حَذَّرَ الشَّرعُ مِن عاقبةِ الجَورِ والظُّلمِ لِمَن وَلِيَ مِن أمْرِ المسلِمين شَيئًا، وإنَّ إقامةَ الحقِّ والعدْلِ في الرَّعيَّةِ تُنْجِي صاحبَها يَومَ القِيامةِ.
وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّه ما مِن أميرٍ-وهو: كلُّ مَن وَلِيَ أمْرًا مِن أُمورِ المُسلِمينَ- يكونُ على عشَرةٍ مِنَ الرِّجالِ، وهذا للتَّقليلِ، إلَّا جِيءَ به يَومَ القِيامةِ للحِسابِ، «مَغلولةً يَدُهُ إلى عُنقِه»؛ أي: مُقيَّدةً في عُنقِه، «يُطلِقُه الحقُّ أو يُوبِقُه»، وفي رِوايةِ أحمدَ مِن حَديثِ أبي هُرَيرةَ رضِيَ اللهُ عنه: «لا يَفُكُّه إلَّا العدْلُ، أو يُوبِقُه الجَوْرُ»؛ أي: يُطلِقُه مِن قَيدِه يَومَ القِيامةِ؛ إمَّا عدْلُه الَّذي كان يَعمَلُ به في وِلايتِه في الدُّنيا فيَنجُو، أو يَبقَى في قَيْدِه؛ لظُلمِه الَّذي عَمِلَ به في وِلايتِه في الدُّنيا فيَهلِكُ.
ثُمَّ حذَّرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الَّذي يَتعلَّمُ القُرآنَ، ثُمَّ نُسِّيَ ما تَعلَّمَه، والمرادُ به: الَّذي يَعتادُ قِراءتَه، ثُمَّ يَهجُرُه. وقيلَ: الَّذي حفِظَه غَيبًا، ثُمَّ نُسِّيَ ما قدْ حَفِظَ. وقيلَ: ليسَ ذلكَ، وإنَّما المرادُ الَّذي يَترُكُه ولا يَعمَلُ بما فيه، نحوُ قَولِه تَعالَى: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ}
[الأنعام: 44] ، وليسَ مَن حفِظَه وتَفلَّتَ منه بناسٍ له؛ إذا كان يُحِلُّ حَلالَه، ويُحرِّمُ حَرامَه؛ لأنَّ هذا ليس بناسٍ له.
فأخبَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بجَزائِه يَومَ القِيامةِ، فإنَّه يَلقَى اللهَ عزَّ وجَلَّ وهو أجذَمُ؛ أي: مَقْطوعُ اليَدِ. وقيلَ: مِنَ الجُذامِ؛ وهو داءٌ يُصيبُ الجِلْدَ والعَظْمَ، وقدْ تَتآكَلُ منه عِظامُ الإنسانِ، وتَسقُطُ بعضُ أطْرافِه، وهو يُشوِّهُ الإنسانَ.
وقيلَ: يَحتمِلُ معنى قَولِه:«لقِيَ اللهَ أجذَمَ»: أنَّه يكونُ مُنقطِعَ الحُجَّةِ، لا يَجِدُ سببًا يَتمسَّكُ به، وتَتشبَّثُ به يَدُه، فقدْ يُكنَى بعدَمِ اليَدِ عن عدَمِ الحُجَّةِ، فيُقالُ: ما لي بهذا الأمْرِ يَدانِ؛ بمعنى: ما لي به تَمسُّكٌ.
وفي الحَديثِ: الحَثُّ على تعاهُدِ القُرآنِ بالتِّلاوةِ، والدَّرْسِ، والتَّحذيرُ مِن تَعريضِه للنِّسيانِ بإهمالِ تِلاوتِه.