الموسوعة الحديثية


- حدَّثني عمرُ بنُ الخطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: لمَّا كان يومُ بَدْرٍ، قال: نظر النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ إلى أصحابِهِ وهُمْ ثلاثُ مئةٍ ونَيِّفٌ، ونظر إلى المشركينَ فإذا هُمْ ألفٌ وزيادةٌ، فاستقبَلَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ القِبلةَ، ثم مَدَّ يديْهِ وعليه رِداؤُهُ وإزارُهُ، ثم قال: اللَّهمَّ أينَ ما وَعَدْتَني؟ اللَّهمَّ أَنْجِزْ لي ما وَعَدْتَني، اللَّهمَّ إنَّكَ إنْ تُهلِكْ هذهِ العِصابةَ مِن أهلِ الإسلامِ، فلا تُعْبَدُ في الأرضِ أبدًا، قال: فما زال يَستَغيثُ ربَّهُ عزَّ وجلَّ ويَدْعوه حتى سَقَطَ رِداؤُهُ، فأتاهُ أبو بكرٍ رَضِيَ اللهُ عنه، فأخذ رِداءَهُ فرَدَّاهُ، ثم الْتَزَمَهُ مِن وَرائِهِ، ثم قال: يا نَبيَّ اللهِ، كَفاكَ مُناشَدَتُكَ ربَّكَ؛ فإنَّهُ سيُنْجِزُ لكَ ما وَعَدَكَ، وأنزل اللهُ عزَّ وجلَّ: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ} [الأنفال: 9]، فلمَّا كان يومئذٍ والْتَقَوْا، فهزم اللهُ عزَّ وجلَّ المشركينَ، فقُتِلَ مِنهُم سبعونَ رجُلًا، وأُسِرَ منهم سبعونَ رجُلًا، فاستشار رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ أبا بكرٍ وعليًّا وعُمرَ رَضِيَ اللهُ عنهم، فقال أبو بكرٍ رَضِيَ اللهُ عنه: يا رسولَ اللهِ، هؤلاءِ بَنو العَمِّ والعشيرةِ والإخوانِ؛ فإنِّي أرى أنْ تأخُذَ منهُمُ الفِديةَ، فيكونَ ما أخَذْنا منهم قُوَّةً لنا على الكُفَّارِ، وعسى اللهُ أنْ يَهديَهم؛ فيكونوا لنا عَضُدًا، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ: ما ترى يا بنَ الخطَّابِ؟ قلتُ: واللهِ، ما أرى ما رأى أبو بكرٍ، ولكنِّي أرى أنْ تُمَكِّنَني مِن فُلانٍ -قريبًا لعُمرَ- فأضرِبَ عُنُقَهُ، وتُمَكِّنَ عليًّا رَضِيَ اللهُ عنه مِن عَقيلٍ فيضرِبَ عُنُقَهُ، وتُمَكِّنَ حمزةَ مِن فُلانٍ أخيه فيضرِبَ عُنُقَهُ؛ حتى يعلَمَ اللهُ أنَّه ليستْ في قُلوبِنا هَوادَةٌ للمشركينَ، هؤلاءِ صَناديدُهم وأئمَّتُهم وقادتُهم، فهَوِيَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ ما قال أبو بكرٍ رَضِيَ اللهُ عنه، ولم يَهْوَ ما قلتُ؛ فأخَذَ مِنهُمُ الفِداءَ، فلمَّا أنْ كان مِنَ الغَدِ قال عمرُ رَضِيَ اللهُ عنه: غَدَوْتُ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ، فإذا هو قاعدٌ وأبو بكرٍ رَضِيَ اللهُ عنه، وإذا هما يبكيانِ، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، أَخبِرْني ماذا يُبكيكَ أنتَ وصاحبَكَ، فإنْ وجدْتُ بُكاءً بكيْتُ، وإنْ لم أجِدْ تَباكَيْتُ لبكائِكما، قال: فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ: الذي عَرَضَ عليَّ أَصحابُكَ مِنَ الفِداءِ، لقد عُرِضَ عليَّ عذابُهم أَدْنَى مِن هذهِ الشَّجرةِ -لشجرةٍ قريبةٍ-، وأنزل اللهُ عزَّ وجلَّ: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} [الأنفال: 67] إلى قولِهِ: {لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ} [الأنفال: 68] مِنَ الفِداءِ، ثُمَّ أحَلَّ اللهُ لهُمُ الغنائِمَ، فلمَّا كان يومُ أُحُدٍ مِنَ العامِ المُقْبِلِ عُوقِبوا بما صنَعوا يومَ بَدْرٍ مِن أَخْذِهِمُ الفِداءَ، فقُتِلَ مِنهُم سبعونَ، وفَرَّ أصحابُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ عَنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ، وكُسِرَتْ رَباعِيَتُهُ، وهُشِّمَتِ البَيْضةُ على رأسِهِ، وسال الدَّمُ على وجهِهِ، وأنزل اللهُ عزَّ وجلَّ: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا} [آل عمران: 165] بأخْذِكُمُ الفِداءَ.
الراوي : عمر بن الخطاب | المحدث : الوادعي | المصدر : صحيح أسباب النزول | الصفحة أو الرقم : 61 | خلاصة حكم المحدث : رجاله رجال الصحيح | التخريج : أخرجه مسلم (1763)، وأحمد (208) باختلاف يسير.

لَمَّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ إلى المُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ، وَأَصْحَابُهُ ثَلَاثُ مِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ القِبْلَةَ، ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يَهْتِفُ برَبِّهِ: اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لي ما وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ آتِ ما وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إنْ تُهْلِكْ هذِه العِصَابَةَ مِن أَهْلِ الإسْلَامِ لا تُعْبَدْ في الأرْضِ، فَما زَالَ يَهْتِفُ برَبِّهِ، مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ، حتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عن مَنْكِبَيْهِ، فأتَاهُ أَبُو بَكْرٍ فأخَذَ رِدَاءَهُ، فألْقَاهُ علَى مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ التَزَمَهُ مِن وَرَائِهِ، وَقالَ: يا نَبِيَّ اللهِ، كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ؛ فإنَّه سَيُنْجِزُ لكَ ما وَعَدَكَ، فأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: { إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ} [الأنفال: 9]، فأمَدَّهُ اللَّهُ بالمَلَائِكَةِ. قالَ أَبُو زُمَيْلٍ: فَحدَّثَني ابنُ عَبَّاسٍ قالَ: بيْنَما رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يَومَئذٍ يَشْتَدُّ في أَثَرِ رَجُلٍ مِنَ المُشْرِكِينَ أَمَامَهُ، إذْ سَمِعَ ضَرْبَةً بالسَّوْطِ فَوْقَهُ وَصَوْتَ الفَارِسِ يقولُ: أَقْدِمْ حَيْزُومُ، فَنَظَرَ إلى المُشْرِكِ أَمَامَهُ، فَخَرَّ مُسْتَلْقِيًا، فَنَظَرَ إلَيْهِ فَإِذَا هو قدْ خُطِمَ أَنْفُهُ، وَشُقَّ وَجْهُهُ، كَضَرْبَةِ السَّوْطِ، فَاخْضَرَّ ذلكَ أَجْمَعُ، فَجَاءَ الأنْصَارِيُّ، فَحَدَّثَ بذلكَ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فَقالَ: صَدَقْتَ؛ ذلكَ مِن مَدَدِ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ، فَقَتَلُوا يَومَئذٍ سَبْعِينَ، وَأَسَرُوا سَبْعِينَ. قالَ أَبُو زُمَيْلٍ: قالَ ابنُ عَبَّاسٍ: فَلَمَّا أَسَرُوا الأُسَارَى، قالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ لأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ: ما تَرَوْنَ في هَؤُلَاءِ الأُسَارَى؟ فَقالَ أَبُو بَكْرٍ: يا نَبِيَّ اللهِ، هُمْ بَنُو العَمِّ وَالْعَشِيرَةِ، أَرَى أَنْ تَأْخُذَ منهمْ فِدْيَةً فَتَكُونُ لَنَا قُوَّةً علَى الكُفَّارِ؛ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُمْ لِلإِسْلَامِ، فَقالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: ما تَرَى يا ابْنَ الخَطَّابِ؟ قُلتُ: لا، وَاللَّهِ يا رَسولَ اللهِ ما أَرَى الَّذي رَأَى أَبُو بَكْرٍ، وَلَكِنِّي أَرَى أَنْ تُمَكِّنَّا فَنَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ، فَتُمَكِّنَ عَلِيًّا مِن عَقِيلٍ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ، وَتُمَكِّنِّي مِن فُلَانٍ -نَسِيبًا لِعُمَرَ- فأضْرِبَ عُنُقَهُ؛ فإنَّ هَؤُلَاءِ أَئِمَّةُ الكُفْرِ وَصَنَادِيدُهَا، فَهَوِيَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ ما قالَ أَبُو بَكْرٍ، وَلَمْ يَهْوَ ما قُلتُ، فَلَمَّا كانَ مِنَ الغَدِ جِئْتُ، فَإِذَا رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ قَاعِدَيْنِ يَبْكِيَانِ، قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، أَخْبِرْنِي مِن أَيِّ شَيءٍ تَبْكِي أَنْتَ وَصَاحِبُكَ؟ فإنْ وَجَدْتُ بُكَاءً بَكَيْتُ، وإنْ لَمْ أَجِدْ بُكَاءً تَبَاكَيْتُ لِبُكَائِكُمَا، فَقالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: أَبْكِي لِلَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ أَصْحَابُكَ مِن أَخْذِهِمِ الفِدَاءَ، لقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابُهُمْ أَدْنَى مِن هذِه الشَّجَرَةِ -شَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ مِن نَبِيِّ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ- وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} إلى قَوْلِهِ {فَكُلُوا ممَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا} [الأنفال: 67 - 69]، فأحَلَّ اللَّهُ الغَنِيمَةَ لهمْ.
الراوي : عبدالله بن عباس وعمر بن الخطاب | المحدث : مسلم | المصدر : صحيح مسلم
الصفحة أو الرقم: 1763 | خلاصة حكم المحدث : [صحيح]

غَزوةُ بَدْرٍ هي المَلْحَمةُ الكُبرَى الأُولَى في تاريخِ المُسلِمِينَ؛ فبها فرَّقَ اللهُ بيْنَ الحقِّ والباطلِ، وقدْ وقَعَت في رَمضانَ مِن العامِ الثَّاني مِن الهِجْرةِ مع كفَّارِ قُرَيشٍ، وكان جيشُ الكُفَّارِ يَزِيدُ عددًا وعتادًا عن جَيشِ المسْلِمين، وكَتَب اللهُ فيها النَّصرَ لنَبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأصْحابِه، وقُتِل في بَدرٍ سَبعون مِن كُفَّارِ قُرَيْشٍ، وأُسِرَ منهم سَبعون.
وفي هذا الحديثِ يَرْوي عُمرُ بنُ الخطَّابِ رَضيَ اللهُ عنه أنَّه لَمَّا كان يومُ غَزوةِ بَدْرٍ نَظَر رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى جيش المُشركينَ وكان عدَدهُم ألْفَ رجُلٍ، وكان جيشُ المسْلِمين ثلاثَ مائةٍ وتِسعةَ عشَرَ رجُلًا، فلمَّا رَأى نبيُّ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الفارقَ بيْنَ الجيشينِ وقِلَّةَ عددِ المسْلِمين استقبَل القِبلةَ مُتوجِّهًا إلى اللهِ بالدُّعاءِ، ثمَّ مَدَّ يدَيْهِ رافعًا إيَّاها نحْوَ السَّماءِ؛ زِيادةً في التَّضرُّعِ والتَّوسُّلِ إلى اللهِ، فجَعَل يدعو وهو «يَهتِفُ» بربِّه، أي: يستغيثُ به ويبتهِلُ إليه في الدُّعاءِ، قائلًا: «اللَّهمَّ أنجِزْ» أي: أَوْفِ واقْضِ لي، «ما وعَدْتَني» مِن نُصرةِ الإسلامِ وغلَبتِه، «اللَّهمَّ آتِ ما وعَدْتَني، اللَّهمَّ إنْ تَهْلِكْ» أي: تُهْزَمْ هذه «العصابةُ»، وهي تُطلَقُ على الجماعةِ مِن الرِّجالِ، عددُهم الأَربعونَ فما فوْقَ ذلكَ، «مِن أهلِ الإسلامِ» يُشيرُ بذلك إلى أصحابِه الَّذين يَقِفون في الصُّفوفِ لقِتالِ المشْرِكين، «لا تُعْبَدْ في الأرضِ» قال ذلك لأنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ خاتَمُ النَّبيِّينَ، وهؤلاء خاتَمُ الأُمَمِ، فإذا هلَكوا لا يَبقى مَن يعبُدُ اللهَ، فما زال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على تلك الحالِ مِن التَّضرُّعِ للهِ عزَّ وجلَّ بالنَّصرِ على المشْرِكين «حتَّى سقَط رداؤُه عن مَنكِبَيْهِ» أي: كَتِفَيْه، والرِّداءُ هو الثَّوبُ الَّذي يُغطِّي النِّصفَ الأعلى مِن الجسدِ، وهذا بيانٌ لشِدَّةِ اجتهادِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وخُشوعِه في الدُّعاءِ، فأتى أبو بكرٍ رَضيَ اللهُ عنه وأخَذ الرِّداءَ فرَدَّه إلى كَتِفِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، «ثمَّ التزَمه مِن وَرائِه» أي: ضَمَّه إلى صَدرِه واعتَنقَه إرفاقًا به وشَفقةً، وقال: «يا نبيَّ اللهِ، كفاكَ مُناشدتُك ربَّكَ» والمُناشَدةُ: السُّؤالُ بصوتٍ مُرتفعٍ؛ «فإنَّه سيُنجِزُ لكَ ما وعَدَكَ» مِن النَّصرِ على أعدائِكَ، وهذا مِن إيمانِ وعِلمِ أبي بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يُجِيبُ دَعوةَ نَبيِّه، فأنزَل اللهُ عزَّ وجلَّ: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ} [الأنفال: 9]، فأمَدَّه اللهُ عزَّ وجلَّ نَبيَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالملائكةِ عونًا له وللمُسلِمين على أعداءِ اللهِ مِن المُشركين.
ويَرْوي ابنُ عبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهما أنَّه بيْنما رجُلٌ مِن المُسلِمينَ يومَ غَزوةِ بَدرٍ «يشتَدُّ»، أي: يُسرِعُ ويَعْدو «في أثَرِ»، أي: وَراءَ رجُلٍ مِن المُشركين يَهرَبُ منه أمامَه؛ إذ سَمِعَ هذا الرَّجلُ المُسلمُ صوتَ ضربةٍ بالسَّوطِ فوق المُشركِ، وصوتَ الفارسِ يقولُ: «أقدِمْ حَيْزومُ»، وهو اسمُ فرَسِه، والمعنى: تَقدَّمْ أو أسْرِعْ يا حَيْزومُ نحْوَ العدوِّ، فنَظَر المُسلمُ إلى المُشركِ أمامه فوجده «خرَّ مُستلقيًا»، أي: سقَط على ظَهرِه، فإذا المُشركُ، قد "خُطِمَ أنفُه"، وهو الأثَرُ على الأنفِ، أي: كُسِرَ، «وشُقَّ وجهُه» قُطِعَ طُولًا، والجرحُ ظاهرٌ عليه أثَرُ سَوطٍ لا أثَرُ سَيفٍ ونحوِه، فاخضَرَّ ذلك أجمعُ، أي: صار موضعُ الضَّربِ كلُّه أخضرَ، أو أسودَ؛ فإنَّ الخُضرةَ قد تُستعمَلُ بمعنَى السَّوادِ، وذلك مِن شِدَّةِ الضَّربةِ وأثَرِ السَّوطِ، أو أنَّه زيادةٌ في التَّنكيلِ مِن اللهِ عزَّ وجلَّ بالكافرِ، فرجَعَ المسْلمُ وكان أنصاريًّا -وهُم أهلُ المدينةِ- إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وأخبَرَه بما سَمِع ورَأى، فصَدَّقه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وقالَ: «ذلك مِن مَدَدِ» أي: إنَّ هذا مَلكٌ مِن ملائكةِ السَّماءِ الثَّالثةِ، الَّذي أمَدَّ اللهُ سُبحانه بهم نَبيَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ والصَّحابةَ المجاهِدين في المعركةِ، ثمَّ أخبَرَ ابنُ عبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهما أنَّ المُسلِمين قَتَلوا يَومَئذٍ مِن المشرِكين سَبعين وأسَروا سَبعين.
وروى عبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهما أنَّ المسْلِمين لمَّا أخذوا أسارى مِن المشْرِكين، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لأبي بَكرٍ وعُمرَ رَضيَ اللهُ عنهما: «ما ترَوْنَ في هؤلاء الأُسارى؟» أي: بماذا تَقْضون فيهم؟ فقال أبو بكرٍ رَضيَ اللهُ عنه: «يا نبيَّ اللهِ، هم بنو العَمِّ والعَشيرةِ» يُريدُ أنَّ هؤلاء الأسرى هُم في الأصلِ أهلُنا وأقاربُنا، «أرى أنْ تأخُذَ منهم فِديةً» أي: مالًا يَفْدُون به أنفُسِهم مِن القتلِ، ويكون هذا المالُ لنا قوَّةً على الكفَّارِ وعندَ حَربِنا معهم، ولعلَّ اللهَ يَهْدي منهم ويَدخُلُ الإسلامَ مُستقبَلًا، ثمَّ سَأل النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عُمرَ عن رأيِه، فقالَ عُمرُ رَضيَ اللهُ عنه: «لا، واللهِ! ما أرى الَّذي رأى أبو بكرٍ» أي: لا نَأخُذُ منهم الفِديةَ ونُطلِقُهم، «ولكنِّي أرى أنْ تُمكِّنَّا فنَضرِبَ أعناقَهم» يُريدُ رَضيَ اللهُ عنه قَتْلَهم، فتُمكِّنَ علِيَّ بنَ أبي طالبٍ مِن أخيه عَقيلٍ المشرِكِ المأسورِ، فيَضرِبَ عُنقَه، «وتُمكِّنِّي مِن فلانٍ نسيبًا لعُمرَ»، أي: قريبًا له، فأضرِبَ عُنقَه؛ «فإنَّ هؤلاء أئمَّةُ الكفرِ وصَناديدُها»، أي: كِبارُهم وزُعماؤهم، وإنَّهم مَن تَولَّوا أمْرَ الحربِ وألْجؤوهم إلى الهجرةِ مِن مكَّةَ، «فهَوِيَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ما قال أبو بَكرٍ» أي: أحَبَّه واستحسَنَه، ولم يَرغَبْ فيما ما قاله عُمَرُ.
فلمَّا كان مِن الغدِ -وهو صباحُ اليومِ التَّالي- جاء عُمرُ فوجَدَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأبا بكرٍ قاعدَيْنِ يَبكيانِ، فسَألهما عن سَببِ بُكائِهما، وقال: «فإنْ وجَدْتُ بكاءً بكَيْتُ، وإنْ لم أجِدْ بكاءً تباكَيْتُ» أي: تَكلَّفْتُ البُكاءَ لبُكائِكما؟ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «أَبْكِي للَّذي عرَض عليَّ أصحابُك مِن أخْذِهم الفِداءَ» في الأمسِ «لقدْ عُرِضَ عليَّ عذابُهم أدْنى مِن هذه الشَّجرةِ»، أي: أقرَبَ منها، يُشيرُ إلى شَجرةٍ كانت قريبةً منه، وهذا تَأكيدٌ على ما يَلحَقُ بالمشْرِكين مِن عَذابٍ في الآخرةِ، وأنَّ بُكاءَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ هو مِن كَمالِ شَفقتِه ورَحمتِه بهم، لوْ أنَّهم آمَنوا باللهِ ورَسولِه لَسَلِموا مِن عَذابِ الآخرةِ، وأنزَل اللهُ عزَّ وجلَّ في العتابِ على أخْذِهم الفداءَ وتَرْكِ قَتلِهم: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ}، أي: يُكثِرَ القَتْلَ والقهرَ في العدوِّ، {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخرة وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} عزيزٌ في قَهرِ الأعداءِ، حكيمٌ في عِتابِ الأولياءِ؛ {لّوْلا كِتَابٌ مّنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} أي: ولولا حكمٌ مِن اللهِ سَبَق إثباتُه في اللَّوحِ المحفوظِ، وهو ألَّا يُعاقِبَ المخطِئَ في اجتهادِه، أو ألَّا يُعذِّبَ أهلَ بَدرٍ، أو قَومًا لم يُصرَّحْ لهم بالنَّهيِ عنه، أو أنَّ الفديةَ الَّتي أخَذَوها ستَحِلُّ لهم؛ لَمَسَّهم ونالَهم فيما أخَذوا مِن الفداءِ عَذابٌ عظيمٌ، {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا} [الأنفال: 67 - 69]، فأحَلَّ اللهُ الغنيمةَ لهم.
وفي الحديثِ: فَضلُ أبي بكرٍ وعُمرَ رَضيَ اللهُ عنهما.
وفيه: أنَّ مِن هَدْيِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ العَملَ بالشُّورى.
وفيه: فضلُ الدُّعاءِ وأهميَّتُه وآدابُه.
وفيه: بيانُ بعضِ الكَراماتِ الَّتي حدَثَتْ في غزوةِ بَدْرٍ.
وفيه: مواساةُ الأحبَّةِ والخِلَّانِ بالبُكاءِ والتَّباكي لبُكائهم.
وفيه: بَيانُ عَظيمِ نِعمةِ اللهِ تَعالَى على هذه الأُمَّةِ؛ حيث أباحَ لهم في تلك الغزوةِ الغنائمَ، بعْدَ أنْ كانت مُحرَّمةً على الأنبياءِ الأوَّلينَ.