الموسوعة العقدية

المبحثُ الثَّالثُ: من أوجُهِ زيادةِ الإيمانِ ونُقصانِه: أنَّ العِلمَ والتَّصديقَ نَفْسَه يكونُ بَعْضُه أقوى من بعضٍ وأثبَتُ وأبعَدُ عن الشَّكِّ والرَّيبِ

 قال ابنُ بطَّالٍ: (النَّاسُ يتفاضَلونَ في التصديقِ على قَدْرِ عِلْمِهم وجَهْلِهم؛ فمن قَلَّ عِلْمُه كان تصديقُه مقدارَ ذَرَّةٍ، والذي فَوقَه في العِلمِ تصديقُه بمقدارِ بُرَّةٍ وشَعيرةٍ، إلَّا أنَّ التصديقَ الحاصِلَ في قَلبِ كُلِّ واحدٍ مِن هؤلاء في أوَّلِ مَرَّةٍ لا يجوزُ عليه النُّقصانُ، ويجوزُ عليه الزِّيادةُ بزيادةِ العِلمِ والمعايَنةِ؛ فأمَّا زيادةُ التصديقِ بزيادةِ العِلمِ، فقَولُه تعالى عند نُزولِ السُّورةِ: أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا [التوبة: 24] فهذه زيادةُ العِلمِ، وأمَّا زيادةُ التصديقِ بالمعايَنةِ فقَولُ إبراهيمَ إذ طَلَب المعايَنةَ، قال له رَبُّه: أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة: 260] ، فطَلَب الطُّمَأنينةَ بالمعايَنةِ، وهي زيادةٌ في اليقينِ، وقد قال تعالى: ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ [التكاثر: 7]، فجعل له مَزِيَّةً على عِلمِ اليقينِ. وباللهِ التوفيقُ) [368] يُنظر: ((شرح صحيح البخاري)) (1/103). .
وقال النَّوويُّ: (النَّاسُ يتفاضَلون في تصديقِ القَلْبِ على قَدْرِ عِلْمِهم ومعاينَتِهم؛ فمن زيادتِه بالعِلْمِ قَولُه تعالى: أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا، ومن المعاينةِ قَولُه تعالى: ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ، فجَعَل له مَزِيَّةً على عِلمِ اليقينِ. واللهُ أعلَمُ) [369] يُنظر: ((شرح البخاري)) (2/711). .
وقال النوويُّ بعد أن ذَكَر قَولَ من قال: إنَّ التصديقَ لا يَزيدُ ولا يَنقُصُ، وإنَّه متى قَبِلَ الزِّيادةَ كان شكًّا وكُفرًا: (الأظهَرُ -واللهُ أعلَمُ- أنَّ نَفْسَ التصديقِ يَزيدُ بكثرةِ النَّظَرِ، وتظاهُرِ الأدِلَّةِ؛ ولهذا يكونُ إيمانُ الصِّدِّيقين أقوى من إيمانِ غَيرِهم بحيث لا تعتَرِيهم الشُّبَهُ، ولا يتزلزَلُ إيمانُهم بعارضٍ، بل لا تزالُ قُلوبُهم مُنشَرِحةً نَيِّرةً، وإن اختلفت عليهم الأحوالُ، وأمَّا غيرُهم من المؤلَّفِة ومَن قارَبَهم ونحوَهم، فليسوا كذلك، فهذا ممَّا لا يمكِنُ إنكارُه) [370] يُنظر: ((شرح مسلم)) (1/148). .
وقال ابنُ حَجَرٍ بعد نَقْلِه كلامَ النَّووي السَّابق: (يؤيِّدُه أنَّ كُلَّ أحدٍ يَعلَمُ أنَّ ما في قَلْبِه يتفاضَلُ، حتى إنَّه يكونُ في بعضِ الأحيانِ الإيمانُ أعظَمَ يقينًا وإخلاصًا وتوكُّلًا منه في بَعْضِها، وكذلك في التصديقِ والمعرفةِ، بحسَبِ ظُهورِ البراهينِ وكَثْرَتِها) [371] يُنظر: ((فتح الباري)) (1/46). .
وقال ابنُ تيميَّةَ: (هذا أمرٌ يَشهَدُه كُلُّ أحَدٍ مِن نَفْسِه، كما أنَّ الحِسَّ الظَّاهِرَ بالشَّيءِ الواحِدِ، مِثلُ: رُؤيةِ النَّاسِ للهِلالِ، وإن اشتركوا فيها، فبَعضُهم تكونُ رؤيتُه أتَمَّ من بعضٍ، وكذلك سماعُ الصَّوتِ الواحِدِ، وشَمُّ الرَّائحةِ الواحِدةِ، وذَوْقُ النَّوعِ الواحِدِ مِن الطَّعامِ؛ فكذلك مَعرِفةُ القَلبِ وتصديقُه يتفاضَلُ أعظَمَ مِن ذلك من وُجوهٍ مُتعَدِّدةٍ، والمعاني التي يؤمِنُ بها من معاني أسماءِ الرَّبِّ وكَلامِه يتفاضَلُ النَّاسُ في معرِفَتِها أعظَمَ مِن تفاضُلِهم في مَعرفةِ غَيْرِها) [372] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (7/234). ويُنظر: ((المنهاج في شعب الإيمان)) للحليمي (1/55). .
وقال أيضًا: (إنَّ التصديقَ نَفْسَه يتفاضَلُ كُنْهُه؛ فليس ما أثنى عليه البرهان، بل تشهَدُ له الأعيان، وأُميطَ عنه كُلُّ أذًى وحُسْبان، حتى بلغ أعلى دَرَجاتِ الإيقان: كتصديقٍ زَعْزَعَتْه الشُّبُهات، وصَدَفَتْه الشَّهَوات، ولَعِبَ به التقليد، ويَضعُفُ لشُبَهِ المعانِدِ العنيد، وهذا أمرٌ يجِدُه من نَفْسِه كُلُّ مُنصِفٍ رَشيد) [373] يُنظر: ((الفتاوى)) (6/480). .
وقال ابنُ رَجَبٍ: (التصديقُ القائِمُ بالقُلوبِ مُتفاضِلٌ، وهذا هو الصَّحيحُ... فإنَّ إيمانَ الصِّدِّيقينَ الذين يتجَلَّى الغَيبُ لقُلوبِهم حتى يصيرَ كأنَّه شَهادةٌ، بحيثُ لا يَقبَلُ التَّشكيكَ ولا الارتيابَ، ليس كإيمانِ غَيرِهم ممَّن لم يبلُغْ هذه الدَّرَجةَ بحيث لو شُكِّكَ لدَخَلَه الشَّكُّ؛ ولهذا جعل النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مرتبةَ الإحسانِ أن يَعبُدَ العَبدُ رَبَّه كأنَّه يراه، وهذا لا يحصُلُ لعُمومِ المؤمنين، ومِن هنا قال بعضُهم: ما سبَقَكم أبو بكرٍ بكَثرةِ صَومٍ ولا صلاةٍ، ولكِنْ بشَيءٍ وَقَر في صَدْرِه. وسُئِلَ ابنُ عُمَرَ: هل كانت الصَّحابةُ يَضحَكون؟ فقال: نعم، والإيمانُ في قلوبِهم أمثالُ الجِبالِ! فأين هذا ممَّن الإيمانُ في قَلْبِه ما يَزِنُ ذَرَّةً أو شَعيرةً؟!) [374] يُنظر: ((جامع العلوم والحكم)) (ص: 113). .
وقال أبو السُّعودِ: (الأصوَبُ أنَّ نَفْسَ التصديقِ يَقبَلُ القُوَّةَ، وهي التي عَبَّرَ عنها بالزيادةِ، للفَرْقِ النيِّرِ بين يقينِ الأنبياءِ وأربابِ المكاشَفاتِ ويقينِ آحادِ الأمَّةِ، وعليه مبنى ما قال عليٌّ رَضِيَ اللهُ عنه: لو كُشِفَ الغِطاءُ ما ازدَدْتُ يقينًا، وكذا بين ما قام عليه دليلٌ واحِدٌ، وما قامت عليه أدِلَّةٌ كثيرةٌ) [375] يُـنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/4). .
وقال محمود الألوسي: (قَبولُ التصديقِ نَفْسِه الزِّيادةَ والنَّقصَ والشِّدَّةَ والضَّعفَ: مِمَّا قال به جمعٌ من المحقِّقين، وبه أقولُ؛ لظواهِرِ الآياتِ والأخبارِ) [376] يُنظر: ((تفسير الألوسي)) (6/ 47). .
وقال ابنُ عُثَيمين: (قَولُكم: إنَّ إقرارَ القَلْبِ لا يتفاوَتُ- مخالِفٌ للحِسِّ؛ فإنَّ مِن المعلومِ لكُلِّ أحدٍ أنَّ إقرارَ القَلْبِ إنَّما يَتْبَعُ العِلمَ، ولا رَيْبَ أنَّ العِلمَ يتفاوَتُ بتفاوُتِ طُرُقِه؛ فإنَّ خَبَرَ الواحِدِ لا يفيدُ ما يفيدُه خَبَرُ الاثنينِ وهكذا، وما أدركه الإنسانُ بالخَبرِ لا يساوي في العِلمِ ما أدركه بالمشاهَدةِ، فاليقينُ دَرَجاتٌ مُتفاوِتةٌ، وتفاوُتُ النَّاسِ في اليقينِ أمرٌ معلومٌ، بل الإنسانُ الواحِدُ يجِدُ مِن نَفْسِه أنَّه يكونُ في أوقاتٍ وحالاتٍ أقوى منه يقينًا في أوقاتٍ وحالاتٍ أُخرى) [377] يُنظر: ((فتح رب البرية بتلخيص الحموية)) (ص: 121). .

انظر أيضا: