موسوعة اللغة العربية

المبحث الأوَّلُ: العُصورُ القَديمةُ


أ- قبلَ عَصْرِ النُّحاةِ:
مِنَ المَعْروفِ أنَّ النَّظرَ في اللُّغةِ قَديمٌ جدًّا، ربَّما يَرجِعُ إلى وقتِ أنْ أخَذتِ الجَماعاتُ البَشريَّةُ في الكَلامِ، ثمَّ زاد نِسْبيًّا بعدَ نَشْأةِ الكِتابةِ، ولكنَّ الدِّراسةَ العِلميَّةَ للُّغةِ جِدُّ حَديثةٍ، وتَصوُّراتِ البَشَرِ عنِ اللُّغةِ مَأخوذَةٌ مِن نَوعِ مُجْتمَعِهم وتُراثِهم الثَّقافيِّ، وخاصَّةً مِن دِينِهم؛ فعلى سَبيلِ المِثالِ: الإله (تحوت) في اعْتِقادِ قُدَماءِ المِصريِّين كان قَلْبَ (رع) ولِسانَه، وعن طَريقِه نطَقتْ وَصيَّةُ اللهِ في الأرْضِ، فوُجِدتِ الخَليقةُ، واليُونانُ كذلك قد تَخيَّلوا خَلْقًا للُّغةِ والكِتابةِ، وكذلك الحالُ عند الهُنودِ وعند غيرِهم مِنَ الأمَمِ القَديمَةِ.
ولقد شُغِل القُدَماءُ بالبَحْثِ في نُشوءِ اللُّغةِ، وفي تَعدُّدِ اللُّغاتِ واخْتِلافِها، ونَجدُ شَواهِدَ على ذلك في (سِفْرِ التَّكْوينِ)؛ فالإنْسانُ الأوَّلُ قدِ اخْتَرعَ أسْماءً لِلحَيَوانِ، وقِصَّةُ بابلَ تُفسِّرُ تَعدُّدَ اللُّغاتِ.
ثمَّ إنَّ اخْتِراعَ الكِتابةِ -الَّتي تُمثِّلُ الكَلامَ بأيِّ صُورةٍ مِنَ الصُّوَرِ- يُعَدُّ نَوعًا مُهِمًّا مِن أنْواعِ النَّظرِ في اللُّغةِ، وهذا الاخْتِراعُ حدَثٌ مُهِمٌّ في تاريخِ البَشريَّةِ. إنَّ هذا الاخْتِراعَ -معَ اخْتِلافاتِ كِتاباتِ الجَماعاتِ المُختلِفةِ- قد دفَع بالدِّراساتِ اللُّغويَّةِ خُطوةً كَبيرةً إلى الإمامِ؛ وذلك لأنَّ تَمثيلَ الكَلماتِ المَلْفوظةِ برُموزٍ كِتابيَّةٍ يَنْطوي على: إدْراكِ ماهيَّةِ المَقطَعِ، وذلك في الكِتابةِ المَقْطعيَّةِ، وماهيَّةِ الصَّوتِ: وذلك في الكِتابةِ الألِف بائيَّة، وماهيَّةِ الكَلمةِ: أنَّه يَنْطوي على تَجْريدِها مِن سِلْسِلةِ الكَلامِ المَنْطوقِ، ويَنْطوي على تَحْليلِ هذه السِّلْسِلةِ، والكتابةُ الهيروغليفيَّةُ تُعَبِّرُ عن الكَلِماتِ برُموزٍ، ولكِنَّها لا تعطي أيَّ فِكرةٍ عن النُّطقِ. والكتابةُ المقطعيَّةُ Syl - labic تحمِلُ الكَلِمةَ إلى مجموعاتٍ أكبَرَ من الأصواتِ، وتعبِّرُ بعلامةٍ واحدةٍ على مَجْموعةٍ مِنَ الأصواتِ، كالكتابةِ المِسماريَّةِ، أمَّا الكتابةُ الألِف بائيَّة أو الأبجَدِيَّة -وهي أرقى تطوُّرًا من الكتاباتِ السَّابقةِ- فقد جرَّدت أصواتًا أوَّليَّةً تتكوَّنُ منها اللُّغةُ الَّتي تمثِّلُها، وهي تحاوِلُ أن ترمُزَ إلى كلِّ صوتٍ مِن هذه الأصواتِ الأوَّلِيَّةِ برَمزٍ كتابيٍّ واحدٍ [59] يُنظَر: ((علم اللغة مقدمة للقارئ العَربي)) لمحمود السعران (ص: 257)، وحاشية المحقق. .
وقد أظْهَرتِ الكِتابةُ كذلك الفَرْقَ بين لُغةِ جِيلٍ ولُغةِ الأجْيالِ السَّابِقةِ عليه، وأحْيانًا تَحْتفِظُ الكِتابةُ بصُوَرٍ قَديمةٍ؛ لأنَّ لها صِفةً مُقدَّسةً، وهذه أحْوَجتْ إلى تَفْسيراتٍ، ومِن ثَمَّ نَجدُ أنَّ قُدَماءَ الهُنودِ قد شُغِلوا منذُ وقْتٍ بَعيدٍ جدًّا بتَحْليلِ أصْواتِ لُغتِهم السَّنسِكريتيَّةِ وصُورِها.
ب- الهُنودُ:
أُثِر عنِ الهُنودِ أصْحابِ الخطِّ الدَّافناجريِّ ((Davenagri Scriptالرَّائِعِ الدَّقيقِ نَحْوٌ وَصْفيٌّ دَقيقٌ لِلُّغةِ السَّنسِكريتيَّةِ لا يَعْتمِدُ على المَنطِقِ كما هو الحالُ في النَّحْوِ اليُونانيِّ.
وقد وصَف بانيني ((Panini -وهو نَحْويٌّ هِنديٌّ عاش في القَرْنِ الرَّابِعِ قبلَ المِيلادِ- القَوانينَ الصَّوتيَّةَ والنَّحْويَّةَ لِلُّغةِ السَّنسِكريتيَّةِ وَصْفًا يَبلُغُ دَرَجةً كَبيرةً مِنَ الدِّقَّةِ، حتَّى إنَّه يُحكَى في بعضِ الرِّواياتِ أنَّه تَلقَّى هذا العِلمَ عن طَريقِ الوَحْيِ والإلْهامِ! وقد تَناوَلتِ الأجْيالُ التَّالِيةُ عَمَلَه بالشَّرحِ والتَّعليقِ، ويَرى المُحْدَثونَ مِن عُلَماءِ اللُّغةِ أنَّ بانيني هو خَيرُ النُّحاةِ الوَصْفيِّينَ القُدَماءِ.
جـ- اليُونانُ:
أُثِر عنِ اليُونانِ القُدَماءِ كذلك آراء صَوتيَّةٌ لُغويَّةٌ، ومُحاوَلاتٌ لوَصْفِ اللُّغةِ اليُونانيَّةِ، ولمَّا كان اليُونانُ فَلاسِفةً أكْثَرَ مِن كَونِهم عُلَماءَ دِينٍ، فقد كانتْ نَظريَّتُهم مِيتافيزيقيَّةً شيئًا ما؛ فقد تَساءلوا عن ماهيَّةِ اللُّغةِ وعن أصْلِها، وعن ماهيَّةِ الكَلمةِ، وتَساءَلوا: هل هناك عَلاقةٌ طَبيعيَّةٌ وضَروريَّةٌ بين الكَلمةِ وبين الشَّيءِ الَّذي تَرمُزُ إليه؟ أتَعلُّقُ المَعاني بالكَلمةِ تَعلُّقٌ بالطَّبعِ أم تَعلُّقٌ بالاصْطِلاحِ؟
ذهَب إلى الرَّأيِ الأوَّلِ بروديكوس (Prodicus)، وسفسطائِيُّو القَرْنِ الخامِسِ قبل المِيلادِ.
أمَّا الرُّواقيُّونَ أنْصارُ زِينون، الَّذين يَرُدُّون كلَّ شيءٍ إلى المَنطِقِ، فقد رأَوا أنَّ النَّحْوَ يَنْبغي أنْ يُطابِقَ المَنطِقَ، ويَنْبغي أنْ تُطابِقَ الفَصائِلُ أوِ الأقْسامُ النَّحْويَّةُ أقْسامَ المَنطِقِ أو مَقولاتِه، وفي رأيِهم أنَّ ثَمَّةَ تَوافُقًا بين عَلامةِ الجَمْعِ مَثلًا وبين فِكرةِ التَّعدُّدِ، هؤلاءِ أصْحابُ قِياسٍ، وقد ردَّ عليهم أولئك الَّذين يُدخِلون في حِسابِهم ما يُشاهَدُ في اللُّغةِ مِن شُذوذٍ، فقالوا: قد تدُلُّ الكَلمةُ الجَمْعُ على مُفرَدٍ، والتَّقْسيمُ النَّحْويُّ إلى مُذكَّرٍ ومُؤنَّثٍ ومُحايِدٍ لا يُطابِقُ التَّقْسيمَ على أساسِ الجِنْسِ في الواقِعِ الطَّبيعيِّ، واسْتَنتَجوا مِن ذلك أنْ ليس هناك تَطابُقٌ لازِمٌ بين اللُّغةِ والواقِعِ.
ومِن أمْثِلةِ نَظرِ اليُونانِ في أصْلِ اللُّغةِ أنَّ هِيرودُوت يَروي في القَرْنِ الخامِسِ قبلَ المِيلادِ أنَّ أبسماتيك (Pasmmethikus) فِرعونَ مِصرَ، وقد أراد أنْ يَعرِفَ: أيُّ الأمَمِ أعْرَقُ وآصَلُ، فعزَل طِفلَينِ حَديثَيِ الوِلادةِ وَحْدَهما في حَديقةٍ، فلمَّا أخَذا في الكَلامِ نَطَقا بكَلمةِ ((Bekos، وهي الكَلمةُ الفريغيَّةُ (Phrygian) الَّتي تدُلُّ على خُبْزٍ.
وأفلاطون (427-347ق. م) في مُحاوَرتِه المُسمَّاةِ كراتيلوس (Cratyllus) يُناقِشُ أصْلَ الكَلماتِ، ويُناقِشُ مَسْألةً مُهِمَّةً ظلَّتْ تَشغَلُ اللُّغويِّينَ والمُفكِّرينَ أزْمِنةً طِوالًا، هي مَسْألةُ العَلاقةِ بين الأشْياءِ والكَلماتِ الَّتي تُسمِّيها، أهي عَلاقةٌ طَبيعيَّةٌ وضَروريَّةٌ أم إنَّها لا تَعْدو أنْ تكونَ ثَمرةَ اصْطِلاحِ الجَماعاتِ؟
يقولُ بين بلومفيلد في كِتابِه (اللُّغة): (إنَّ هذه المُحاوَرةَ تُعْطينا لَمْحةً أُولى عن مَسْألةٍ طال الخِلافُ فيها بين أصْحابِ القِياسِ: Analogists، وبين أصْحابِ التَّشْذيذِ: Anomalists؛ فأصْحابُ القِياسِ كانوا يَعْتقدون أنَّ اللُّغةَ في أساسِها طَبيعيَّةٌ: natural، وهي لذلك مُنْتظَمةٌ، أي: مُطَّرِدةُ القَواعِدِ: reguler، ومَنطِقيَّةٌ: logical، أمَّا أصْحابُ التَّشْذيذِ فكانوا يُنكِرون هذه الأمورَ، ويُشيرون إلى الشَّواذِّ المَلْحوظَةِ في التَّرْكيبِ اللُّغويِّ، كان القِياسيُّون يَعْتقِدون أنَّه مِنَ المُمكِنِ تَتبُّعُ أصْلِ الكَلِماتِ ومَعْناها بالنَّظرِ في أشْكالِها، وسمَّوُا البَحْثَ في هذا: الاشْتِقاقَ: Etymology، ومثَّلَ بلومفيلد هذه النَّظريَّةَ مُصطنِعًا أمْثِلةً إنْجليزيَّةً، قال: مِنَ الواضِحِ أنَّ كَلمةَ blackbird تَتكوَّنُ مِن: blac وbird؛ فهذا النَّوعُ مِنَ الطَّيرِ إذن قد سُمِّي بهذا الاسمِ مِن أجْلِ لَونِه الأسْوَدِ، وهذه التَّسْميةُ صادِقةٌ حقًّا على هذه الطُّيورِ؛ فهي طُيورٌ، وهي سَوداءُ.
وعلى هذا المِنوالِ كان مِنَ المُمكِنِ أنْ يَسْتنتِجَ اليُونانُ أنَّ ثَمَّةَ عَلاقةً بين gooseberry؛ وهو ثَمرةٌ مِن فَصيلَةِ التُّوتِ، وبين goose إوزَّة؛ لأنَّ الكَلمةَ الثَّانيةَ هي صَدْرُ الكَلمةِ الأُولى، والواقِعُ أنْ لا عَلاقةَ بينَهما إطْلاقًا سِوى هذا الشَّبَهِ) [60] ((علم اللغة مقدمة للقارئ العَربي)) لمحمود السعران (ص: 259)، نقلًا عن كتاب ((اللغة)) لبلومفيلد. .
وأيًّا ما كان فإنَّ كَثيرًا مِنَ الكَلِماتِ الإغْريقيَّةِ، كما هو الحالُ في الإنْجليزيَّةِ، تَسْتعصي على هذا النَّوعِ مِنَ التَّحْليلِ؛ فكَلمةُ early: مُبكِّرًا، تَنْتهي بمِثْلِ ما تَنْتهي به كَلمةُ: manly: رُجوليٍّ، ولكنْ مِنَ الواضِحِ أنَّ الكَلمةَ الثَّانيةَ مُكوَّنةٌ مِن: man: رَجُل، مُضافًا إليها اللَّاحقةُ: ly، أمَّا ما يَتبقَّى مِنَ الكَلمةِ الأُولى بعد تَجْريدِها مِنَ اللَّاحِقةِ: ly، فهي باقيةٌ غامِضةٌ لا تُعينُ في تَفْسيرِ مَعْنى هذه الكَلمةِ. وكذلك كَلمةُ woman: امْرأةٌ، تُشبِهُ كَلِمةَ: man، ولكنَّ المَقطَعَ الأوَّلَ في الأُولى، وهو: wo، غامِضٌ لا يُعينُ في تَحْديدِ مَعْنى الكَلِمةِ.
في هذه الأحْوالِ وما إليها كان اليُونانُ وتَلامِذتُهم الرُّومانُ يَلجَؤون إلى الحَدْسِ والتَّخْمينِ، ومِن ذلك أنَّهم قالوا: إنَّ الكَلِمةَ اليُونانيَّةَ: lithos حجر مُشتَقَّةٌ مِنَ العِبارةِ: Lian theein: الجَري الكَثير؛ لأنَّ هذا هو ما لا تَفْعلُه الحجرةُ!
ثمَّ قال بلومفيلد: (إنَّ هذه الاشْتِقاقاتِ، على أيِّ حالٍ، تُرينا أنَّ اليُونانَ قد أدْرَكوا أنَّ الصُّوَرَ الكَلاميَّةَ تَتغيَّرُ على مرِّ العُصورِ) [61] يُنظَر: ((علم اللغة مقدمة للقارئ العَربي)) لمحمود السعران (ص: 260)؛ نقلًا عن كتاب ((اللغة)) لبلومفيلد. .
ولم يَدرُسْ قُدَماءُ اليُونانِ سِوى لُغتِهم، ولكنَّهم سلَّموا بأنَّ بِنْيةَ لُغتِهم تُجسِّمُ الصُّوَرَ العامَّةَ للتَّفكيرِ الإنْسانيِّ، أو ربَّما تُجسِّمُ الصُّوَرَ العامَّةَ للنِّظامِ الكَونيِّ بأسْرِه؛ فمُلاحَظاتُهم النَّحويَّةُ مَحْدودةٌ بلُغتِهم ومُكرَّرةٌ في صُورةٍ فَلْسفيَّةٍ. وهذه المُلاحَظاتُ النَّحويَّةُ تَبلُغُ كَمالَها في نَحْوِ ديونيزيوس ثراكس: Dionysius Thrax، في القَرْنِ الثَّاني قبل المِيلادِ، وفي نَحْوِ أبولونيوس ديسكولوس: Apollonius Dyscolus، في القَرْنِ الثَّاني بعد المِيلادِ.
إنَّ الصِّفةَ الغالِبةَ على النَّحْوِ اليُونانيِّ هي الكَشْفُ عن قَواعِدَ تُميِّزُ صَوابَ الكَلامِ من خَطَئِه، ثمَّ فَرْضُ هذه القَواعِدِ؛ فالنَّحْوُ اليُونانيُّ بهذا الاعْتِبارِ نَحْوٌ تَقْعيديٌّ تَعْليميٌّ، ليستِ المُلاحَظةُ المَوضوعيَّةُ الخالِصةُ هي الغالِبةَ إذن، بلِ الرَّغبةُ في التَّوفيقِ بكلِّ وَسيلةٍ مُمكِنةٍ بين اللُّغةِ والمَنطِقِ، ووَضْعِ كَلِماتِ اللُّغةِ وتَعْبيراتِها و... إلخ في قَوالِبَ تُيسِّرُ تَعلُّمَها؛ فالنَّحْوُ اليُونانيُّ مَنطِقيٌّ تَربويٌّ.
والحقُّ أنَّ نَحْويِّيِ اليُونانِ قد قاموا كذلك ببعضِ المُلاحَظاتِ اللُّغويَّةِ التَّفْصيليَّةِ فيما يَتعلَّقُ ببعضِ الصُّوَرِ القَديمةِ مِنَ اليُونانيَّةِ، وببعضِ لَهَجاتِها؛ فالإلْياذَةُ والأودِيسَّا كانتا مَكْتوبتَينِ بلُغةٍ يُونانيَّةٍ قَديمةٍ كانت غيرَ مَعْروفةٍ وقتَ كِبارِ النُّحاةِ، فكان عليهم أن يَدرُسوا لُغتَهما، وأن يُقابِلوا بين نُسَخِها المُختلِفةِ لتَقْويمِ نَصِّها. وكان أشْهَرُ الباحِثينَ في هذا المَيدانِ أريستاخوس: Aristarchus، وُلِد حوالي 216 ق.م، ومات سَنةَ 144 ق.م، ولمَّا بَعُدَ العَهْدُ بلُغةِ كِبارِ الأدَباءِ الأثيِنيِّينَ مِنَ القَرْنِ الرَّابِعِ اتُّخِذتْ لُغتُهم مَوضوعًا خاصًّا للدِّراسةِ؛ فقد كانتِ المَثَلَ الأعْلى لِلُغةِ الكِتابةِ، وقد جمَع بعضُ مُتأخِّري النُّحاةِ مَعْلوماتٍ قَيِّمةً عن المُلاحَظاتِ اللُّغويَّةِ التَّفْصيليَّةِ في هذا الشَّأنِ، ومِن أشْهَرِ هؤلاء هيروديان: Herodian ابنُ أبولونيوس.
وقد كان لمَدرسَةِ الإسْكَندريَّةِ القَديمةِ فَضْلُها في حِفْظِ الآثارِ الأدَبيَّةِ اليُونانيَّةِ القَديمةِ بوَجْهٍ خاصٍّ؛ ففي الإسْكَندريَّةِ الَّتي أصْبَحتْ مَركَزَ الثَّقافةِ اليُونانيَّةِ، كثُرتِ الشُّروحُ في القَرْنِ الثَّالِثِ قبلَ المِيلادِ على أشْعارِ هُوميروس، وأشْعارِ سِواه مِنَ الشُّعراءِ. واهتمَّ لُغويُّو الإسْكَندريَّةِ كذلك بدِراسةِ مُفرَداتِ النُّصوصِ، ومِن ذلك جَمْعُ الألْفاظِ الصَّعبةِ، أو الكَلِماتِ الشِّعريَّةِ، أوِ الكَلِماتِ الَّتي تَنْتمي إلى لَهَجاتٍ خاصَّةٍ.
د- الرُّومانُ:
كان الرُّومانُ تَلامِذةً لليُونانِ في الدِّراساتِ اللُّغويَّةِ، وقد أخَذتْ رُوما تُشارِكُ في الدِّراساتِ اللُّغويَّةِ منذُ القَرْنِ الثَّاني قبل المِيلادِ. وقد وضَع الرُّومانُ أنْحاءَ اللُّغةِ اللَّاتينيَّةِ على غِرارِ النَّحْوِ اليُونانيِّ، ومَعْنى ذلك أنَّهم وضَعوا لُغتَهم في الإطاراتِ الَّتي تَصوَّرَها اليُونانُ لِلُغتِهم اليُونانيَّةِ، وهذا خَطَأُ مَنهَجيٌّ كَبيرٌ. ولم يَبلُغِ الرُّومانُ مِن الدِّقَّةِ في وَصْفِهم لُغتَهم ما بلَغه اليُونانُ في وَصْفِ اليُونانيَّةِ، بَلْهَ ما بلَغه الهُنودُ في وَصْفِ السَّنسِكريتيَّةِ، ومن مَظاهِرِ هذا أنَّنا نُواجِهُ كَثيرًا مِنَ الصُّعوبةِ في مَعْرِفةِ نُطْقِ الرُّومانِ لِلُغتِهم، ولا سيَّما تَحْديدِ مَواضِعِ الارْتِكازِ، وفي مَعْرِفةِ أوزانِهم الشِّعريَّةِ.
ومِن أشْهَرِ النُّحاةِ الرُّومانِ فارو: Varro، مِنَ القَرْنِ الأوَّلِ قبل المِيلادِ، وقد كتَب: De Lingua Latian عنِ اللُّغةِ اللَّاتينيَّةِ، ودوناتوس: Donatus، مِنَ القَرْنِ الرَّابعِ بعدَ المِيلادِ، وقد كتَب: Ars Grammatica صِناعةَ النَّحْوِ، وبريسكيان: Priscian، مِنَ القَرْنِ السَّادِسِ بعد المِيلادِ [62] يُنظَر: ((علم اللغة مقدمة للقارئ العَربي)) لمحمود السعران (ص: 257-261)، ((اللغة العربية النشأة والملامح والمناهج والصلة بالعلوم الأخرى)) أمين ناصر (ص: 2- 3). .

انظر أيضا: