المَطلَبُ الأَوَّلُ: من قواعِدِ أسْماءِ اللهِ أنَّ أسماءَه كُلَّها حُسْنى
قال اللهُ تعالى:
وَلِلَّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنى [الأعراف:180] .
أي: لله أحسَنُ الأسماءِ الدالَّةِ على صِفاتِ كمالِه سُبحانَه
.
قال
ابنُ القَيِّمِ: (أسماؤُه تعالى كُلُّها مَدحٌ وثَناءٌ وتمجيدٌ؛ ولذلك كانت حُسْنى، وصِفاتُه كُلُّها صِفاتُ كمالٍ)
.
وقال أيضًا: (أطلَقَ اللهُ على نَفْسِه أفعالًا لم يتسَمَّ منها بأسماءِ الفاعِلِ، كأراد، وشاء، وأحدَثَ، ولم يُسَمَّ بالمُريدِ والشَّائي والمحْدِثِ، كما لم يُسَمِّ نَفْسَه بالصَّانعِ والفاعِلِ والمتْقِنِ وغيرِ ذلك من الأسماءِ التي أطلَقَ على نَفْسِه؛ فبابُ الأفعالِ أوسَعُ مِن بابِ الأسماءِ.
وقد أخطَأَ أقبَحَ خَطَأٍ مَن اشتَقَّ له من كُلِّ فِعلٍ اسمًا، وبَلَغ بأسمائِه زيادةً على الألْفِ، فسَمَّاه الماكِرَ، والمخادِعَ، والفاتِنَ، والكائِدَ، ونحوَ ذلك، وكذلك بابُ الإخبارِ عنه بالاسمِ أوسَعُ من تسميتِه به، فإنَّه يُخبَرُ عنه بأنَّه شَيءٌ، وموجودٌ، ومذكورٌ، ومَعْلُومٌ، ومرادٌ، ولا يُسَمَّى بذلك.
فأمَّا الواجِدُ فلم تَجئْ تَسميتُه به إلَّا في حديثِ تَعدادِ الأسماءِ الحُسْنى، والصَّحيحُ: أنَّه ليس مِن كلامِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ومعناه صحيحٌ؛ فإنَّه ذو الوُجْدِ والغِنى، فهو أَولى بأنَّ يُسَمَّى به مِن الموجودِ ومِن الموجِدِ؛ أمَّا الموجودُ فإنَّه مُنقَسِمٌ إلى كاملٍ وناقصٍ، وخَيرٍ وشَرٍّ. وما كان مسمَّاه مُنقَسِمًا لم يَدخُلْ اسمُه في الأسماءِ الحُسْنى، كالشَّيءِ، والمَعْلُومِ؛ ولذلك لم يُسَمَّ بالمُريدِ، ولا بالمتكَلِّمِ، وإن كان له الإرادةُ والكلامُ؛ لانقِسامِ مُسَمَّى المريدِ والمتكَلِّمِ، وأمَّا الموجِدُ فقد سَمَّى نَفْسَه بأكمَلِ أنواعِه، وهو الخالِقُ، البارِئُ، المصَوِّرُ، فالموجِدُ كالمحدِثِ والفاعِلِ والصَّانِعِ.
وهذا مِن دقيقِ فِقْهِ الأسماءِ الحُسْنى، فتأمَّلْه، وباللهِ التَّوفيقُ)
.
وقال محمَّدُ بنُ إبراهيمَ الوزيرُ: (معنى الأسماءِ الحُسْنى ما يُفيدُ أحسَنَ المَدحِ الحَسَنِ، والوَصفِ الجَميلِ الحَميدِ اللَّائِقِ بالمَلِكِ المَجيدِ؛ لأنَّ الحُسْنى أحسَنُ الأسماءِ لا حَسَنُها)
.
وقال أيضًا: (اعلَمْ أنَّ الحُسْنى في اللُّغةِ هو جَمعُ الأحسَنِ، لا جَمعُ الحَسَنِ؛ فإنَّ جَمعَه حِسانٌ وحَسَنةٌ، فأسْماءُ اللهِ التي لا تُحصى، كُلُّها حَسَنةٌ، أي: أحسَنُ الأسماءِ، وهو مِثلُ قَولِه تعالى:
وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ [الروم: 27] أي: الكَمالُ الأعظَمُ في ذاتِه وأسمائِه ونُعوتِه؛ فلذلك وَجَب أن تكونَ أسماؤُه أحسَنَ الأسماءِ، لا أن تكونَ حَسَنةً وحِسانًا لا سِوى، وكم بين الحَسَنِ والأحسَنِ مِن التفاوُتِ العظيمِ عَقلًا وشَرعًا ولُغةً وعُرفًا!)
.
وقال سُلَيمانُ بنُ عبدِ اللهِ آل الشَّيخِ: (يخبِرُ تعالى أنَّ له أسماءً وَصَفَها بكَونِها حُسْنى، أي: حِسَانٌ. وقد بلَغَت الغايةَ في الحُسْنِ، فلا أحسَنَ منها، كما يَدُلُّ عليه من صِفاتِ الكَمالِ، ونُعوتِ الجَلالِ، فأسماؤُه الدَّالَّةُ على صِفاتِه هي أحسَنُ الأسماءِ وأكمَلُها، فليس في الأسماءِ أحسَنُ منها، ولا يقومُ غَيرُها مَقامَها)
.
وقال
محمود الألوسي: (والحُسْنى تأنيثُ الأحسَنِ، أفعَلُ تفضيلٍ، ومعنى ذلك أنَّها أحسَنُ الأسماءِ وأجَلُّها؛ لإنبائِها عن أحسَنِ المعاني وأشرَفِها)
.
وقال أيضًا: (وَصفُ الأسماءِ بالحُسنى؛ لدَلالتِها على ما هو جامِعٌ لجميعِ صِفاتِ الكَمالِ، بحيث لا يَشِذُّ منها شيءٌ، وما هو من صفاتِ الجَلالِ والجَمالِ والإكرامِ)
.
وقال
ابنُ عُثَيمين: (أسْماءُ اللهِ كُلُّها حُسْنى، أي: بالغةٌ في الحُسنِ غايتَه؛ لأنَّها متضَمِّنةٌ لصِفاتٍ كامِلةٍ لا نَقْصَ فيها بوَجهٍ مِنَ الوُجوهِ؛ قال اللهُ تعالى:
وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنى [الأعراف: 180] )
.
فمَثَلًا: (الحَيُّ) اسمٌ مِن أسْماءِ اللهِ تعالى، وهو متضَمِّنٌ لصفةِ الحياةِ الكامِلةِ التي لم تُسبَقْ بعَدَمٍ، ولا يَلحَقُها زَوالٌ، وهي حياةٌ مُستلزِمةٌ لكَمالِ الصِّفاتِ؛ مِنَ العِلْمِ، والقُدرةِ، والسَّمعِ، والبَصَرِ، وغَيرِها.
و(العَليمُ) اسمٌ من أسماءِ اللهِ، وهو متضَمِّنٌ للعِلْمِ الكامِلِ، الذي لم يُسبَقْ بجَهلٍ، ولا يَلحَقُه نِسيانٌ، وهو ذو عِلمٍ واسعٍ مُحيطٍ بكُلِّ شَيءٍ جملةً وتفصيلًا.
و(الرَّحمنُ) اسمٌ من أسْماء اللهِ تعالى، وهو مُتَضَمِّنٌ للرَّحمةِ الكامِلةِ.
والحُسُنُ في أسْماء اللهِ تعالى له اعتبارانِ:1- باعتبارِ كُلِّ اسمٍ على انفِرادِه.
2- باعتبارِ جمعِه مع غَيرِه، فيَحصُلُ بجَمعِ الاسمِ إلى اسمٍ آخَرَ كمالٌ فوقَ كَمالٍ.
ومِثالُ ذلك: (العَزيزُ الحَكيمُ) فإنَّ اللهَ تعالى يجمَعُ بينهما في القُرآنِ كثيرًا، فيكونُ كُلٌّ منهما دالًّا على الكَمالِ الخاصِّ الذي يَقتَضيه، وهو العِزَّةُ في العزيزِ، والحُكْمُ والحِكمةُ في الحكيمِ، والجَمعُ بينهما دالٌّ على كَمالٍ آخَرَ، وهو أنَّ عِزَّتَه تعالى مقرونةٌ بالحِكمةِ، فعِزَّتُه لا تقتضي ظُلمًا وجَورًا وسُوءَ فِعلٍ، كما قد يكونُ مِن أعزَّاءِ المخلوقينَ؛ فإنَّ العزيزَ منهم قد تأخُذُه العِزَّةُ بالإثمِ، فيَظلِمُ ويَجورُ ويُسيءُ التصَرُّفَ، وكذلك حُكمُه تعالى وحِكمتُه مقرونانِ بالعِزِّ الكامِلِ بخلافِ حُكمِ المخلوقِ وحِكمتِه؛ فإنَّهما يَعتريهما الذُّلُّ
.
وكلُّ اسمٍ لا يُفيدُ صِفةَ كَمالٍ وجَلالٍ فإنَّه لا يجوزُ إطلاقُه على اللهِ تعالى
.
ومن ذلك اسمُ: (الدَّهْر) فهو اسمٌ جامِدٌ لا يتضَمَّنُ معنًى يُلحِقُه بالأسماءِ الحُسْنى، فهو اسمٌ للوَقتِ والزَّمَنِ، كما قال اللهُ تعالى عن مُنكِري البَعثِ:
وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [الجاثية:24] يريدونَ مُرورَ اللَّيالي والأيَّامِ، فأمَّا قَولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم:
((قال اللهُ عزَّ وجَلَّ: يؤذِيني ابنُ آدمَ؛ يَسُبُّ الدَّهرَ، وأنا الدَّهرُ، بيَدِي الأمرُ أُقَلِّبُ اللَّيلَ والنَّهارَ ))
فلا يَدُلُّ على أنَّ الدَّهرَ مِن أسْماءِ اللهِ تعالى؛ وذلك أنَّ الذين يَسُبُّونَ الدَّهرَ إنَّما يُريدونَ الزَّمانَ الذي هو محَلُّ الحوادِثِ، فيكونُ معنى قَولِه:
((وأنا الدَّهرُ)) مُفَسَّرًا بقَولِه:
((بيَدِي الأمرُ أُقَلِّبُ اللَّيلَ والنَّهارَ ))، فهو سُبحانَه خالِقُ الدَّهرِ وما فيه، وقد بَيَّن أنَّه يُقَلِّبُ اللَّيلَ والنَّهارَ، وهما الدَّهرُ، ولا يمكِنُ أن يكونَ المُقلِّبُ -بكَسرِ اللَّامِ- هو المُقلَّبَ -بفَتحهِا- وبهذا تَبيَّنَ أنَّه يمتَنِعُ أن يكونَ الدَّهرُ في هذا الحديثِ مُرادًا به اللهُ تعالى
.
وقال سُلَيمانُ بنُ عبدِ اللهِ آل الشَّيخِ: (قَولُه:
((وأنا الدَّهرُ))، قال
الخَطَّابيُّ: معناه: أنا صاحِبُ الدَّهرِ، ومُدَبِّرُ الأمورِ التي يَنسُبونَها إلى الدَّهْرِ، فمن سَبَّ الدَّهْرَ مِن أجْلِ أنَّه فاعِلٌ هذه الأمورَ عادَ سَبُّه إلى رَبِّه الذي هو فاعِلُها، وإنَّما الدَّهْرُ زَمانٌ جُعِلَ ظَرفًا لمواقِعِ الأمورِ.
قلتُ: ولهذا قال في الحَديثِ:
((وأنا الدَّهْرُ بيَدِي الأمرُ أقَلِّبُ اللَّيلَ والنَّهارَ))
. وفي روايةٍ ل
أحمدَ:
((بيَدي اللَّيلُ والنَّهارُ أُجِدُّه وأُبليه، وأذهَبُ بالمُلوكِ))
. وفي روايةٍ:
((لا تَسُبُّوا الدَّهْرَ؛ فإنَّ اللهَ هو الدَّهْرُ، الأيامُ واللَّيالي أجَدِّدُها وأُبلِيها، وآتي بمُلوكٍ بعْدَ مُلوكٍ ))
. قال
الحافِظُ: وسَنَدُه صحيحٌ. فقد تَبَيَّنَ بهذا خطَأُ
ابنِ حَزمٍ في عَدِّه الدَّهْرَ مِن أسْماءِ اللهِ الحُسْنى، وهذا غَلَطٌ فاحِشٌ، ولو كان كذلك لكان الذين قالوا:
وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ [الجاثية: 24] مُصيبِينَ)
.