الموسوعة العقدية

المَبحَثُ الثَّاني: الفَرقُ بيْن اسمَيِ: الرَّبِّ والإلهِ

أوَّلًا:
- اسمُ الإلهِ يتضمَّنُ غايةَ العَبدِ ومُنتهاه وما خُلِقَ له وما فيه صلاحُه وكمالُه، وهو عبادةُ اللهِ.
- واسمُ الرَّبِّ: يتضمَّنُ خَلْقَ العبدِ ومُبتداه، وهو أنَّه يُرَبِّيه ويتوَلَّاه [436] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (14/13). .
قال ابنُ عثيمين: (نؤمِنُ برُبوبيَّةِ اللهِ تعالى، أي: بأنَّه الرَّبُّ الخالِقُ المالِكُ المدَبِّرُ لجميعِ الأمورِ. ونؤمِنُ بأُلوهيَّةِ اللهِ تعالى، أي: بأنَّه الإلهُ الحَقُّ، وكُلُّ معبودٍ سِواه باطِلٌ) [437] يُنظر: ((عقيدة أهل السنة والجماعة)) (ص: 7). .
ثانيًا:
- اسمُ اللهِ أدَلُّ على مقصودِ العبادةِ التي لها خُلِقَ الخَلقُ؛ ففاتِحةُ دَعوةِ الرُّسُلِ الأمرُ بالعِبادةِ.
قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: 21] .
وعن ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((أُمِرتُ أن أقاتِلَ النَّاسَ حتَّى يَشهَدوا أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وأنَّ مُحمَّدًا رَسولُ اللهِ )) [438] أخرجه البخاري (25)، ومسلم (22). .
وذلك يَتَضمَّنُ الإقرارَ به وعبادتَه وَحْدَه؛ فإنَّ الإلهَ هو المعبودُ، ولم يقُلْ: حتَّى يَشهَدوا أنْ لا رَبَّ إلَّا اللهُ؛ فإنَّ اسمَ اللهِ أَدَلُّ على مقصودِ العِبادةِ له، التي لها خُلِقَ الخَلقُ، وبها أُمِروا [439] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (2/14). .
- واسمُ الرَّبِّ أحَقُّ بحالِ الاستِعانةِ والمسألةِ.
فالرَّبُّ هو المُرَبِّي الخالِقُ الرَّازِقُ النَّاصِرُ الهادي.
ولهذا جاء قَولُ نوحٍ عليه السَّلامُ: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ [نوح: 28]، وقَولُ آدَمَ وزَوجِه عليهما السَّلامُ: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف: 23] ، وقَولُ موسى عليه السَّلامُ: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي [القصص: 16] .
والأمثِلةُ على ذلك كَثيرةٌ، فعامَّةُ المسألةِ والاستعانةِ المشروعةِ تكونُ باسمِ الرَّبِّ [440] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (14/13). .
ثالثًا: إقرارُ الخَلقِ باللهِ مِن جِهةِ رُبوبِيَّتِه أسبَقُ مِن إقرارِهم به مِن جِهةِ أُلوهيَّتِه.
فلمَّا كان علمُ النُّفوسِ بحاجتِهم وفَقْرِهم إلى الرَّبِّ قبلَ عِلْمِهم بحاجتِهم وفَقْرِهم إلى الإلهِ المعبودِ، وقَصْدُهم لدَفعِ حاجاتِهم العاجِلةِ قَبلَ الآجِلةِ؛ كان إقرارُهم باللهِ مِن جِهةِ رُبوبِيَّته أسبَقَ من إقرارِهم به من جِهةِ أُلوهِيَّتِه، وكان الدُّعاءُ له والاستِعانةُ به والتوكُّلُ عليه فيهم أكثَرَ مِن العِبادةِ له والإنابةِ إليه؛ ولهذا إنَّما بَعَث الرُّسُلَ يَدعونَهم إلى عِبادةِ اللهِ وَحْدَه لا شَريكَ له، الذي هو المقصودُ المستَلزِمُ للإقرارِ بالرُّبوبيَّةِ [441] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (14/14). .
قال ابنُ تَيميَّةَ: (كثيرٌ مِن المتكَلِّمينَ إنَّما يُقَرِّرونَ الوَحْدانيَّةَ مِن جِهةِ الرُّبوبيَّةِ، وأمَّا الرُّسُلُ فهم دعَوا إليها من جِهةِ الأُلوهيَّةِ، وكذلك كثيرٌ مِن المتصَوِّفةِ المتعَبِّدةِ وأربابِ الأحوالِ إنَّما توجُّهُهم إلى اللهِ مِن جهةِ رُبوبِيَّتِه؛ لِما يُمِدُّهم به في الباطِنِ مِن الأحوالِ التي بها يتصَرَّفون، وهؤلاء مِن جِنسِ الملوكِ، وقد ذَمَّ اللهُ عزَّ وجَلَّ في القُرآنِ هذا الصِّنفَ كثيرًا، فتدَبَّرْ هذا؛ فإنَّه تنكَشِفُ به أحوالُ قَومٍ يتكَلَّمونَ في الحقائِقِ ويَعمَلونَ عليها، وهم -لَعَمْري- في نوعٍ مِن الحقائِقِ الكونيَّةِ القَدَريَّةِ الرُّبوبيَّةِ لا في الحقائِقِ الدِّينيَّةِ الشَّرعيَّةِ الإلهيَّةِ، وقد تكَلَّمْتُ على هذا المعنى في مواضِعَ متعَدِّدةٍ، وهو أصلٌ عظيمٌ يجِبُ الاعتناءُ به. واللهُ سُبحانَه أعلَمُ) [442] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (14/15). .

انظر أيضا: