الموسوعة الفقهية

المَطلَب الرابع: الاجتهادُ في تحديدِ القِبلةِ


الفرعُ الأوَّل: حُكمُ الاجتهادِ في تحديدِ القِبلةِ
إذا لم يَعرِفِ الغائبُ عن أرضِ مكَّةَ القِبلةَ، فإنَّه يلزمه الاجتهادُ في تحديدِها ، وهذا باتِّفاقِ المذاهبِ الفقهيَّة الأربعة: الحنفيَّة ، والمالكيَّة ، والشافعيَّة ، والحنابلة
وذلك لأنَّ له طريقًا إلى معرفتِها بالشمسِ والقمرِ، والجبال، والرِّياح؛ ولهذا قال الله تعالى وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [النحل: 16]
الفَرعُ الثَّاني: حُكمُ إمامةِ أَحدِ المُختلفَينِ في القِبلةِ بالآخَرِ
إنِ اختَلفَ مجتهدانِ في القِبلة، فلا يأتمُّ أحدُهما بالآخَرِ، وذلك باتِّفاقِ المذاهبِ الفقهيَّة الأربعة: الحنفيَّة ، والمالكيَّة ، والشافعيَّة ، والحنابلة
وذلك للآتي:
أوَّلًا: أنَّ كلَّ واحدٍ منهما يَعتقِدُ خطأَ الآخَرِ
ثانيًا: أنَّ المأمومَ يعتقد أنَّ الإمامَ يترك شرطًا من شرائطِ الصَّلاة للعجزِ عنه، فأَشْبهَ ما لو كان الإمامُ عاريًا أو مُحدِثًا، ونحو ذلك
ثالثًا: أنَّ صلاتَه اشتملتْ على ترْكِ استقبالِ القِبلة، وكلُّ صلاةٍ تُيقِّنَ أنه تُرِكَ فيها استقبالُ القبلة، فهي باطلةٌ
رابعًا: أنَّ مِثلَ هذا نادرُ الوقوعِ ولا يلزم العفوُ فيما تعمُّ به البلوى العفوَ عمَّا لا تعمُّ به البلوى
الفَرْعُ الثَّالث: مَن تَغيَّر اجتهادُه في تحديدِ القِبلةِ أثناءَ الصَّلاةِ
مَن تغيَّر اجتهادُه في تحديدِ القبلةِ في أثناءِ الصَّلاةِ، فإنَّه يَنحرِفُ إلى الجهةِ الثانيةِ ويُتمُّ صلاتَه، وهو مذهبُ الجمهورِ: الحنفيَّة ، والشافعيَّة ، والحنابلة ، واختارَه من المالكيَّة ابنُ عبد البرِّ
الأدلَّة:
أوَّلًا: من السُّنَّة
عنِ البَراءِ بن عازبٍ: ((أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان أوَّلَ ما قَدِمَ المدينةَ نزَلَ على أجدادِه - أو قال: أخوالِه - من الأنصارِ، وأنَّه صلَّى قِبلَ بيتِ المقدسِ سِتَّةَ عَشرَ شهرًا، أو سَبعةَ عَشرَ شهرًا، وكان يُعجِبُه أن تكونَ قِبلتُه قِبلَ البيتِ، وأنَّه صلَّى أوَّلَ صلاةٍ صلَّاها صلاةَ العصرِ، وصلَّى معه قومٌ، فخرَج رجلٌ ممَّن صلَّى معه، فمرَّ على أهلِ مَسجدٍ وهم راكعون، فقال: أشهدُ باللهِ لقدْ صَليتُ مع رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قِبلَ مَكَّةَ، فدَاروا كما هم قِبلَ البيتِ ))
ثانيًا: أنَّه يجبُ العملُ بالاجتهادِ فيما يُستقبَلُ، أمَّا ما مضى بالاجتهادِ فإنَّه لا يُنقَضُ باجتهادٍ مثلِه
ثالثًا: القياسُ على الحاكمِ إذا حكَمَ باجتهادٍ ثم تغيَّرَ اجتهادُه، فإنَّه لا يُنقَضُ ما حَكَم فيه بالاجتهادِ الأوَّلِ
رابعًا: أنَّه ترجَّح في ظنِّه، فصار العملُ به واجبًا
خامسًا: أنَّ دليلَ الاجتهادِ بمنزلةِ دليلِ النَّسخِ، وأثَرُ النسخِ يَظهَرُ في المستقبلِ لا في الماضي؛ فكذا الاجتهادُ
الفرعُ الرَّابع: مَن شَكَّ في اجتهادِه في تحديدِ القِبلةِ أثناء الصَّلاةِ
إذا دخَلَ في الصَّلاةِ باجتهادٍ، ثم شكَّ فيه ولم يَترجَّحْ له شيءٌ من الجهاتِ، أتمَّ صلاتَه إلى جِهتِه ولا إعادةَ عليه؛ نصَّ على هذا الجمهور: المالكيَّة ، والشافعيَّة ، والحنابلة
وذلك للآتي:
أوَّلًا: أنَّ الاجتهادَ ظاهرٌ، والظاهر لا يُزالُ بالشكِّ
ثانيًا: أنَّ الشكَّ الطارئَ لا يُساوي غلبةَ الظنِّ التي دخَلَ بها في الصَّلاةِ
