَولِ بَعضِهم لبعضٍ عند قيامِهم للأمرِ الذي عَزَموا عليه). ((تفسير ابن عطية)) (3/501).   : هؤلاءِ أهلُ عَصْرِنا وبَلَدِنا اتَّخَذوا مِن دُونِ اللهِ آلِهةً يَعبُدونَها [180] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/180)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 655)، ((تفسير القرطبي)) (10/366)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الكهف)) (ص: 28).   .
  لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ.
أي: فهلَّا يأتي قَومُنا بحُجَّةٍ واضِحةٍ تدُلُّ على صَوابِ عِبادةِ تلك الآلهةِ التي يَتَّخِذونَها [181] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/180، 181)، ((تفسير القرطبي)) (10/366)، ((تفسير ابن كثير)) (5/141)، ((تفسير السعدي)) (ص: 472)، ((تفسير الكهف)) لابن عثيمين (ص: 28).   ؟!
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا  .
مُناسَبتُها لِما قَبلَها:
أنَّه تسَبَّبَ عن عَجزِهم عن دَليلٍ أنَّهم أظلَمُ الظَّالِمينَ؛ لافتِعالِهم الكَذِبَ عن مَلِكِ المُلوكِ ومالِكِ المُلكِ؛ فلذلك قالوا [182] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (12/23).   :
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا  .
أي: فلا أحدَ أشَدُّ ظُلمًا ممَّن اختَلَقَ الكَذِبَ على اللهِ، فادَّعى أنَّ له شَريكًا يُعبَدُ [183] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/181)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/275)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/216). قال ابنُ عاشور: (المعنى: أنَّ هؤلاء افتَرَوا على اللهِ كَذِبًا، وذلك أنَّهم أشركوا معه غيرَه في الإلهيَّةِ؛ فقد كَذَبوا عليه في ذلك؛ إذ أثبتوا له صِفةً مُخالِفةً للواقِعِ). ((تفسير ابن عاشور)) (15/275).   .

الفوائد التربوية:


1- قال اللهُ تعالى: إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى يُفهَمُ مِن هذه الآيةِ الكَريمةِ أنَّ مَن آمَنَ برَبِّه وأطاعَه، زاده رَبُّه هُدًى؛ لأنَّ الطَّاعةَ سَبَبٌ للمَزيدِ مِن الهُدى والإيمانِ [184] يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/213).   ، وإنَّ مِن ثوابِ الحسنةِ الحسنةَ بعدَها، ومَن عمِل بما يعلمُ أورَثه الله تعالى علمَ ما لم يعلَمْ [185] يُنظر: ((تفسير آيات من القرآن الكريم)) (5/243)، (مطبوع ضمن مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب).   .
2- قَولُ الله تعالى: وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ يُفهَمُ مِنه أنَّ مَن كان في طاعةِ رَبِّه جَلَّ وعَلا، أنَّه تعالى يُقَوِّي قَلْبَه، ويُثَبِّتُه على تحَمُّلِ الشَّدائِدِ، والصَّبرِ الجَميلِ [186] يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/214).   .
3- في قوله تعالى: وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أنَّ المؤمنَ أحوجُ شيءٍ إلى أن يربِطَ الله على قلبِه، ولولا ذلك الربطُ افتتنوا [187] يُنظر: ((تفسير آيات من القرآن الكريم)) (5/243)، (مطبوع ضمن مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب).   .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قَولُ الله تعالى: إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ هذا مِن جُموعِ القِلَّةِ، ويدُلُّ على أنَّهم كانوا دونَ العَشرةِ [189] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 471).   .
2- قَولُ الله تعالى: وَزِدْنَاهُمْ هُدًى استَدَلَّ بهذه الآيةِ وأمثالِها غيرُ واحدٍ مِن الأئمَّةِ -كالبُخاريِّ وغَيرِه- على زيادةِ الإيمانِ وتَفاضُلِه، وأنَّه يزيدُ ويَنقُصُ؛ ولهذا قال تعالى: وَزِدْنَاهُمْ هُدًى، كما قال: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ [محمد: 17]، وقال: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا [التوبة: 124]، وقال: لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ [الفتح:4] إلى غيرِ ذلك منَ الآياتِ الدَّالَّةِ على ذلك [190] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (5/140).   .
3- قال اللهُ تعالى عن أهلِ الكَهفِ: إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا قاموا فذَكَروا اللهَ على هِدايَتِه، وشَكَروا لِمَا أَولاهم مِن نِعْمَتِه، ثمَّ هامُوا على وُجوهِهم مُنقَطِعينَ إلى رَبِّهم، خائِفينَ مِن قَومِهم، وهذه سُنَّةُ اللهِ في الرُّسُلِ والأنبياءِ والفُضَلاءِ الأولياءِ [191] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (10/366).   .
4- قال اللهُ تعالى عن أهلِ الكَهفِ: إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا، فاستَدَلُّوا بتَوحيدِ الرُّبوبيَّةِ على توحيدِ الإلهيَّةِ؛ ولهذا قالوا: لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا [192] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 472).   .
5- قال تعالى: فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا أي: لو دَعَوْنا وعَبَدْنا مِن دونِه إلهًا واللهِ لقد قُلْنا إِذًا شَطَطًا، واستلزامُ العبادةِ القَولَ؛ لِمَا أنَّها لا تَعرَى عن الاعترافِ بألوهيَّةِ المعبودِ، والتضَرُّعِ إليه، وفي هذا القَولِ دَلالةٌ على أنَّ الفِتيةَ دُعُوا لعبادةِ الأصنامِ، ولِيمُوا على تَركِها [193] يُنظر: ((تفسير الألوسي)) (8/ 209).   .

بلاغة الآيات:


1- قوله تعالى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى
     - هذا شُروعٌ في مُجْمَلِ القصَّةِ والاهتمامِ بمَواضعِ العِبْرةِ منها [194] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/209).   ، وقُدِّمَ منها ما فيه وصْفُ ثَباتِهم على الإيمانِ، ومُنابذتِهم قومَهم الكَفَرةَ، ودُخولِهم الكهْفَ. ولمَّا اقْتَضى قولُه قبْلُ: لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى أنَّ في نبَأِ أهْلِ الكهْفِ تَخرُّصاتٍ ورجْمًا بالغيبِ؛ أثارَ ذلك في النَّفسِ تطلُّعًا إلى معرفةِ الصِّدقِ في أمْرِهم، من أصْلِ وُجودِ القصَّةِ إلى تَفاصيلِها، من مُخبِرٍ لا يُشَكُّ في صِدْقِ خبَرِه؛ فكانت جُملةُ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ استئنافًا بَيانيًّا لجُملةِ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا [195] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/270-271).   .
     - قولُه: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ تَقديمُ المُسنَدِ إليه نَحْنُ على المُسنَدِ الفعليِّ نَقُصُّ يُفيدُ الاختصاصَ، أي: نحن لا غيرُنا يقُصُّ قصَصَهم بالحقِّ [196] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/271).   .
     - والباءُ في قولِه: بِالْحَقِّ للمُلابَسةِ، أي: القَصصُ المُصاحِبُ للصِّدقِ لا للتَّخرُّصاتِ [197] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/271).   .
     - وجُملةُ: إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا مُبيِّنةٌ للقصصِ والنَّبأِ. وافتتاحُ الجُملةِ بحرْفِ التَّأكيدِ إِنَّهُمْ؛ لمُجرَّدِ الاهتمامِ، لا لردِّ الإنكارِ [198] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/271).   .
     - وقولُه: إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ استئنافٌ تَحقيقيٌّ مَبْنيٌّ على تَقديرِ السُّؤالِ من قِبَلِ المُخاطَبِ [199] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/209).   .
     - قولُه: آمَنُوا بِرَبِّهِمْ فيه الْتِفاتٌ، حيث لم يقُلْ: (آمَنوا بِنا)؛ للإشعارِ بعِلِّيَّةِ وصْفِ الرُّبوبيَّةِ لإيمانِهم، ولمُراعاةِ ما صدَرَ عنهم من المقالةِ حسَبَما سيُحْكَى عنهم [200] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/210).   ، أو للإشعارِ بتلك الرُّتبةِ؛ وهي أنَّهم مَرْبوبون له مَمْلوكون [201] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/148).   .
     - وأيضًا في قولِه: وَزِدْنَاهُمْ الْتِفاتٌ من الغَيبةِ إلى ما عليه سَبْكُ النَّظمِ سِباقًا وسِياقًا من التَّكلُّمِ، ولم يأْتِ التَّركيبُ: (وزادهم)؛ لِما في لفظةِ (نا) من العَظمةِ والجَلالِ [202] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/148)، ((تفسير أبي السعود)) (5/210).   .
2- قوله تعالى: وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا
     - قولُه: وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ لمَّا كان الفزَعُ وخوفُ النَّفسِ يُشْبِهُ بالتَّناسُبِ الانحلالَ، حسُنَ في شِدَّةِ النَّفسِ وقُوَّةِ التَّصميمِ أنْ تُشْبِهَ الرَّبطَ [203] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/148).   .
     - قولُهم: رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا عَرَّفوا اللهَ تعالى بطريقِ الإضافةِ إلى ضَميرِهم؛ إمَّا لأنَّهم عُرِفوا من قبْلُ بأنَّهم عَبَدوا اللهَ المُنزَّهَ عن خَصائصِ المُحدَثاتِ، وإمَّا لأنَّ اللهَ لم يكُنْ مَعروفًا باسمٍ علَمٍ عندَ أولئك المُشرِكين؛ فلم يكُنْ طَريقٌ لتَعريفِهم الإلهَ الحقَّ إلَّا طريقَ الإضافةِ، هذا إنْ كان القولُ مَسوقًا إلى قومِهم المُشرِكين؛ قَصَدوا به موعظةَ قومِهم بدونِ مُواجهةِ خِطابِهم؛ استِنزالًا لطائرِهم على طَريقةِ التَّعريضِ من بابِ (إيَّاكِ أعْني فاسْمَعي يا جارةُ)، واستقصاءً لتَبليغِ الحقِّ إليهم، أو قَصَدوا به إعلانَ إيمانِهم بين قومِهم، وإظهارَ عدَمِ الاكتراثِ بتَهديدِ الملِكِ وقومِه. وإنْ كان هذا القولُ قد جرى بينهم في خاصَّتِهم تَمهيدًا لقولِهم: وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ...، وتضمَّن التعريفُ بالإضافةِ تَشريفًا لأنفُسِهم [204] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/272).   ، وضَمَّنوا دَعواهم ما يُحقِّقُ فَحواها، ويَقْضي بمُقتضاها؛ فإنَّ رُبوبيَّتَه عَزَّ وجَلَّ للسمواتِ والأرضِ تَقْتضي رُبوبيَّتَه لِما فيهما [205] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/210).   ، وفيه تأكيدُ هذا التَّوحيدِ بالبَراءةِ من إلهٍ غيرِه بلفْظِ النَّفيِ (لن) المُستغرِقِ تأبيدَ الزَّمانِ على قولٍ [206] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/149).   .
     - قولُهم: لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا فيه ذِكْرُ الدُّعاءِ دُونَ العِبادةِ؛ لأنَّ الدُّعاءَ يشمَلُ الأقوالَ كلَّها من إجراءِ وصْفِ الإلهيَّةِ على غيرِ اللهِ، ومن نِداءِ غيرِ اللهِ عندَ السُّؤالِ [207] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/273).   .
     - وفي قولِه: إِلَهًا العُدولُ عن أنْ يُقالَ: (ربًّا)؛ للتَّنصيصِ على رَدِّ المُخالِفين؛ حيث كانوا يُسمُّون أصنامَهم آلهةً، وللإشعارِ بأنَّ مَدارَ العِبادةِ وصْفُ الأُلوهيَّةِ، وللإيذانِ بأنَّ رُبوبيَّتَه تعالى بطريقِ الألوهيَّةِ [208] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/210).   .
     - وجُملةُ: لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا استئنافٌ بيانيٌّ لِما أفاده تَوكيدُ النَّفيِ بـ (لن) [209] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/273).   . واللَّامُ في لَقَدْ لامُ تَوكيدٍ [210] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/149).   .
     - قولُه: لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا أي: قولًا ذا شطَطٍ، أي: تجاوُزًا عن الحَدِّ. أو: قولًا شَططًا، فجعَلَه هو عينَ الشَّططِ، على أنَّه وُصِفَ بالمصدرِ مُبالغةً، ثمَّ اقتُصِرَ على الوصْفِ؛ مُبالغةً على مُبالغةٍ [211] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/210)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/274).   .
3- قوله تعالى: هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا
     - قولُه: هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً استئنافٌ بيانيٌّ لِما اقتضَتْه جُملةُ لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا؛ إذ يَثورُ في نفْسِ السَّامعِ أنْ يَتساءلَ عمَّن يقولُ هذا الشَّططَ؟ إنْ كان في السَّامعينَ مَن لا يعلَمُ ذلك، أو بتَنزيلِ غيرِ السَّائلِ منزلةَ السَّائلِ [212] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/273).   .
     - والإشارةُ إلى قومِهم بـ هَؤُلَاءِ لقَصدِ تَمييزِهم بما سيُخْبَرُ به عنهم. وفي هذه الإشارةِ تَعريضٌ بالتَّعجُّبِ مِن حالِهم، وتَفضيحُ صُنْعِهم، واحتقارٌ لهم، وهو من لَوازمِ قصْدِ التَّمييزِ [213] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/210)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/273).   . وجُملةُ: اتَّخَذُوا خبَرٌ عن اسمِ الإشارةِ، وهو خبَرٌ مُستعملٌ في الإنكارِ عليهم دونَ الإخبارِ؛ إذ اتِّخاذُهم آلهةً من دُونِ اللهِ معلومٌ بين المُتخاطبينَ، فليس الإخبارُ به بمُفيدٍ فائدةَ الخبَرِ [214] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/707)، ((تفسير البيضاوي)) (3/275)، ((تفسير أبي السعود)) (5/210)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/273).   .
     - في قولِه: لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ تَحضيضٌ صَحِبَه الإنكارُ؛ إذ يستحيلُ وُقوعُ سُلطانٍ بيِّنٍ على ثُبوتِ الإلهيَّةِ للأصنامِ الَّتي اتَّخَذوها آلهةً، بقَرينةِ أنَّهم أنْكَروه عليهم؛ فلا يُمكِنُ فيه التَّحضيضُ الصِّرفُ؛ فانصرَفَ التَّحضيضُ إلى التَّبكيتِ والتَّغليطِ، وكان حضُّهم على ذلك على سَبيلِ التَّعجيزِ لهم، أي: اتَّخَذوا آلهةً من دُونِ اللهِ لا بُرهانَ على إلهيَّتِهم؛ فكانت هذه الجُملةُ مُؤكِّدةً للجُملةِ الَّتي قبْلَها باعتبارِ أنَّها مُستعملةٌ في الإنكارِ؛ لأنَّ مَضمونَ هذه الجُملةِ يُقوِّي الإنكارَ عليهم [215] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/149)، ((تفسير الزمخشري)) (2/707)، ((تفسير أبي السعود)) (5/210)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/275).   .