موسوعة القواعد الفقهية

المَطلبُ الأوَّلُ: قاعِدةُ بناءُ الأحكامِ على عُرفِ الشَّرعِ لا على العاداتِ الباطِلةِ


أوَّلًا: صيغةُ القاعِدةِ.
استُعمِلتِ القاعِدةُ بهذه الصِّيغةِ: "بناءُ الأحكامِ على عُرفِ الشَّريعةِ دونَ عادةِ الظَّلَمةِ" [110] يُنظر: ((المبسوط)) للسرخسي (16/136). . ولعَلَّ التَّعبيرَ بعِبارة: "العاداتِ الباطِلةِ" بَدَلًا مِن "عادةِ الظَّلَمةِ" أعَمُّ وأنسَبُ للقاعِدةِ.
ثانيًا: المَعنى الإجماليُّ للقاعِدةِ.
جَعَل اللهُ عَزَّ وجَلَّ لعِبادِه مَصادِرَ لمَعرِفةِ أحكامِه، وهيَ كِتابُ اللهِ تعالى، وسُنَّةُ نَبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ثُمَّ إجماعُ الأُمَّةِ والقياسُ الصَّحيحُ اللَّذانِ يَعتَمِدانِ بدَورِهما على نُصوصِ القُرآنِ والسُّنَّةِ، فإذا نُصَّ على الحُكمِ في القُرآنِ أوِ السُّنَّةِ أو أجمَعَت عليه الأُمَّةُ، فلا يَصِحُّ حينَئِذٍ اجتِهادُ مُجتَهِدٍ لتَشريعِ حُكمٍ آخَرَ نَظَرًا لواقِعٍ يَدَّعيه أو أمرٍ يَفتَريه؛ لأنَّ اللَّهَ أعلمُ بما خَلقَ، وأحكَمُ فيما شَرَعَ، والأحكامُ إنَّما تُبنى وتُستَمَدُّ مِمَّا عُرِف في الشَّريعةِ لا مِن أهواءِ أهلِ الباطِلِ ورَغَباتِهم، فالتَّشريعُ والتَّحليلُ والتَّحريمُ مِن خَصائِصِ اللَّهِ تعالى، فهو حَقٌّ خالصٌ للهِ وحدَه لا شَريكَ له؛ فالحَلالُ ما أحَلَّه اللهُ ورَسولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، والحَرامُ ما حَرَّمَه اللهُ ورَسولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، والدِّينُ ما شَرَعَه اللهُ ورَسولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ فمَن ألزَمَ النَّاسَ بغَيرِ شَرعِ اللهِ فقد نازَعَ اللَّهَ فيما اختَصَّ به اللهُ سُبحانَه وتعالى، وتَعَدَّى على حَقٍّ مِن حُقوقِه، فلا قيمةَ لقَولِه ولا اعتِدادَ برَأيِه، فالقاعِدةُ تَرسُمُ الطَّريقَ الصَّحيحَ لبناءِ الأحكامِ، وهو أنَّ الأحكامَ كُلَّها إنَّما تُبنى على ما عُرِف في الشَّرعِ وثَبَتَ بالدَّليلِ الشَّرعيِّ، وليسَ على ما اعتادَه الظَّلَمةُ وأهلُ الباطِلِ مِن أعرافٍ باطِلةٍ وقَوانينَ جائِرةٍ تُعارِضُ شَرعَ اللهِ تعالى [111] يُنظر: ((المبسوط)) للسرخسي (16/136)، ((موسوعة القواعد الفقهية)) للبورنو (2/74)، ((https://dorar.net/aqeeda/2873)). .
ثالثًا: أدِلَّةُ القاعِدةِ.
يُستَدَلُّ لهذه القاعِدةِ بالقُرآنِ والإجماعِ:
1- مِنَ القُرآنِ:
- قَولُ اللهِ تعالى حِكايةً عن يوسُفَ عليه السَّلامُ: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [يوسُف: 40] .
فالآيةُ تَنُصُّ على أنَّ الحُكمَ للهِ تعالى وحدَه، فالأمرُ والنَّهيُ له وَحدَه، وذلك هو الدِّينُ المُستَقيمُ [112] يُنظر: ((الوجيز)) للواحدي (ص: 547)، ((تيسير الكريم الرحمن)) السعدي (ص: 398). .
- وقال اللهُ عَزَّ وجَلَّ: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [الشُّورى: 21] .
وَجهُ الدَّلالةِ:
أنَّ اللَّهَ تعالى حَذَّرَ مِنَ العِقابِ الأليمِ في الآخِرةِ نَتيجةَ العُدولِ عَمَّا شَرَعَ اللهُ مِنَ الدِّينِ القَويمِ، واتِّباعِ ما شَرَعَ شَياطينُ الجِنِّ والإنسِ مِن تَحليلِ ما حَرَّمَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ وتَحريمِ ما أحَلَّ [113] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (7/198)، ((التحرير والتنوير)) لابن عاشور (25/76). .
2- مِنَ الإجماعِ:
ومِمَّن نَقَله: ابنُ عَبدِ البَرِّ [114] قال: (أجمَعَ العُلماءُ أنَّ الجَورَ البَيِّنَ، والخَطَأَ الواضِحَ المُخالِفَ للإجماعِ والسُّنَّةِ الثَّابتةِ المَشهورةِ التي لا مُعارِضَ لها: مَردودٌ على كُلِّ مَن قَضى بهـ). ((التمهيد)) (6/195). ، وابنُ القَطَّانِ [115] قال: (اتَّفقَ أهلُ العِلمِ جَميعًا على أنَّ الواجِبَ على كُلِّ حاكِمٍ رُفِعَ إليه حُكمٌ -قد خالف الكِتابَ والسُّنَّةَ والاتِّفاقَ- أن يُبطِلَه ولا يُجيزَهـ). ((الإقناع)) (2/146). .
رابعًا: أمثِلةٌ للقاعِدةِ.
مِنَ الأمثِلةِ على هذه القاعِدةِ:
1- إذا ادَّعى رَجُلٌ على آخَرَ أنَّه زَنا بامرَأتِه، وأنَّه يُطالبُ بالتَّعويضِ عن ذلك، أو أنَّه صالحَ الزَّانيَ وتَنازَل عن دَعواه هذه، فلا يَجوزُ للقاضي أوِ الحاكِمِ المُسلمِ أن يَحكُمَ بَينَهما بقانونٍ وضعيٍّ يَجعَلُ الحَقَّ للزَّوجِ، بَل يَجِبُ عليه أن يَحكُمَ بشَرعِ اللهِ الذي يوجِبُ إقامةَ الحَدِّ على الزَّوجةِ وعلى الزَّاني إذا ثَبَتَ الزِّنا بالشُّهودِ أوِ الإقرارِ [116] يُنظر: ((موسوعة القواعد الفقهية)) للبورنو (2/74). ويُنظر أيضًا: ((الحاوي الكبير)) للماوردي (2/81)، ((الكافي)) لابن قدامة (4/233)، ((الغرر البهية)) لزكريا الأنصاري (5/228). .
2- اعتيادُ كَشفِ نَواحٍ مِن حُدودِ عَورةِ البَدَنِ في بَعضِ الأعمالِ أوِ الألعابِ المُعاصِرةِ، فإنَّ ذلك لا يَكونُ مُسَوِّغًا ولا حُجَّةً، فاعتيادُ النَّاسِ لها لا يُزيلُ عِلَّةَ تَحريمِها، كَما أنَّ تَحريمَها لم يَكُنْ مُستَنِدًا لعَدَمِ اعتيادِ النَّاسِ لها، بَل إلى خُبثِ نَتائِجِها [117] يُنظر: ((المدخل الفقهي العام)) لمصطفى الزرقا (2/928). .
3- الدَّعوةُ المُعاصِرةُ إلى المُساواةِ في الميراثِ بَينَ الذُّكورِ والإناثِ، بحُجَّةِ العادةِ المُطَّرِدةِ لدى بَعضِ المُجتَمَعاتِ، فهذه العادةُ أوِ العُرفُ لا اعتِبارَ لها في الحُكمِ الشَّرعيِّ؛ لمُخالفةِ النُّصوصِ الشَّرعيَّةِ، كَقَولِ اللهِ تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، والاعتِبارُ في بناءِ الأحكامِ الشَّرعيَّةِ على الأعرافِ الشَّرعيَّةِ لا الأعرافِ والعاداتِ الباطِلةِ والمُخالِفةِ.

انظر أيضا: