مِنَ الأحداثِ العَظيمةِ التي وقَعَت في عَهدِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما اتَّهَمَ به المُنافِقونَ أمَّ المؤمنينَ عائِشةَ -رَضيَ اللهُ عنها- وقَذْفُها بالزِّنا، ولَم تَكُنْ تَشعُرُ رَضيَ اللهُ عنها بما حَدَثَ، حَتَّى وصَلَها الخَبَرُ عَن طَريقِ امرَأةٍ زارَتها.
ففي هذا الحَديثِ تُخبِرُ أُمُّ رومانَ -وهيَ أُمُّ عائِشةَ رَضيَ اللهُ عنهُما- أنَّها بَينَما هيَ جالِسةٌ وعائِشةُ في البَيتِ، إذ ولَجَتِ امرَأةٌ مِنَ الأنصارِ، أي: دَخَلَت عليهمُ امرَأةٌ أنصاريَّةٌ تَزورُهم. وبَينَما المَرأةُ الأنصاريَّةُ تُحَدِّثُهم إذ قالت: «فعَلَ اللهُ بفُلانٍ وفَعَلَ!»، أي: تَكَلَّمَت ودَعَت على ابنِها؛ لأنَّه تَكَلَّمَ في عِرضِ عائِشةَ، أرادَتِ الأنصاريَّةُ المَذكورةُ بفُلانٍ: مِسطَحًا() فاستَغرَبَت أُمُّ رومانَ لماذا تَدعو على ابنِها، فقالت لها: «وما ذاكَ؟» أي: ما شَأنُكِ تَدعينَ على ابنِكِ، فماذا صَنَعَ حَتَّى يَستَحِقَّ هذا الكَلامَ؟ فقالتِ الأنصاريَّةُ: «ابني فيمَن حَدَّثَ الحَديثَ»، أي: ابني مِمَّن أشاعَ الشَّائِعةَ عَن عائِشةَ، فقالت أُمُّ رومانَ: «وما ذاكَ؟» أي: سَألَتها عَنِ الخَبَرِ الذي أشاعَه، ولَعَلَّ أُمَّ رومانَ لَم تَكُن تَعرِفُ ما أُشيعَ مِنَ الخَبَرِ عَن عائِشةَ. فقالتِ المَرأةُ: كَذا وكَذا، أي: أخبَرَتها بما يَتَكَلَّمُ النَّاسُ فيه عَن عائِشةَ رَضيَ اللهُ عنها، ومُرادُها حَديثُ الإفكِ. فلَمَّا سَمِعَت عائِشةُ هذا الخَبَرَ قالت: «سَمِعَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟» أي: هَل سَمِعَ رَسولُ اللَّهِ كَلامَ النَّاسِ هذا؟ فقالتِ الأنصاريَّةُ: نَعَم. فقالت عائِشةُ: «وأبو بَكرٍ؟» فقالتِ الأنصاريَّةُ: نَعَم. فلَمَّا عَرَفَت عائِشةُ أنَّ رَسولَ اللَّهِ وأبا بَكرٍ سَمِعا الخَبَرَ، لَم تَتَمالَكْ نَفسَها مِن هَولِ الخَبَرِ وكَذِبِه، فـ«خَرَّت مَغشيًّا عليها»، أي: سَقَطَت على الأرضِ مُغمًى عليها، فما أفاقَت إلَّا وعليها «حُمَّى بنافِضٍ»، وهيَ التي تُرعِدُ صاحِبَها() أي: برعدةٍ شَديدةٍ، كَأنَّها نَفَضَتها، أي: حَرَّكَتها()، والمَعنى: لَم تَقُمْ مِن إغمائِها إلَّا والحُمَّى تَنفضُ جِسمَها. تَقولُ أُمُّ رومانَ: فطَرَحتُ عليها ثيابَها فغَطَّيتُها، أي: قامَت أُمُّها بوضعِ الثِّيابِ على عائِشةَ وغَطَّتها به. فجاءَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: «ما شَأنُ هذه؟» أي: ما لها عليها الثِّيابُ؟ فقالت أُمُّ رومانَ: يا رَسولَ اللَّهِ، أخَذَتها الحُمَّى بنافِضٍ، أي: ذلك بسَبَبِ الحُمَّى التي وقَعَت بها. فقال رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «فلَعَلَّ في حَديثٍ تُحُدِّثَ به»، أي: تَوقَّعَ الرَّسولُ سَبَبَ مَرَضِها وأنَّه بسَبَبِ خَبَرٍ سَمِعَتهُ مِمَّا قيلَ عَنها. فقالت أُمُّ رومانَ: نَعَم، أي: هو كَذلك يا رَسولَ اللَّهِ. ثُمَّ قَعَدَت عائِشةُ وقالت تخاطِبُهم: «واللَّهِ لَئِن حَلَفتُ» -أي: على بَراءَتي- «لا تُصَدِّقوني»، أي: لئن أقسمتُ لكم باللهِ أنَّ هذا الخَبَر كَذِبٌ فإنَّكم لن تُصَدِّقوني، «ولَئِن قُلتُ» -أي: أنَّ تَخَلُّفي عَنِ الجَيشِ كانَ بسَبَبِ فَقدِ العِقدِ- () «لا تَعذِروني»، أي: فلَن تَقبَلوا عُذري. ثُمَّ ضَرَبَت حالَها بحالِ نَبيِّ اللَّهِ يَعقوبَ، فقالت: «مَثَلي ومَثَلُكُم كَيَعقوبَ وبَنيه»، أي: صِفَتي كَصِفةِ يَعقوبَ حَيثُ صَبَرَ صَبرًا جَميلًا ()، ولَم يُصَدِّقْ بَنيه في دَعواهم أنَّ يوسُفَ أكَلَه الذِّئبُ {واللهُ المُستَعانُ على ما تَصِفونَ}
[يوسف: 18] أي: على احتِمالِ ما تَصِفونَه(). تَقولُ أُمُّ رومانَ: وانصَرَفَ ولَم يَقُلْ شَيئًا، أي: أنَّ رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سَمِعَ هذا الكَلامَ مِن عائِشةَ ثُمَّ خَرَجَ ولَم يَقُلْ شَيئًا. فأنزَلَ اللهُ عُذرَها، أي: أنزَلَ اللهُ آياتٍ مِنَ القُرآنِ على نَبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيها بَراءةُ عائِشةَ مِمَّا اتُّهِمَت بهِ، وهيَ قَولُه تَعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ...}
[النُّور: 11] ، فأخبَرَها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بذلك فقالت: «بحَمدِ اللَّهِ، لا بحَمدِ أحَدٍ، ولا بحَمدِكَ»، أي: أنَّ هذه البَراءةَ مِنَ اللَّهِ سُبحانَه وحدَه، وليس لرَسولِ اللَّهِ فيها شَأنٌ ولا لأيِّ أحَدٍ؛ فهو سُبحانَه الذي يَستَحِقُّ أن يُحمَدَ وحدَه فقَط، فعَرَفَتِ الحَقَّ لأهلِه.
وفي الحَديثِ بَيانُ ما وقَعَ لعائِشةَ رَضيَ اللهُ عنها مِن قِصَّةِ الإفكِ.
وفيه بَيانُ تَبرِئةِ اللَّهِ تَعالى لعائِشةَ رَضيَ اللهُ عنها.
وفيه مَشروعيَّةُ حَمدِ اللَّهِ تَعالى عِندَ تَجَدُّدِ نِعمةٍ أو اندِفاعِ بَليَّةٍ.