ثالثًا: أنَّه دخَلَ الصَّلاةَ باجتهادٍ لم يَتبيَّن خطؤُه
الفرعُ الخامسُ: الخطأُ في تحديدِ القِبلةِ 
المَسألةُ الأولى: ظهورُ الخطأ في القبلةِ بعدَ الفراغِ من الصَّلاةِ
مَن صَلَّى في غيرِ مَكَّةَ إلى غيرِ القبلة مجتهدًا، ولم يَعلمْ إلَّا بعدَ أنْ سَلَّم أجزأتْه صلاتُه، وهذا مذهبُ الجمهورِ: الحنفيَّة ، والمالكيَّة ، والحنابلة ، وهو قولُ الشافعيِّ في القديم ، ورُوي عن بعضِ السَّلف
الأدلَّة:
أوَّلًا: من السُّنَّة
عن أنسِ بن مالكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْه: ((أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان يُصلِّي نحوَ بيتِ المقدسِ، فنزلت: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [البقرة: 144] ، فمرَّ رجلٌ من بني سَلِمَة وهم ركوعٌ في صلاةِ الفجر، وقد صلَّوْا ركعةً، فنادَى: ألَا إنَّ القبلةَ قد حُوِّلتْ، فمالوا كما هم نحوَ القِبلةِ ))
وَجْهُ الدَّلالَةِ:
أنَّهم صلَّوْا ركعةً إلى بيتِ المقدسِ بعدَ نَسخِه ووجوبِ استقبالِ الكعبةِ، ثم عَلِموا في أثناءِ الصَّلاةِ النسخَ، فاستداروا في صلاتِهم وأتمُّوا إلى الكعبةِ، وكانت الركعةُ الأولى إلى غير الكعبةِ بعدَ وجوبِ استقبالِ الكعبةِ، ولم يُؤمَروا بالإعادة، ومثل هذا لا يَخفَى على النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم
ثانيًا: أنَّه أتى بما أُمِر، فخرَجَ عن العُهدةِ كالمصيبِ، والتكليفُ مقيَّدٌ بالوُسعِ
ثالثًا: أنَّه صلَّى إلى غيرِ الكعبةِ للعُذر، فلمْ تجِبْ عليه الإعادةُ، كالخائفِ يُصلِّي إلى غيرِها
رابعًا: أنَّها جهةٌ تجوزُ الصَّلاةُ إليها بالاجتهادِ فأشبهَ إذا لم يتيقَّنِ الخطأَ
خامسًا: أنَّ إيجابَ الإعادةِ إيجابُ فرضٍ، والفرائضُ لا تثبُتُ إلَّا بيقينٍ لا مَدْفعَ له
المسألة الثانية: الصَّلاة لغيرِ القِبلةِ من غيرِ اجتهادٍ
مَن صلَّى إلى جهةٍ غير القبلة مِن غيرِ اجتهادٍ، فلا تُجزِئُ صلاتُه، وعليه إعادتُها.
الدَّليلُ مِنَ الإِجْماع:
نقَل الإجماعَ على ذلك: ابنُ عبد البرِّ ، والنوويُّ

انظر أيضا:

  1. (1) قال ابنُ قُدامة: (المجتهدُ في القِبلة هو العالم بأدلَّتها، وإنْ كان جاهلًا بأحكام الشرع، فإنَّ كل مَن علم أدلَّة شيء كان من المجتهدين فيه، وإنْ جِهَل غيره، ولأنَّه يتمكَّن من استقبالها بدليله، فكان مجتهدًا فيها كالفقيه، ولو جهِل الفقيهُ أدلَّتها أو كان أعمى، فهو مقلِّد، وإن عَلِم غيرها) ((المغني)) (1/319).
  2. (2) ((الهداية)) للمرغيناني (1/47)، وينظر: ((فتح القدير)) للكمال ابن الهمام (1/271).
  3. (3) ((مواهب الجليل)) للحطاب (2/195)، وينظر: ((حاشية الصاوي)) (1/295)، ((إرشاد السالك)) لشهاب الدين المالكي (ص: 14).
  4. (4) ((المجموع)) للنووي (3/205)، ((مغني المحتاج)) للشربيني (1/146).
  5. (5) ((الإنصاف)) للمرداوي (2/12)، ((كشاف القناع)) للبهوتي (1/306).
  6. (6) ((المجموع)) للنووي (3/205).
  7. (7) ((الهداية)) للمرغيناني (1/47)، وينظر: ((فتح القدير)) للكمال ابن الهمام (1/273).
  8. (8) ((التاج والإكليل)) للمواق (1/509)، وينظر: ((شرح التلقين)) للمازري (1/495).
  9. (9) ((المجموع)) للنووي (3/226)، ((مغني المحتاج)) للشربيني (1/147).
  10. (10) ((كشاف القناع)) للبهوتي (1/310)
  11. (11) ((الهداية)) للمرغيناني (1/47)، ((الشرح الممتع)) لابن عثيمين (2/282).
  12. (12) ((شرح عمدة الفقه - كتاب الصلاة)) لابن تيمية (ص: 570).
  13. (13) ((شرح عمدة الفقه - كتاب الصلاة)) لابن تيمية (ص: 571).
  14. (14) ((شرح عمدة الفقه - كتاب الصلاة)) لابن تيمية (ص: 572).
  15. (15) ((مراقي الفلاح)) للشرنبلالي (ص: 92)، وينظر: ((بدائع الصنائع)) للكاساني (1/121).
  16. (16) ((المجموع)) للنووي (3/218، 220)، ((مغني المحتاج)) للشربيني (1/147).
  17. (17) ((الإنصاف)) للمرداوي (2/15)، ((كشاف القناع)) للبهوتي (1/312).
  18. (18) قال ابنُ عبد البَرِّ: (في حديث هذا الباب دليلٌ على أنَّ مَن صلَّى إلى القبلة عند نفْسه باجتهاده، ثم بان له وهو في الصلاة أنَّه استدبر القِبلة، أو شرَّق أو غرَّب، أنه ينحرف ويَبني) ((التمهيد)) (17/54، 55).
  19. (19) رواه البخاري (40)، ومسلم (525).
  20. (20) ((تبيين الحقائق)) للزيلعي، مع ((حاشية الشلبي)) (1/250)، ((المجموع)) للنووي (3/218).
  21. (21) ((المجموع)) للنووي (3/218).
  22. (22) ((كشاف القناع)) للبهوتي (1/312).
  23. (23) ((مجمع الأنهر)) لشيخي زاده (1/126).
  24. (24) ((حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير)) (1/227)، وينظر: ((شرح مختصر خليل)) للخرشي (1/260).
  25. (25) ((المجموع)) للنووي (3/221)، ((نهاية المحتاج)) للرملي (1/448).
  26. (26) ((الإنصاف)) للمرداوي (2/15)، ((كشاف القناع)) للبهوتي (1/312).
  27. (27) ((المجموع)) للنووي (3/218).
  28. (28) ((كشاف القناع)) للبهوتي (1/312).
  29. (29) ((شرح مختصر خليل)) للخرشي (1/260).
  30. (30) ((الهداية)) للمرغيناني (1/47)، وينظر: ((فتح القدير)) للكمال ابن الهمام (1/272).
  31. (31) ويعيد في الوقت استحبابًا عند المالكية. ((الكافي)) لابن عبد البر (1/198)، وينظر: ((شرح مختصر خليل)) للخرشي (1/256)، ((التمهيد)) لابن عبد البر (17/55).
  32. (32)  ((كشاف القناع)) للبهوتي (1/312)، وينظر: ((المغني)) لابن قُدامة (1/325).
  33. (33) قال النوويُّ: (وإن صلَّى ثم تيقَّن الخطأ، ففيه قولان؛ قال في الأم: يلزمه أنْ يُعيد؛ لأنَّه تعين له يقين الخطأ فيما يأمن مثله في القضاء؛ فلم يعتدَّ بما مضى، كالحاكِم إذا حَكَم ثم وجد النصَّ بخلافه، وقال في القديم، والصيام من الجديد: لا يَلزَمُهـ) ((المجموع)) (3/222).
  34. (34) قال الجصَّاص: (وقال أصحابنا جميعًا، والثوريُّ: إنْ وجَدَ مَن يسأله فعرَّفه جهة القبلة فلم يفعل لم تجز صلاته، وإن لم يَجِد مَن يُعرفه جهتَها فصلَّاها باجتهاده أجزأتْه صلاتُه، سواء صلَّاها مستدبرَ القبلة أو مشرِّقًا أو مغرِّبًا عنها، ورُوي نحو قولنا عن مجاهد، وسعيد بن المسيَّب، وإبراهيم، وعطاء، والشعبيِّ) ((أحكام القرآن)) (1/77).
  35. (35) رواه مسلم (527).
  36. (36) ((المجموع)) للنووي (3/243)، ((المغني)) لابن قدامة (1/325).
  37. (37) ((فتح القدير)) للكمال ابن الهمام (1/273)، ((المغني)) لابن قدامة (1/325).
  38. (38) ((الشرح الكبير)) لشمس الدين ابن قدامة (1/492)، وينظر: ((التمهيد)) لابن عبد البر (17/58).
  39. (39) ((المجموع)) للنووي (3/222).
  40. (40) ((التمهيد)) لابن عبد البر (17/58).
  41. (41) قال ابنُ عبد البَرِّ: (وأجمَعوا على أنَّه مَن صلَّى إلى غير القِبلة من غير اجتهادٍ حمَلَه على ذلك، أنَّ صلاته غيرُ مجزئةٍ عنه، وعليه إعادتُها إلى القِبلة، كما لو صلَّى بغير طهارة) (التمهيد)) (17/54).
  42. (42) قال النوويُّ: (... المصلِّي إلى جِهة بغير اجتهاد، فإنَّه لا تصحُّ صلاتُه بالاتِّفاق) ((المجموع)) (1/204).