trial

الموسوعة الفقهية

المطلب الأوَّل: مَيْتةُ السَّمكِ غيرِ الطَّافي


يُباحُ أكْلُ مَيْتةِ السَّمكِ غيرِ الطَّافي.
الأدلَّة:
أوَّلًا: مِنَ الكتاب
قولُ اللهِ تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ [المائدة: 96] .
وجهُ الدَّلالةِ:
صَيدُ البحرِ: ما أُخِذ حَيًّا، وطَعامُه: ما أُخِذ مَيتًا، يعني: ما ألْقاهُ البحرُ مَثلًا، أو طَفا على ظهْرِه مَيِّتًا [411] ((الشرح الممتع)) لابن عُثيمين (15/14). قال ابنُ كثيرٍ في تفسيرِ الآية: (قال ابنُ عبَّاسٍ في الرِّوايةِ المشهورةِ عنه: صَيْدُه ما أُخِذ منه حَيًّا، وَطَعَامُهُ ما لَفَظَه مَيِّتًا، وهكذا روي عن أبي بكر الصديق وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمرو، وأبي أيوب الأنصاري، رضيَ اللهُ عنهم. وعكرمة، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وإبراهيم النخعي، والحسن البصري) ((تفسير ابن كثير)) (3/197).   .
ثانيًا: مِنَ السُّنَّة
1 - عن أبي هُريرةَ رضي الله عنه، قال: ((سَأل رَجُلٌ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: يا رسولَ اللهِ، إنَّا نَركَبُ البحرَ، ونَحمِلُ معنا القليلَ مِنَ الماءِ، فإنْ تَوضَّأْنا به عَطِشْنا، أفنَتَوضَّأُ مِنَ البحرِ؟ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: هو الطَّهورُ ماؤُه، الحِلُّ مَيْتتُه )) [412] أخرجه أبو داودَ (83)، والتِّرْمذيُّ (69)، والنَّسائيُّ (59)، وابنُ ماجَهْ (386)، وأحمدُ (8735). وصحَّحه البُخاريُّ كما في ((الاستذكار)) لابن عبدِ البَرِّ (1/197). وقال التِّرْمذيُّ: حسَنٌ صحيحٌ. وأخرجه ابنُ حِبَّانَ في ((صحيحه)) (1243). وصحَّحه ابنُ عبدِ البَرِّ في ((التَّمهيد)) (16/217)، وقال: لأنَّ العلماء تَلقَّوْه بالقَبولِ. وكذا صحَّحه النَّوويُّ في ((المجموع)) (1/82).   .
2 - عن جابر رضيَ اللهُ عنه، قال: ((غَزَوْنا جيشَ الخَبَطِ، وأُمِّرَ أبو عُبَيدةَ، فجُعْنا جوعًا شديدًا، فأَلْقى البحرُ حُوتًا مَيِّتًا لم يُرَ مِثلُه، يُقالُ له العَنْبرُ، فأكَلْنا منه نِصفَ شهرٍ، فأخذ أبو عُبَيدةَ عَظْمًا مِن عِظامِه، فمَرَّ الرَّاكِبُ تحتَه... فأخبَرَني أبو الزُّبَيرِ، أنَّه سمِع جابرًا يقولُ: قال أبو عُبَيدَةَ: كُلوا. فلمَّا قدِمْنا المدينةَ ذكَرْنا ذلك للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: كُلوا رِزقًا أخرَجه اللهُ، أَطعِمونا إنْ كان معَكم. فأتاه بعضُهم بعُضوٍ فأَكَله )) [413] أخرجه البُخاري (4362) واللَّفظُ له، ومسلمٌ (1935).   .
وجهُ الدَّلالةِ:
 أنَّ أكْلَهم لم يكُنْ على وجهِ ما تُؤكَلُ عليه المَيْتةُ للضَّرورةِ؛ وذلك أنَّهم أقاموا عليها أيامًا يَأكُلون منها، ومَنِ اضطُرَّ إلى المَيْتةِ ليس يُباحُ له المُقامُ عليها، بل يُقالُ له: خُذ منها ما تَحتاجُ وانتَقِلْ منها إلى طلَبِ المُباحِ مِنَ القُوتِ [414] ((التمهيد)) لابن عبدِ البَرِّ (23/13).   .
3- عن زيدِ بنِ أَسلَمَ، عن عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ رضي الله عنهما، أنَّه قال: ((أُحِلَّتْ لنا مَيْتتانِ ودَمَانِ: الجَرادُ والحِيتانُ، والكبدُ والطِّحالُ )) [415] تقدم تخريجه.   .
وجهُ الدَّلالةِ:
أنَّ غيرَ الحوتِ ممَّا يُسمَّى سَمَكًا في معناه [416] ((شرح الزَرْكَشي على مختصر الخِرَقي)) (6/697).   .
رابعًا: مِنَ الإجماعِ
نَقَل الإجماعَ على ذلك: ابنُ عبدِ البَرِّ [417] قال ابنُ عبدِ البَرِّ: (وفيه أكْلُ مَيتةِ البحرِ مِن دَوابِّه وغيرِها؛ لأنَّ دَوابَّه إذا جازَ أكْلُها مَيْتةً فسَمَكُه أَوْلى بذلك؛ لأنَّ السَّمك لم يُختلَفْ في أكْلِه). ((التمهيد)) (23/12).   ، وابنُ رُشْدٍ الجَدُّ [418] قال ابنُ رُشْدٍ الجَدُّ: (واتَّفَق أهلُ العِلمِ كلُّهم على جوازِ أكلِ سَمَكِ البحرِ ... إلَّا الطَّافيَ منه). ((البيان والتحصيل)) (3/300).   ، وابنُ قُدامةَ [419] قال ابنُ قُدامةَ: (وأمَّا ما مات بسببٍ، مِثلَ أنْ صادَه إنسانٌ، أو نَبَذَه البحرُ، أو جَزَر عنه، فإنَّ العلماءَ أَجمَعوا على إباحتِه. وكذلك ما حُبِس في الماءِ بحظيرةٍ حتَّى يَموتَ، فلا خلافَ أيضًا في حِلِّه).((المغني)) (9/394).   ، والنَّوويُّ [420] قال النَّوويُّ: (السَّمكُ بأنواعِه فهو حلالٌ، ولا حاجةَ إلى ذبْحِه بلا خلافٍ، بل يَحِلُّ مُطْلقًا، سواءٌ مات بسببٍ ظاهرٍ كضغطةٍ أوْ صدمةِ حَجرٍ، أوِ انحسارِ ماءٍ، أو ضرْبٍ مِنَ الصَّيَّادِ أو غيرِه، أو مات حَتْفَ أنْفِه). ((المجموع)) (9/31).   ، وابنُ تيميَّةَ [421] قال ابنُ تيميَّةَ: (أمَّا السَّمَكُ إذا مات بمفارقةِ الماءِ فهو حلالٌ طاهرٌ بالإجماعِ). ((شرح العمدة)) (ص 134)، وقال: (وقد أَجمَع سلَفُ الأُمَّةِ وأئمَّتُها على حِلِّ السَّمكِ كلِّه). ((منهاج السنة)) (8/200).   ، والزَرْكَشيُّ [422] قال الزَرْكَشيُّ: (السَّمك، ولا نِزاعَ في حِلَّ مَيْتتِه... وغير الحوتِ ممَّا يُسمَّى سَمَكًا في معناه). ((شرح الزَرْكَشي على مختصر الخِرَقي)) (6/697).   ، والشَّوكانيُّ [423] قال الشَّوكانيُّ: (لا خلافَ في أنَّ مَيتةَ السَّمكِ حلالٌ طاهرةٌ). ((السيل الجرار)) (ص 28).   .

انظر أيضا: