الموسوعة الفقهية

الفَرعُ الثَّاني: دَفعُ الصَّائِلِ على العِرضِ


يَجِبُ دَفعُ الصَّائِلِ على العِرضِ، وذلك باتِّفاقِ المَذاهِبِ الفِقهيَّةِ الأربَعةِ: الحَنَفيَّةِ [1684] ((حاشية ابن عابدين على الدر المختار)) (6/ 545)، ((درر الحكام شرح غرر الأحكام)) لمنلا خسرو (2/ 92)، ((الهداية في شرح بداية المبتدي)) للمرغيناني (4/ 448). ويُنظر: ((عمدة القاري)) للعيني (13/35)، قال العَينيُّ: (وأمَّا المُدافَعةُ عنِ الحَريمِ فواجِبةٌ بلا خِلافٍ). ، والمالِكيَّةِ [1685] ((شرح الزرقاني على مختصر خليل وحاشية البناني)) (8/ 206)، ((منح الجليل)) لعليش (9/ 368). ويُنظر: ((حاشية العدوي على شرح مختصر خليل للخرشي)) (8/ 112). ، والشَّافِعيَّةِ [1686] ((تحفة المحتاج)) لابن حجر الهيتمي (9/ 183)، ((أسنى المطالب)) لزكريا الأنصاري (4/ 168). ، والحَنابِلةِ [1687] ((الإنصاف)) للمرداوي (10/ 230)، ((كشاف القناع)) للبهوتي (6/ 155). ، وحُكيَ فيه الإجماعُ [1688] قال النَّوويُّ: (وأمَّا المُدافَعةُ عنِ الحَريمِ فواجِبةٌ بلا خِلافٍ). ((شرح النووي على مسلم)) (2/324). وقال ابنُ تَيميَّةَ: (أمَّا دَفعُ الصَّائِلِ عنِ الحُرمةِ والدِّينِ فواجِبٌ إجماعًا). ((الفتاوى الكبرى)) (5/ 537). وقال العَينيُّ: (وأمَّا المُدافَعةُ عنِ الحَريمِ فواجِبةٌ بلا خِلافٍ). ((عمدة القاري)) (13/35). وخالَف في ذلك الحَنابِلةُ في قَولٍ وقالوا: لا يَجِبُ عليه الدَّفعُ. يُنظر: ((الإنصاف)) للمرداوي (27/39). .
الأدِلَّة:ِ
أوَّلًا: مِنَ السُّنَّةِ
عن سَعيدِ بنِ زَيدٍ رَضِيَ اللهُ عنه، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((مَن قُتِلَ دونَ مالِه فهو شَهيدٌ، ومَن قُتِلَ دونَ دينِه فهو شَهيدٌ، ومَن قُتِلَ دونَ دَمِه فهو شَهيدٌ، ومَن قُتِل دونَ أهلِه فهو شَهيدٌ )) [1689] أخرجه أبو داود (4772)، والترمذي (1421) واللفظ له، والنسائي (4095). صَحَّحه ابنُ تيمية في ((مجموع الفتاوى)) (28/540)، وابن رجب في ((جامع العلوم والحكم)) (1/324)، والألباني في ((صحيح سنن الترمذي)) (1421)، والوادعي في ((الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين)) (434). .
وَجهُ الدَّلالةِ:
الحَديثُ دَليلٌ على أن يُدافِعَ عن عِرضِه، فإن قُتِلَ فهو شَهيدٌ، ولا يَكونُ مَقتولًا دونَ عِرضِه إلَّا وقد قاتَلَ دونَه [1690] يُنظر: ((مواهب الجليل)) للحطاب (6/ 323). ((أحكام القرآن)) للجصاص (4/46).  .
ثانيًا: مِنَ الآثارِ
1- عن عُبَيدِ بنِ عُمَيرٍ أنَّ جاريةً كانت تَحتَطِبُ فراودَها رَجُلٌ عن نَفسِها، فرَمَته بفِهرٍ فقَتَلَته، فرُفِعَ ذلك إلى عُمَرَ رضِيَ اللهُ عنه، فقال: (قَتيلُ اللهِ، واللهِ لا يودَى أبَدًا) [1691] أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (19158)، وابن أبي شيبة (29613)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (17711). قال ابنُ المُلَقِّنِ في ((البدر المنير)) (9/17): جَيِّدٌ.
وَجهُ الدَّلالةِ:
الأثَرُ دَليلٌ على أنَّ عُمَرَ أهدَرَ دَمَه، وأقَرَّ فِعلَها [1692] يُنظر: ((معرفة السنن والآثار)) للبيهقي (6/480).  .
2- أنَّ عُمَرَ رضِيَ اللهُ عنه بَينَما هو يَتَغَدَّى يَومًا إذ أقبَل رَجُلٌ يَعدو ومَعَه سَيفٌ مُجَرَّدٌ مُلَطَّخٌ بالدَّمِ، فجاءَ حتَّى قَعَدَ مَعَ عُمَرَ، فجَعَلَ يَأكُلُ، وأقبَلَ جَماعةٌ مِنَ النَّاسِ، فقالوا: (يا أميرَ المُؤمِنينَ، إنَّ هذا قَتَل صاحِبَنا مَعَ امرَأتِه، فقال عُمَرُ: ما يَقولُ هؤلاء؟ قال: إنَّه ضَرَبَ فَخِذَي امرَأتِه بالسَّيفِ، فإن كان بَينَهما أحَدٌ فقد قَتَلَه، فقال لَهم عُمَرُ: ما يَقولُ؟ قالوا: ضَرَبَ بسَيفِه فقَطَع فَخِذَي امرَأتِه فأصابَ وسَطَ الرَّجُلِ فقَطَعَه باثنَينِ، فقال عُمَرُ: إن عادوا فعُدْ) [1693] أخرجه سعيد بن منصور كما في ((المغني)) لابن قدامة (9/184). .  
وَجهُ الدَّلالةِ:
الأثَرُ دَليلٌ على الدَّفعِ عنِ العِرضِ، وأنَّ عُمَرَ أقَرَّه على فِعلِه [1694] يُنظر: ((المغني)) لابن قدامة (9/ 184).  .
ثالِثًا: لأنَّه لا يَجوزُ بَذلُ العِرضِ للصَّائِلِ؛ لأنَّ العِرضَ لا يُباحُ [1695] يُنظر: ((الإنصاف)) للمرداوي (10/ 304 ). ((حاشية البجيرمي على الخطيب)) (4/ 222). .
مَسألةٌ: هَل يَجوزُ لمَن رَأى رَجُلًا يَفجُرُ بأهلِه أن يَقتُلَه؟
مَن رَأى رَجُلًا يَفجُرُ بأهلِه فيَجوزُ لَه أن يَقتُلَه، خاصَّةً إذا لم يَندَفِعْ إلَّا بذلك [1696] هذا مِن حَيثُ الدِّيانةُ، أمَّا في بابِ القَضاءِ فلا يُقبَلُ قَولُه إلَّا بالبَيِّنةِ، كما سيَأتي ذِكرُه. ، باتِّفاقِ المَذاهِبِ الفِقهيَّةِ الأربَعةِ: الحَنَفيَّةِ [1697] ((البحر الرائق)) لابن نجيم (5/ 45)، ((الدر المختار للحصكفي وحاشية ابن عابدين)) (4/64). ، والمالِكيَّةِ [1698] ((الشرح الكبير)) للدردير (4/ 357)، ((منح الجليل)) لعليش (9/ 368). ، والشَّافِعيَّةِ [1699] ((فتح العزيز بشرح الوجيز)) للرافعي (11/318)، ((روضة الطالبين)) للنووي (10/190). ، والحَنابِلةِ [1700] ((الإقناع)) للحجاوي (4/ 290). ((كشاف القناع)) للبهوتي (6/156). .
الأدِلَّة:ِ
أوَّلًا: مِنَ السُّنَّةِ
عنِ المُغيرةِ بنِ شُعبةَ أنَّ سَعدَ بنَ عُبادةَ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: ((يا رَسولَ اللهِ، أرَأيتَ الرَّجُلَ يَجِدُ مَعَ امرَأتِه رَجُلًا أيَقتُلُه؟ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لا، فقال سَعدٌ: بَلى، والذي بَعَثَك بالحَقِّ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: اسمَعوا إلى ما يَقولُ سَيِّدُكُم!) ) [1701] أخرجه مسلم (1498). . وفي لَفظٍ آخَرَ: ((لَو وَجَدتُ مَعَ أهلي رَجُلًا لم أمَسَّه حتَّى آتيَ بأربَعةِ شُهَداءَ! قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: نَعَم، قال: كَلَّا والذي بَعَثَك بالحَقِّ، إن كُنتُ لأُعاجِلُه بالسَّيفِ قَبلَ ذلك، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: اسمَعوا إلى ما يَقولُ سَيِّدُكُم! إنَّه لغَيورٌ، وأنا أغيَرُ مِنه، واللَّهُ أغيَرُ مِنِّي)) [1702] أخرجه مسلم (1498). .         
وفي لَفظٍ: ((لَو رَأيتُ مَعَ امرَأتي رَجُلًا لضَربتُه بالسَّيفِ غَيرَ مُصفِحٍ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أتَعجَبونَ من غَيرةِ سعدٍ؟! فواللهِ لأَنَا أغيَرُ منه، واللهُ أغيَرُ منِّي، ومِن أجلِ ذلك حَرَّم الفَواحِشَ ما ظهَر منها وما بطَن، ولا شَخصَ أغيَرُ من اللهِ، ولا شَخصَ أحبُّ إليه العُذرُ من اللهِ؛ من أجلِ ذلك بعَث اللهُ المرسَلينَ مُبشِّرينَ ومُنذِرِين، ولا شَخصَ أحَبُّ إليه المِدْحةُ من اللهِ؛ مِن أجْلِ ذلك وَعَدَ اللهُ الجَنَّةَ )) [1703] أخرجه البخاري (7416)، ومسلم (1499) واللفظ له. .
وَجهُ الدَّلالةِ:
دَلَّ إقرارُه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وسُكوتُه على ما حَلَف عليه سَعدٌ أنَّه جائِزٌ له فيما بَينَه وبَينَ اللهِ؛ فإنَّه لم يُنكِرْ عليه ولم يَنهَه [1704] يُنظر: ((زاد المعاد)) لابن القيم (5/ 366). .
ثانيًا: مِنَ الآثارِ
 أنَّ عُمَرَ رضِيَ اللهُ عنه بَينَما هو يَتَغَدَّى يَومًا إذ أقبَل رَجُلٌ يَعدو ومَعَه سَيفٌ مُجَرَّدٌ مُلَطَّخٌ بالدَّمِ، فجاءَ حتَّى قَعَدَ مَعَ عُمَرَ، فجَعَلَ يَأكُلُ، وأقبَلَ جَماعةٌ مِنَ النَّاسِ، فقالوا: (يا أميرَ المُؤمِنينَ، إنَّ هذا قَتَل صاحِبَنا مَعَ امرَأتِه، فقال عُمَرُ: ما يَقولُ هؤلاء؟ قال: إنَّه ضَرَبَ فَخِذَي امرَأتِه بالسَّيفِ، فإن كان بَينَهما أحَدٌ فقد قَتَلَه، فقال لَهم عُمَرُ: ما يَقولُ؟ قالوا: ضَرَبَ بسَيفِه فقَطَع فَخِذَي امرَأتِه فأصابَ وسَطَ الرَّجُلِ فقَطَعَه باثنَينِ، فقال عُمَرُ: إن عادوا فعُدْ [1705] أخرجه سعيد بن منصور كما في ((المغني)) لابن قدامة (9/184). .
وَجهُ الدَّلالةِ:
أنَّ عُمَرَ أقَرَّه على فِعلِه، ففيه دَليلٌ على جَوازِ الدَّفعِ عنِ العِرضِ بالقَتلِ [1706] يُنظر: ((المغني)) لابن قدامة (9/ 184).  .

انظر أيضا: