الموسوعة الفقهية

المطلب الثاني: أحكامُ القراءةِ في الصَّلاةِ


الفَرْعُ الأول: القراءةُ بغيرِ العربيَّةِ في الصَّلاةِ
لا تجوزُ قراءةُ القرآنِ في الصَّلاةِ بغير العربيَّةِ، وهذا مذهبُ الجمهورِ: المالكيَّةِ ((الإشراف)) للقاضي عبد الوهاب (1/228)، وينظر: ((الذخيرة)) للقرافي (2/186)، ((تفسير القرطبي)) (1/126). ، والشافعيَّةِ ((المجموع)) للنووي (3/379)، ((نهاية المحتاج)) للرملي (1/485). ، والحنابلةِ ((كشاف القناع)) للبهوتي (1/340)، وينظر: ((المغني)) لابن قدامة (1/350). ، وهو قولُ صاحبَيْ أبي حنيفةَ أبو يوسف، ومحمَّد بن الحسن، لكن عدم الجواز عندهما مشروط بكونه يُحسِن العربيةَ، وإلَّا جازَ إذا كان لا يُحسن العربيَّة، قال السرخسي: (إذا قرأ في صلاته بالفارسية جاز عند أبي حنيفة رحمه الله، ويكره، وعندهما لا يجوز إذا كان يُحسن العربية، وإذا كان لا يُحسنها يجوز) ((المبسوط)) (1/66). ويُنظر: ((بدائع الصنائع)) للكاساني (1/112). ، وهو مذهبُ الظاهرية قال النَّوويُّ: (مذهبنا: أنَّه لا يجوزُ قراءةُ القُرآنِ بغيرِ لسانِ العَرَب، سواءٌ أمْكَنَه العربيةُ أو عجز عنها، وسواء كان في الصلاة أو غيرها، فإن أتى بترجَمَتِه في صلاةٍ بدلًا عن القراءة لم تصِحَّ صلاته، سواءٌ أحسن القراءة أم لا، هذا مذهبنا، وبه قال جماهير العلماء، منهم: مالك وأحمد وداود) ((المجموع)) (3/379). وقال ابنُ حزم: (مسألةٌ: ومَن قرأ أمَّ القرآن أو شيئًا منها، أو شيئًا من القرآن في صلاته مترجَمًا بغير العربية، أو بألفاظ عربية غير الألفاظ التي أنزل الله تعالى، عامدًا لذلك، أو قَدَّمَ كلمة أو أخرها عامدًا لذلك: بطَلت صلاتُه، وهو فاسق) ((المحلى)) (2/285).
الأدلَّة:
أوَّلًا: مِن الكتابِ
1- قوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [يوسف: 2]
وَجْهُ الدَّلالَةِ:
أنَّ غيرَ العربيِّ ليس عربيًّا، فليس قرآنًا ((المحلى)) لابن حزم (2/285).
2- قوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [إبراهيم: 4]
وَجْهُ الدَّلالَةِ:
أنَّ غيرَ العربيَّةِ لم يُرسِلْ به اللهُ تعالى محمدًا عليه السَّلامُ، ولا أنَزَل به عليه القرآنَ، فمَن قرأ بغيرِ العربيَّةِ فلم يقرَأْ ما أرسَل اللهُ تعالى به نبيَّهُ عليه السَّلامُ، ولا قرَأ القُرآنَ، بل لعِبَ بصلاتِه، فلا صلاةَ له؛ إذ لم يُصَلِّ كما أُمِرَ ((المحلى)) لابن حزم (3/72).
ثانيًا: لأنَّه إذا قرَأه بغيرِ العربيَّةِ لم يحصُلْ به الإعجازُ ((لقاء الباب المفتوح)) لابن عثيمين (رقم اللقاء: 140).
ثالثًا: لأنَّه إذا قرَأه بغيرِ العربيَّةِ، سوف يتغيَّرُ التَّرتيبُ؛ لأنَّ المعروفَ في غيرِ العربيَّةِ أنَّه إذا اجتَمَع مضافٌ ومضافٌ إليه، يقدَّمُ المضافُ إليه قبلَ المُضافِ، أو صفةٌ وموصوفٌ تُقدَّمُ الصِّفةُ، وما أشبَهَ ذلك ((لقاء الباب المفتوح)) لابن عثيمين (رقم اللقاء: 140).
رابعًا: لأنَّ التَّرجمةَ عنه تفسيرٌ لا قرآنٌ؛ لأنَّ القرآنَ هو اللَّفظُ العربيُّ المُنزَّلُ على سيِّدِنا محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ((كشاف القناع)) للبهوتي (1/340).
الفَرْعُ الثَّاني: اللَّحنُ في القراءةِ
اللَّحنُ في غيرِ الفاتحةِ لا يُبطِلُ الصَّلاةَ، حتَّى وإنْ غيَّرَ المعنى إلا أن يتعمد ذلك فتبطل صلاته. ينظر: ((المغني)) لابن قدامة (2/146) ، وهذا مذهبُ الشافعيَّةِ ((فتح العزيز)) للرافعي (4/319)، ((المجموع)) للنووي (4/268). ، والحنابلة ((شرح منتهى الإرادات)) للبهوتي (1/277)، ((مطالب أولي النهى)) للرحيباني (1/677). وينظر: ((المغني)) لابن قدامة (2/146). ، وقولُ بعضِ الحنفيَّةِ ((الفتاوى الهندية)) (1/81). ، وقولٌ للمالكيَّةِ ((شرح مختصر خليل)) للخرشي (2/25). ، واختيارُ ابن تيميَّةَ قال ابنُ تَيميَّة: (واللحن الذي يُحيل المعنى: إنْ أحالَه إلى ما هو من جِنْسِ معنى من معاني القرآن خطأ، فهذا لا يُبطِلُ صلاتَه، كما لو غلِط في القرآن في موضِعِ الاشتباه فخلط سورةً بغيرها، وأمَّا إن أحاله إلى ما يخالف معنى القرآن، كقوله: (أنعمتُ) بالضمِّ، فهذا بمنزلة كلام الآدميينَ، وهو في مثل هذه الحال كلامٌ محرَّمٌ في الصلاة، لكنه لو تكلم به في الصلاة جاهلًا بتحريمِه ففي بطلان صلاتِه نزاع في مذهب أحمد وغيره؛ كالناسي، الصحيحُ أنَّه لا يبطل صلاته، والجاهل بمعنى (أنعمت) عذرُه أقوى من عُذْرِ الناسي، فإنه يعلم أنَّه كلام الآدميين، لكن لا يعلم أنَّه محظور، وعلى هذا فلو كان مثلُ هذا اللحن في نفلِ القراءةِ لم تَبْطُل، وأما إذا كان في الفاتحة التي هي فَرْضٌ، فيقال: هَبْ أنها لا تبطُلُ من جهة كونه متكلمًا، لكنه لم يأتِ بفرض القراءةِ، فيكون قد ترك ركنًا في الصلاة جاهلًا، ولو تَرَكَه ناسيًا لم تصحَّ صلاتُه، فكذلك إن تركه جاهلًا، لكن هذا لم يَتْرُك أصل الركن، وإنَّما ترك صفة فيه، وأتى بغيرها، ظانًّا أنَّها هي، فهو بمنزلة من سجد إلى غير القِبلة) ((المستدرك على مجموع الفتاوى)) (3/118).
وعدمَ البُطلانِ في غيرِ الفاتحةِ؛ لأنَّه ليس بأكثرَ مِن ألَّا يقرَأَ هذا الآيةَ التي لحَن فيها. بخلافِ اللَّحنِ في الفاتحةِ؛ فإنَّها ركنٌ ((البيان)) للعمراني (2/409)، ((نهاية المحتاج)) للرملي (2/172).
الفَرْعُ الثَّالِثُ: الجَمْعُ بين القِراءاتِ
لا يُشرَعُ للقارئِ الجَمْعُ بين القِراءاتِ أثناءَ قراءتِه للقُرآنِ.
الدَّليل من الإجماع:
نقَل الإجماعَ على ذلك: ابنُ تيميَّةَ قال ابنُ تَيميَّة: (ومعلومٌ أنَّ المسلمين متَّفقون على أنَّه لا يُستحبُّ للقارئ في الصَّلاة، والقارئِ عبادةً وتدبرًا خارجَ الصلاة، أن يَجمَع بين هذه الحروف، إنَّما يفعل الجمعَ بعضُ القرَّاء بعض الأوقات؛ ليمتحنَ بحِفظه للحروف وتمييزه للقراءات، وقد تكلَّم الناس في هذا). ((مجموع الفتاوى)) (22/459). وقال أيضًا: (وأمَّا الجمع في كلِّ القراءة المشروعة المأمورِ بها، فغير مشروعٍ باتِّفاق المسلمين، بل يخيَّر بين تلك الحروف، وإذا قرأ بهذه تارةً، وبهذه تارةً كان حسنًا). ((مجموع الفتاوى)) (22/459). ، وابنُ القيِّمِ قال ابنُ القيِّم: (... ومعلومٌ أنَّ المسلمين متَّفقون على أنَّه لا يستحبُّ ذلك للقارئ في الصلاة، ولا خارجها إذا قرأ قراءةَ عبادةٍ وتدبرٍ، وإنما يفعل ذلك القرَّاء أحيانًا؛ ليمتحنَ بذلك حِفظ القارئ لأنواع القراءات، وإحاطته بها، واستحضاره إيَّاها، والتمكُّن من استحضارها عند طلبها). ((جلاء الأفهام)) (1/322).
الفَرْعُ الرابع: تَنكيسُ قِراءةِ الآياتِ
لا يجوزُ تَنكيسُ التَّنكيس: قَلْبُ الشَّيءِ على رأسِه، و(تَنكيس الآياتِ) المراد به: قِراءةُ السُّورةِ من آخِرها إلى أوَّلها، أو قِراءة المؤخَّر قبل المقدَّم، أو على غير ترتيب الآيات الذي في المصحَف؛ إذ لا خِلافَ أنَّ ترتيب الآيات توقيفي. يُنظر: ((لسان العرب)) لابن منظور (6/241)، ((دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين)) لابن علَّان (6/642). الآياتِ.
الأَدِلَّةُ:
أوَّلًا: من الإجماع
نقَل الإجماعَ على ذلك: ابنُ تيميَّةَ قال ابنُ تَيميَّة: ومنها: (إذا نسِي بعض آيات السُّورة في قيام رمضان، فإنه لا يعيدها ولا يعيد ما بعدَها، مع أنَّه لو تعمَّد تنكيسَ آيات السورة، وقراءة المؤخَّر قبل المقدَّم، لم يجُزْ بالاتفاق، وإنَّما النِّزاع في ترتيب السُّور). ((مجموع الفتاوى)) (21/410-411).
ثانياً: من الآثار
عن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه: ((أنَّه سُئِلَ عَمَّن يقرأُ القُرآنَ مَنكوسًا قال: ذلك منكوسُ القَلبِ))

أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (7947)، وابن أبي داود في ((المصاحف)) (ص: 342)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (9/ 170) (8846) صحح إسناده النووي في ((التبيان)) (125)، وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (7/171): رجاله ثقات

وجه الدلالة:
أنَّ كلامَ ابنِ مسعودٍ رضِي الله عنه محمولٌ على مَن يقرأُ السُّورةَ منكوسةً، ويبتدئُ مِن آخرِها إلى أوَّلِها؛ لأنَّ ذلك حرامٌ، ولا يجوزُينظر: ((شرح صحيح البخاري)) لابن بطال (10/239)، ((تفسير القرطبي)) (1/61)، ((تفسير ابن كثير)) (1/49)
ثالثاًلأنَّ ترتيبَ الآياتِ توقيفيٌّ بلا خلافٍ ((دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين)) لابن علَّان (6/642).
الفرع الخامس تنكيس السور
يُستحَبُّ ترتيبُ السُّوَرِ في الرَّكعتينِ على نظْمِ المصْحَف الحنفية والمالكية والشافعية: يقولون بكراهة تنكيس السور. والشافعية يرون تنكيس السور خلاف الأولى. ، وهذا باتِّفاق المذاهبِ الفِقهيَّة الأرْبعة: الحنَفِيَّة ((الدر المختار للحصكفي وحاشية ابن عابدين)) (1/546)، ((البناية)) للعيني (2/311). ، والمالكيَّة ((حاشية الدسوقي على الشرح الكبير)) (1/242)، وينظر: ((الثمر الداني)) (ص: 116). ، والشَّافعيَّة ((المجموع)) (3/385)، وينظر: ((أسنى المطالب)) لزكريا الأنصاري (1/155). ، والحَنابِلَة ((كشاف القناع)) للبهوتي (1/344)، ((مطالب أولي النهى)) للرحيباني (1/437).
الأدلة:
أولًا: من السُّنَّة
فِعْلُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم (والمُستحَبُّ أن يقرأَ في الرَّكعةِ الثَّانية بسورةٍ بعدَ السُّورةِ التي قرَأها في الرَّكعةِ الأولى في النَّظمِ؛ لأنَّ ذلك هو المَنقولُ عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) ((المغني)) لابن قدامة (1/356). ، وقد ورد في ذلك أحاديث كثيرة منها:
1- عن عبدِ اللهِ بن عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما، قال: ((كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُوتِرُ بثلاثٍ، يقرأ في الأولى بـسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى، وفي الثانية بـقُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ، وفي الثالثة بـقُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ )) أخرجه الترمذي (462)، والنسائي (1702) واللفظ له، وابن ماجه (1172)، وأحمد (2720). احتجَّ به ابن حزم في ((المحلى)) (3/51)، وصحَّح إسنادَه النوويُّ في ((الخلاصة)) (1/556)، وابن الملقِّن في ((البدر المنير)) (4/338)، وصحَّحه الألباني في ((صحيح سنن النسائي)) (1702)
2- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((أن النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان يقرأ في الصبح، يوم الجمعة: بالم تنزيل في الركعة الأولى، وفي الثانية هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورا )) رواه البخاري (891)، ومسلم (880).
3- عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: ((أن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، كان يقرأ في ركعتي الفجر في الأولى منهما: قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا البقرة: 136 الآية التي في البقرة، وفي الآخرة منهما: آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون آل عمران: 52 رواه مسلم (727). )).
ثانيًا: أنَّ الصَّحابةَ رَضِيَ اللهُ عنهم وَضَعوا المُصحَفَ في عَهدِ أميرِ المُؤمنينَ عُثمانَ بنِ عَفَّانَ، على هذا التَّرتيبِ، فلا ينبغي الخُروجُ عن إجماعِهم، أو عمَّا يكونُ كالإجماعِ منهم ((الشرح الممتع)) لابن عثيمين (3/79).
ثالثاً: أنَّ هذا التَّرتيبَ مِن سُنَّةِ الخَليفةِ الرَّاشِدِ عُثمانَ بنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عنه، وقد أُمِرْنا باتِّباعِه ((الشرح الممتع)) لابن عثيمين (3/79).
رابعاً: لأنَّه قد يكونُ فيه تَشويشٌ على العامَّةِ، وتنقُّصٌ لكلامِ اللهِ عَزَّ وجلَّ، إذا رأَوْا أنَّ النَّاسَ يُقَدِّمونَ، ويُؤَخِّرونَ فيه ((الشرح الممتع)) لابن عثيمين (3/79).
الفَرْعُ السادس: الجهرُ والإسرارُ في القراءةِ
المسألة الأولى: ما يجهَرُ فيه الإمامُ
يُشرَعُ أنْ يجهَرَ الإمامُ بالقراءةِ في صلاةِ الصُّبحِ، والرَّكعتينِ الأُوليَيْنِ مِن المغربِ، والرَّكعتينِ الأوليَيْنِ مِن العِشاءِ.
الأدلَّة:
أوَّلًا: من السُّنَّة
1- عن ابنِ عبَّاسٍ رضيَ اللهُ عنهما، أنَّه قال: ((إنَّ أمَّ الفضلِ سمِعَتْه وهو يقرَأُ: وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا [المرسلات: 1] ، فقالت: يا بُنيَّ، واللهِ لقد ذكَّرتَني بقراءتِك هذه السُّورةَ، إنَّها لآخِرُ ما سمِعْتُ مِن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقرَأُ بها في المغرِبِ )) رواه البخاري (763)، ومسلم (462).
2- عن جُبَيرِ بنِ مُطعِمٍ رضيَ اللهُ عنه، قال: سمِعْتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((قرَأ في المغرِبِ بالطُّورِ )) رواه البخاري (765)، ومسلم (463).
3- عن أبي رافعٍ، قال: ((صلَّيْتُ مع أبي هُرَيرةَ رضيَ اللهُ عنه العَتَمةَ، فقرَأ: إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ [الانشقاق: 1] ، فسجَد، فقُلتُ له، قال: سجَدْتُ خلفَ أبي القاسمِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلا أزالُ أسجُدُ بها حتَّى ألقاه )) رواه البخاري (766)، ومسلم (578).
4- عن البراءِ بنِ عازبٍ رضيَ اللهُ عنه، قال: ((سمِعْتُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقرَأُ: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ [التين: 1] في العِشاءِ، وما سمِعْتُ أحدًا أحسَنَ صوتًا منه أو قراءةً )) رواه البخاري (769)، ومسلم (464).
5- عن عبدِ اللهِ بنِ عبَّاسِ رضيَ اللهُ عنهما، قال: ((انطلَقَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في طائفةٍ مِن أصحابِه عامِدينَ إلى سُوقِ عُكاظٍ، وقد حِيلَ بين الشَّياطينِ وبين خبرِ السَّماءِ، وأُرسِلَتْ عليهم الشُّهُبُ، فرجَعَتِ الشَّياطينُ إلى قومِهم، فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حِيلَ بيننا وبين خبرِ السَّماءِ، وأُرسِلَتْ علينا الشُّهُبُ، قالوا: ما حال بينكم وبين خبرِ السَّماءِ إلَّا شيءٌ حدَثَ، فاضرِبوا مشارقَ الأرضِ ومغاربَها، فانُظروا ما هذا الذي حالَ بينكم وبين خبرِ السَّماءِ، فانصرَفَ أولئك الذين توجَّهوا نحوَ تِهامةَ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو بنَخْلَةَ عامِدينَ إلى سُوقِ عُكاظٍ، وهو يُصلِّي بأصحابِه صلاةَ الفجرِ، فلمَّا سمِعوا القُرآنَ استمَعوا له، فقالوا: هذا واللهِ الذي حالَ بينكم وبين خبرِ السَّماءِ، فهنالك حين رجَعوا إلى قومِهم، وقالوا: يا قومَنا: إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا [الجن: 1، 2]، فأنزَل اللهُ على نبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ [الجن: 1]، وإنَّما أُوحِيَ إليه قولُ الجِنِّ )) رواه البخاري (773)، ومسلم (449).
ثانيًا: من الإجماع
نقَل الإجماعَ على ذلك: ابنُ حزمٍ قال ابنُ حزم: (واتَّفقوا أنَّ القراءة في ركعتي الصبح، والأوليَيْنِ من المغرب والعشاء؛ مَن جهر فيهما فقد أصاب) ((مراتب الإجماع)) (ص: 33). ، والنَّوويُّ قال النَّوويُّ: (فالسنَّة: الجهرُ في ركعتي الصبح والمغرِبِ والعِشاء، وفي صلاةِ الجمعة، والإسرارُ في الظهر والعصر، وثالثة المغرب والثالثة والرابعة من العِشاء، وهذا كلُّه بإجماعِ المسلمين مع الأحاديث الصَّحيحة المتظاهِرَة على ذلك، هذا حُكم الإمام). ((المجموع)) (3/389). ، والزَّينُ بنُ المُنيرِ نقَل ابنُ حَجر عن ابن المنيِّر الإجماعَ، فقال: ((قوله: باب الجهر في المغرب) اعترض الزين بن المنيِّر على هذه الترجمة والتي بعدها بأنَّ الجَهْر فيهما لا خلافَ فيه، وهو عجيبٌ؛ لأنَّ الكتاب موضوع لبيان الأحكام من حيث هي، وليس هو مقصورًا على الخلافيات). - الترجمة التي بعدها: باب الجهر في صلاة العشاء، وباب الجهر في صلاة الصبح - ((فتح الباري)) (2/248). ، وابنُ قُدامةَ قال ابنُ قُدامة: (ويُسِرُّ بالقراءة في الظُّهْر والعصر، ويجهر بها في الأوليينِ من المغرب والعشاء، وفي الصبح كلها. الجهر في مواضع الجهر، والإسرار في مواضع الإسرار، لا خلاف في استحبابه، والأصل فيه فِعْلُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وقد ثبت ذلك بنقل الخلف عن السَّلف) ((المغني)) (1/407).
ثالثًا: النَّقلُ المتواترُ عنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم خلفًا عن سلفٍ قال ابنُ قُدامة: (الجهر في مواضِعِ الجَهْرِ، والإسرار في مواضِعِ الإسرار، لا خلاف في استحبابِه، والأصل فيه فِعْلُ النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وقد ثبت ذلك بنَقْلِ الخلف عن السَّلف) ((المغني)) (1/407). قال ابن مازة: (وهذا لأنَّ الجهر والإسرار في حق الأئمة في موضعها ظاهرتان يقينًا من لدن رسول الله عليه السلام إلى يومنا هذا) ((المحيط البرهاني)) (1/299).
المسألة الثانية: إسرارُ المأمومِ بالقراءةِ
السنَّةُ للمأمومِ الإسرارُ بالقراءةِ، سواءٌ سمِع الإمامَ أم لم يسمَعْ [2079] قال ابنُ تَيميَّة: (جَهْرُ المنفرِدِ بالقراءة إذا كان فيه أذًى لغيره لم يُشرَع، كما خرج النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على أصحابه وهم يصلون فقال: "أيُّها الناس، كلُّكم يناجي ربَّه؛ فلا يجهَرْ بعضُكم على بعضٍ بالقراءة"، وأمَّا المأموم فالسنَّة له المخافتة باتفاقِ المسلمين، لكن إذا جهر أحيانًا بشيءٍ من الذكر فلا بأس، كالإمام إذا أسمَعَهم أحيانًا الآيةَ في صلاة السرِّ؛ فقد ثبت في الصحيح عن أبي قتادة: «أنَّه أخبَرَ عن النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنه كان في صلاة الظُّهْرِ والعصر يُسْمِعُهم الآيةَ أحيانًا»، وثبَت في الصحيح أن من الصحابة المأمومين مَن جَهَرَ بدعاءٍ حين افتتاحِ الصَّلاة، وعند رفع رَأْسِه من الركوع، ولم ينكرِ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ذلك) ((مجموع الفتاوى)) (22/239). وقال ابن باز: (السنَّة للمأموم: الإخفات بقراءته وسائر أذكاره ودعواته في الصلاة؛ لعدم الدليل على جواز الجهر، ولأنَّ في جهره بذلك تشويشًا على مَن حوله من المصلِّين) ((مجموع فتاوى ابن باز)) (11/238).
الأدلَّة:
أوَّلًا: من السُّنَّة
عن عِمرانَ بنِ الحُصينِ رضيَ اللهُ عنهما، أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((صلَّى الظُّهرَ، فجعَل رجلٌ يقرَأُ خلفَه سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [الأعلى: 1] ، فلمَّا انصرَفَ قال: أيُّكم قرَأ؟ أو: أيُّكم القارئُ؟ فقال: رجلٌ أنا، فقال: قد ظنَنْتُ أنَّ بعضَهم خالَجَنِيها خالَجَنيها: جاذَبَنيها ونازَعَنيها. يُنظر ((المجموع)) للنووي (3/390). )) رواه مسلم (398).
ثانيًا: من الإجماع
نقَل الإجماعَ على أنَّ السنَّةَ للمأمومِ الإسرارُ، ويُكرَهُ له الجَهرُ: النَّوويُّ قال النَّوويُّ: (وأجمعت الأمةُ على أنَّ المأموم يُسَنُّ له الإسرار، ويُكره له الجهر، سواء سمع قراءة الإمام أم لا) ((المجموع)) (3/390). ، وابنُ قُدامةَ قال ابنُ قُدامة: (وهذا الجهر مشروعٌ للإمام، ولا يشرع للمأموم بغير اختلاف) ((المغني)) (1/407).
ثالثًا: لأنَّ المأمومَ مأمورٌ بالإنصاتِ للإمامِ والاستماعِ له ((المغني)) لابن قدامة (1/407).
المسألة الثالثة: حُكمُ الجَهرِ للمنفرِدِ في الصَّلاةِ الجَهريَّةِ
اختلَف العلماءُ في المنفرِدِ؛ هل يجهَرُ بالصَّلاةِ الجَهريَّةِ أو يُسِرُّ؟ على قولينِ:
القولُ الأوَّلُ: أنَّ المُنفردَ يُسَنُّ له الجهرُ في الصَّلواتِ الجَهريَّةِ، وهذا مذهبُ المالكيَّةِ ((الشرح الكبير)) للدردير (1/242)، وينظر: ((حاشية الصاوي على الشرح الصغير)) (1/318). ، والشافعيَّةِ ((المجموع)) للنووي (3/389)، ((مغني المحتاج)) للشربيني (1/162). ، وقولٌ عند الحنابلةِ ((الفروع)) لابن مفلح (2/186)، ((الإنصاف)) للمرداوي (2/42). ، وهو قولُ جمهورِ العلماءِ قال النَّوويُّ: (وأمَّا المنفرد فيسنُّ له الجهر عندنا وعند الجمهور، قال العبدري: هو مذهب العلماء كافَّة، إلَّا أبا حنيفة) ((المجموع)) (3/389). ، واختارَه ابنُ حزمٍ قال ابنُ حزم: (ويستحبُّ الجهرُ في ركعتي صلاةِ الصُّبح، والأُولَيَين من المغرب، والأُولَيَين من العَتَمَة، وفي الركعتين من الجمعة، والإسرار في الظُّهْرِ كلِّها، وفي العصر كلِّها، وفي الثالثة من المغرب، وفي الآخِرَتين من العَتَمَة، فإن فعَل خلاف ذلك كرهناه، وأجزأه، وأمَّا المأمومُ ففرض عليه الإسرار بـ: "أم القرآن" في كل صلاة ولا بد، فلو جهَر بطَلت صلاته، برهان ذلك: أنَّ الجهرَ فيما ذكرنا أنَّه يجهر فيه، والإسرار فيما ذكرنا أنَّه يُسِر فيه، إنما هما فِعْلُ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وليسا أمرًا منه، وأفعالُه عليه السلام على الِائْتِسَاء لا على الوجوب، وهو عليه السلام الإمام، وحُكم المنفرد كحكم الإمام) ((المحلى)) (3/25). ، وابنُ بازٍ قال ابن باز: (الجهرُ بالقراءة في الصلاة الجهرية كالفجر والأولى والثانية في المغرب والعشاء سنَّة للإمام والمنفرد، ومن أسرَّ فلا حَرَجَ عليه، لكنه قد ترك السنَّة، وإذا رأى المنفرد أن الإسرارَ أخشَعُ له فلا بأس؛ لأنَّه ثبت عنه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنه كان في صلاة الليل ربَّما جهر، وربما أَسَرَّ؛ كما ذكرت ذلك عائشة رضي الله عنها عنه عليه الصلاة والسلام، أمَّا الإمام فالسنَّة له الجهرُ دائمًا؛ اقتداءً بالنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولِمَا في ذلك من نفع الجماعة لإسماعهم لكلام الله سبحانه، سواءٌ كانت الصلاة فرضًا أو نفلًا، واللهُ ولي التوفيق) ((مجموع فتاوى ابن باز)) (11/116). ، وعليه فتوى اللَّجنةِ الدَّائمةِ سئلت اللَّجنة الدَّائمة: إذا صلَّى شخص منفردًا في الصلاة الجهرية، فهل يجهرُ بالقراءة أو يقرأ سرًّا؟ فأجابت: (السنَّة أن يَقرأ جهرًا؛ لعدم الدَّليلِ الذي يوجِب العدولَ عن الجَهْرِ بها) ((فتاوى اللَّجنة الدَّائمة - المجموعة الأولى)) (6/411).
وذلك للآتي:
أوَّلًا: لأنَّ المُنفردَ كالإمامِ في الحاجةِ إلى الجهرِ للتَّدبُّرِ، فسُنَّ له الجَهرُ كالإمامِ وأَوْلى؛ لأنَّه أكثرُ تدبُّرًا لقراءتِه؛ لعدمِ ارتباطِ غيرِه، وقدرتِه على إطاقةِ القراءةِ ((المجموع)) للنووي (3/390).
ثانيًا: لأنَّه غيرُ مأمورٍ بالإنصاتِ إلى أحدٍ، فأشبَهَ الإمامَ ((المغني)) لابن قدامة (1/408).
القول الثاني: أنَّ المنفرِدَ مخيَّرٌ بين الجَهرِ والإسرارِ، وهذا مذهبُ الحنفيَّةِ ((مختصر القدوري)) (ص: 29)، وينظر: ((فتح القدير)) للكمال ابن الهمام (1/325)، ((بدائع الصنائع)) للكاساني (1/161). ، والحنابلةِ ((الإنصاف)) للمرداوي (2/42)، وينظر: ((المغني)) لابن قدامة (1/407). ، واختارَه ابنُ عُثَيمين قال ابن عُثَيمين: (أمَّا المنفرد إذا صلَّى الصلاةَ الجهريَّة، فإنَّه يخيَّر بين الجَهْرِ والإسرار، وينظُرُ ما هو أنشطُ له وأقربُ إلى الخُشُوع فيُقدم به) ((مجموع فتاوى ورسائل العُثَيمين)) (13/74).
وذلك للآتي:
أوَّلًا: لأنَّه لا يتحمَّلُ القِراءةَ عن غيرِه، فأشبهَ المأمومَ في سكَتاتِ الإمامِ، ويُفارِقُ الإمامَ؛ فإنَّه يقصِدُ إسماعَ المأمومينَ، ويتحمَّلُ القراءةَ عنهم ((المغني)) لابن قدامة (1/408).
ثانيًا: لأنَّ المنفردَ إمامٌ في حقِّ نفسِه، فإن شاء خافَتَ؛ لأنَّه ليس خلفَه مَن يسمعُه ((فتح القدير)) للكمال ابن الهمام (1/325).
الفَرْعُ السابع: حكم الاستِعاذةِ في الصَّلاةِ ومَحَلُّها
المسألة الأولى: حُكمُ الاستِعاذةِ
تُسنُّ الاستعاذةُ في الصلاةِ، وهو مذهبُ الجمهور [2099] - قال الكاسانيُّ: (فالتعوُّذ سُنَّة في الصلاة عند عامَّة العلماء، وعند مالك ليس بسُنَّة، والصَّحيح قولُ العامة؛ لقوله تعالى: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ **النحل: 98**، من غير فَصْل بين حالِ الصلاةِ وغيرها) ((بدائع الصنائع)) (1/202). : الحنفيَّةِ [2100] - ((تبيين الحقائق)) للزيلعي (1/106)، وينظر: ((بدائع الصنائع)) للكاساني (1/202)، ((المحيط البرهاني)) لابن مازة (1/357). ، والشافعيَّةِ [2101] - ((المجموع)) للنووي (3/325)، ((مغني المحتاج)) للشربيني (1/156). ، والحنابلةِ [2102] - ((المبدع)) لبرهان الدِّين ابن مفلح (1/380)، ((شرح منتهى الإرادات)) للبهوتي (1/187).
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [النحل: 98]
وَجْهُ الدَّلالَةِ:
أنَّه لم يفصل بين حالِ الصَّلاةِ وغيرها [2103] - ((بدائع الصنائع)) للكاساني (1/202).
المسألة الثانية: محلُّ الاستعاذةِ
تُشرَعُ الاستعاذةُ قبلَ القِراءة، وهو مذهبُ الجمهورِ [2104] - قال الكاسانيُّ: (وأمَّا وقتُ التعوُّذِ فما بَعدَ الفراغِ من التسبيحِ قَبلَ القِراءةِ عند عامَّة العلماء) ((بدائع الصنائع)) (1/202). : الحنفيَّةِ [2105] - ((البناية شرح الهداية)) (2/ 188)، وينظر: ((بدائع الصنائع)) للكاساني (1/202)، ((المحيط البرهاني)) لابن مازة (1/357). ، والشافعيَّةِ [2106] - ((المجموع)) للنووي (3/325)، ((مغني المحتاج)) للشربيني (1/156). ، والحنابلةِ [2107] - ((المبدع)) لبرهان الدِّين ابن مفلح (1/380)، ((شرح منتهى الإرادات)) للبهوتي (1/187).
وذلك للآتي:
أوَّلًا: أنَّ الإرادةَ مُضمرَةٌ في الآية، والمعنى: فإذا أردتَ قِراءةَ القرآنِ فاستعِذْ باللهِ [2108] - ((بدائع الصنائع)) للكاساني (1/202).
ثانيًا: لأنَّ التعوُّذَ شُرِعَ لدَفْعِ وسوسةِ الشيطانِ، وإنَّما يُحتاجُ إلى دفْعِ الوسوسةِ قبلَ الشروعِ في القِراءةِ [2109] - ((المحيط البرهاني)) لابن مازة (1/357).

انظر أيضا: