الموسوعة العقدية

المَبحَثُ الثَّالِثُ: صِفةُ حَشرِ الخَلْقِ

هناك صِفاتٌ عامَّةٌ يُحشَرُ عليها جَميعُ البَشَرِ، وهيَ حَشرُهم حُفاةً عُراةً غُرْلًا.
عن عائِشةَ رَضِيَ الله عنها قالت: قال رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((تُحشَرونَ حُفاةً عُراةً غُرْلًا، قالت عائِشةُ: فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، الرِّجالُ والنِّساءُ يَنظُرُ بَعضُهم إلى بَعضٍ؟! فقال: الأمرُ أشَدُّ من أن يُهِمَّهم ذاك! ثم قرأ: كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ)) [3169] أخرجه البخاري (6527) واللَّفظُ له، ومسلم (2859). .
قال النَّوَويُّ: ( ((حُفاةً عُراةً غُرْلًا)) الغُرْلُ بضَمِّ الغينِ المُعجَمةِ وإسكانِ الرَّاءِ، مَعناه: غَيرُ مُختونينَ، جَمعُ أغرَلَ، وهو الذي لَم يُختَنْ، وبَقِيَت مَعَه غُرْلَتُه وهيَ قُلفَتُه، وهيَ الجِلدةُ التي تُقطَعُ في الخِتانِ... والحُفاةُ جَمعُ حافٍ، والمَقصودُ أنَّهم يُحشَرونَ كما خُلِقوا لا شَيءَ مَعَهم ولا يُفقَدُ منهم شَيءٌ حَتَّى الغُرلةُ تَكونُ مَعَهم) [3170] يُنظر: ((شرح مسلم)) (17/ 193). .
وجاءَ في (تَتمَّةِ المَفاتيحِ في شَرحِ المَصابيحِ): (قَولُه: ((حُفاةً عُراةً غُرْلًا)) الحُفاةُ: جَمعُ الحافي، وهو الذي ليس في رِجْلِه خُفٌّ ولا نَعلٌ. والعُراةُ: جَمعُ العاري، وهو الذي ليس ببَدنِه ثوبٌ. الغُرْلُ: جَمعُ الأغرَلِ، وهو الذي لَم يُختَنْ. والفائِدةُ في خَلقِ الجِلدةِ المَقطوعةِ من المُختَونينَ -والعِلمُ عِندَ الله سُبحانَه-: التَّنبيهُ على إحكامِ خِلقَتِه، وأنَّه خُلِقَ للأبَدِ لا للفَناءِ؛ إذ لَم يُنقَصْ من أعضائِه، بَلِ النَّاقِصُ أُعيدَ كامِلًا، أو لأنَّه التَزَمَ عَودَه كما كان، ووَقت كونِه كان غُرْلًا، فأعيدَ كما كان. ((حُفاةً)) ((عُراةً)) ((غُرْلًا)) ثَلاثَتُها مَنصوبةٌ على الحالِ من الضَّميرِ في ((مَحشورونَ)). قَولُه: ((ثُمَّ: قَرَأ: كَمَا بَدَأْنَا أوَّلَ خَلقٍ نُعيدُه وعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ)): الكافُ مُتَعَلِّقٌ بمَحذوفٍ دَلَّ عليه ((نُعيدُه))، تَقديرُه: نُعيدُ الخَلقَ إعادةً مِثلَ الخَلقِ الأوَّلِ، يَعني: بَدَأناهم في بُطونِ أمَّهاتِهم حُفاةً عُراةً غُرْلًا، كذلك نُعيدُهم يَومَ القيامةِ نَظيرَها. وَعْدًا عَلَيْنَا إعادَتُه... إنَّا كُنَّا فاعِلينَ، أي: الإعادةَ والبَعثَ) [3171] يُنظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (5/ 476). .
قال ابنُ تَيميَّةَ: (تَقومُ القيامةُ التي أخبَرَ اللهُ بها في كِتابِه وعلى لسانِ رَسولِه، وأجمَعَ عليها المُسلِمونَ، فيَقومُ النَّاسُ من قُبورِهم لرَبِّ العالَمينَ حُفاةً عُراةً غُرْلًا، وتَدنو منهمُ الشَّمسُ ويُلجِمُهمُ العَرَقُ) [3172] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (3/145). .
وقال ابنُ عُثَيمين: (ومِمَّا يَدخُلُ في الإيمانِ باليَومِ الآخِرِ: أن يُؤمِنَ الإنسانُ بما يَكونُ في نَفسِ اليَومِ الآخِرِ، وذلك أنَّه إذا نُفِخَ في الصُّورِ النَّفخةُ الثَّانيةُ قامَ النَّاسُ في قُبورِهم لله رَبِّ العالَمينَ حُفاةً ليس عليهم نِعالٌ، وعُراةً ليس عليهم ثيابٌ، وغُرْلًا ليس مُختونينَ، وبُهْمًا ليس مَعَهم مالٌ، كُلُّ النَّاسِ حَتَّى الأنبياءِ والرُّسُلِ يُبعَثونَ هَكَذا، كما قال اللهُ تعالى: كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُه [الأنبياء: 104] ، فكَما أنَّ الإنسانَ يَخرُجُ من بَطنِ أمِّه هَكَذا عاريًا غَيرَ مُنتَعِلٍ، غَيرَ مَختونٍ، ليس معه مالٌ، فكَذلك يَخرُجُ من بَطنِ الأرضِ يَومَ القيامةِ على هذه الصِّفةِ، يَقومونَ لرَبِّ العالَمينَ الرِّجالُ والنِّساءُ، والصِّغارُ والكِبارُ، والكُفَّارُ والمُؤمِنونَ، كُلُّهم على هذا الوَصفِ حُفاةً غُرْلًا بُهمًا، ولا يَنظُرُ بَعضُهمُ إلى بَعضٍ؛ لأنَّه قد دَهاهم من الأمرِ ما يَشغَلُهم عن نَظَرِ بَعضِهم إلى بَعضٍ، فالأمرُ أعظَمُ من أن يَنظُرَ بَعضُ النَّاسِ إلى بَعضٍ. رُبَّما تَكونُ المَرأةُ إلى جَنبِ الرَّجُلِ ولا يَنظُرُ إليها ولا تَنظُرُ إليه، كما قال اللهُ عزَّ وجَلَّ: فإذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ * يَومَ يَفِرُّ المَرءُ مِن أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس: 33-37]) [3173] يُنظر: ((شرح رياض الصالحين)) (1/ 457). .
وهناك صِفاتٌ خاصَّةٌ يَأتي بها بَعضُ الخَلائِقِ، وهيَ هَيئاتٌ مُختَلِفةٌ بَعضُها حَسَنٌ، وبَعضُها قَبيحٌ، بحَسَبِ ما قَدَّموه من خَيرٍ وشَرٍّ.
عن جابِرٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: سَمِعتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَقولُ: ((يُبعَثُ كُلُّ عَبدٍ على ما مات عليه )) [3174] أخرجه مسلم (2878). .
قال النَّوَويُّ: (قال العُلَماءُ: مَعناه: يُبعَثُ على الحالةِ التي مات عليها) [3175] يُنظر: ((شرح مسلم)) (17/ 210). .
وقال علي القاري: ( ((يُبعَثُ)) أي: يُحشَرُ يَومَ القيامةِ ((كُلُّ عَبدٍ على ما مات عليه)) أي: من العَمَلِ خَيرًا كان أو شَرًّا، فيُجازى به) [3176] يُنظر: ((مرقاة المفاتيح)) (8/ 3350). .
وقال ابنُ عَلَّانَ: (فيه تَحريضٌ للإنسانِ على حُسنِ العَمَلِ ومُلازَمةِ السَّنَنِ المُحَمَّديِّ في سائِرِ الأحوالِ، والإخلاصِ لله تعالى في الأقوالِ والأعمالِ؛ ليَموتَ على تلك الحالةِ الحَميدةِ، فيُبعَثَ كذلك) [3177] يُنظر: ((دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين)) (2/ 346). .
ومن ذلك:
1- حَشرُ المُتكَبِّرينَ
عن عَبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العاصِ رَضِيَ اللهُ عنهما أنَّ رَسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((يُحشَرُ المُتَكَبِّرونَ يَومَ القيامةِ أمثالَ الذَّرِّ في صُوَرِ الرِّجالِ، يَغشاهمُ الذُّلُّ من كُلِّ مَكانٍ )) [3178] أخرجه مطولًا الترمذي (2492) واللَّفظُ له، وأحمد (6677) من حديثِ عبد الله بن عمرو رَضِيَ اللهُ عنهما. صحَّحه الترمذي، وحسَّنه الألباني في ((صحيح سنن الترمذي)) (2492)، وصحَّح إسناده أحمد شاكر في تخريج ((مسند أحمد)) (10/157)، وحسَّنه شعيب الأرناؤوط في تخريج ((مسند أحمد)) (6677)، وجوَّده ابن حجر في ((فتح الباري)) (11/431). .
قال علي القاري: ( ((يُحشَرُ المُتَكَبِّرونَ أمثالَ الذَّرِّ)) أي: في الصِّغَرِ والحَقارةِ ((يَومَ القيامةِ في صوَرِ الرِّجالِ)) أي: من جِهةِ وُجوهِهم أو من حَيثيَّةِ هَيئَتِهم من انتِصابِ القامةِ ((يَغشاهمُ)) أي: يَأتيهمُ ((الذُّلُّ من كُلِّ مَكانٍ)) أي: من كُلِّ جانِبٍ، والمَعنى أنَّهم يَكونونَ في غايةٍ من المِذلَّةِ والنَّقيصةِ يَطَؤُهم أهلُ المَحْشَرِ بأرجُلِهم من هوانِهم على اللهِ... فالتَّحقيقُ أنَّ اللهَ يُعيدُهم عِندَ إخراجِهم من قُبورِهم على أكملِ صوَرِهم، وجَمعِ أجزائِهمُ المَعدومةِ تَحقيقًا لوَصفِ الإعادةِ على وجهِ الكَمالِ، ثُمَّ يَجعَلُهم في مَوقِفِ الجَزاءِ على الصُّورةِ المَذكورةِ إهانةً وتَذليلًا لهم جَزاءً وِفاقًا، أو يَتَصاغَرونَ من الهَيبةِ الإلهيَّةِ عِندَ مَجيئِهم إلى مَوضِعِ الحِسابِ، وظُهورِ أثَرِ العُقوبةِ السُّلطانيَّةِ التي لَو وُضِعتْ على الجِبالِ لصارَت هَباءً مَنثورًا، وقد ثَبَتَ تَبديلُ صوَرِ أهلِ جَهَنَّمَ على أشكالٍ مُختَلِفةٍ، وُصوَرٍ مُتَباينةٍ؛ كُصوَرِ الكِلابِ والخَنازيرِ والحَميرِ، بحَسَبِ ما يَليقُ بصِفاتِهم وحالاتِهم، وقد تَكبُرُ جُثَّتُهم حَتَّى يَكونَ ضِرسُ الكافِرِ كجَبلِ أحُدٍ على ما ورَدَ في الحَديثِ، وكَذا تَغييرُ صُوَرِ أهلِ الجَنَّةِ من السَّوادِ إلى البَياضِ، ومنَ القِصَرِ إلى الطُّولِ المُعتَدِلِ، ومنَ الكِبَرِ إلى السِّنِّ المُتَوَسِّطِ، وجَعْلُهم جُردًا مُكَحَّلِينَ، وأمثالَ ذلك. وبِه يَزولُ الإشكالُ، واللهُ أعلَمُ بحَقيقةِ الحالِ) [3179] يُنظر: ((مرقاة المفاتيح)) (8/ 3192). .
2- حَشرُ السَّائِلينَ غَيرِ المُحتاجينَ
عن عَبدِ اللهِ بنَ عُمَرَ رَضِيَ الله عنهما قال: قال رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((ما يَزالُ الرَّجُلُ يَسألُ النَّاسَ، حَتَّى يَأتيَ يَومَ القيامةِ وليس في وَجهِه مُزعةُ لَحمٍ )) [3180] أخرجه البخاري (1474)، ومسلم (1040). .
قال ابنُ حَجَرٍ: (قَولُه: ((مُزْعةُ لَحمٍ)) مُزْعة -بضَمِّ الميمِ وحُكِي كَسْرُها، وسُكونِ الزَّاي بَعدَها مُهمَلةٌ- أي قِطْعة، وقال ابنُ التِّينِ: ضَبَطَه بَعضُهم بفَتحِ الميمِ والزَّاي، والذي أحفَظُه عن المُحَدِّثينَ الضَّمُّ، قال الخَطَّابيُّ: يُحتَمَلُ أن يَكونَ المُرادُ أنَّه يَأتي ساقِطًا لا قَدْرَ له ولا جاهَ، أو يُعذَّبُ في وَجهِه حَتَّى يَسقُطَ لَحمُه لمُشاكَلةِ العُقوبةِ في مَواضِعِ الجِنايةِ من الأعضاءِ؛ لكَونِه أذلَّ وجْهَه بالسُّؤالِ، أو أنَّه يُبعَثُ ووَجهُه عَظْمٌ كُلُّه فيَكونُ ذلك شِعارَه الذي يُعرَفُ به. انتَهى. والأوَّلُ صَرْفٌ للحَديثِ عن ظاهرِه ... وقال ابنُ أبي جَمرةَ: مَعناه أنَّه ليس في وَجهِه من الحُسنِ شَيءٌ؛ لأنَّ حُسْنَ الوَجهِ هو بما فيه من اللَّحمِ، ومالَ المَهلَّبُ إلى حَملِه على ظاهرِه وإلى أنَّ السِّرَّ فيه أنَّ الشَّمسَ تَدنو يَومَ القيامةِ فإذا جاءَ لا لَحمَ بوَجْهِه كانت أذيَّةُ الشَّمسِ له أكثَرَ من غَيرِه، قال: والمَرادُ به من سَألَ تَكَثُّرًا وهو غَنِيٌّ لا تَحِلُّ له الصَّدَقةُ، وأمَّا من سَألَ وهو مُضطَرٌّ فذلك مُباحٌ له فلا يُعاقَبُ عليه. انتَهى) [3181] يُنظر: ((فتح الباري)) (3/ 339). .
قال الخَطَّابيُّ: (الخُموشُ هيَ الخُدوشُ، يُقالُ خَمشَتِ المَرأةُ وَجْهَها إذا خَدَشَتْه بظُفرٍ أو حَديدةٍ أو نَحوِها، والكُدوحُ: الآثارُ من الخَدشِ والعَضِّ ونَحوِه) [3182] يُنظر: ((معالم السنن)) (2/ 56). .
وقال المِظهَريُّ: (قَولُه: ((ومَسألَتُه في وَجْهِه خُموشٌ أو خُدوشٌ أو كُدوحٌ )): هذه الألفاظُ كُلُّها مُتَقارِبةُ المَعنى. وشَكَّ الرَّاوي في أنَّ رَسولَ الله عليه السَّلامُ تَلفَّظَ بأيِّ هذه الألفاظِ. و ((الخُدوشُ)) جَمعُ: خَدشٍ، و ((الخُموشُ)) جَمعُ: خَمشٍ، و ((الكُدوحُ)) جَمعُ: كدحٍ، وكُلُّها بمَعنًى واحِدٍ) [3183] يُنظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) (2/ 519). .
وقال ابنُ رَسْلانَ: ( ((خُموشٌ)) بضَمِّ الخاءِ المُعَجَمةِ والميمِ، وآخِرُه شينٌ مُعَجَمةٌ، وهيَ الخُدوشُ، وقد خَمَشَ وَجْهَه بفَتحِ الميمِ يَخمُشُه بضَمِّها، وخَمَشَتِ المَرأةُ وَجْهَها إذا خَدَشَتْه بظُفْرِها أو بحَديدةٍ ونَحوِها ((أو خُدوش أو كُدوح)) بَحاءٍ مُهمَلةٍ آخِرَه، وهيَ آثارُ الخَدشِ والعَضِّ ونَحوِه. وقيلَ: الكَدحُ أكثَرُ من الخَدشِ في وَجْهِه) [3184] يُنظر: ((شرح سنن أبي داود)) (7/ 641). .
3- حَشْرُ أصحابِ الغُلولِ
قال اللهُ تعالى: وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [آل عمران: 161] .
قال القُرطُبيُّ: (قَولُه تعالى: وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أي: يَأتي به حامِلًا له على ظَهرِه ورَقبَتِه، مُعَذَّبًا بحَملِه وثِقلِه، ومَرعوبًا بصَوتِه، ومُوبَّخًا بإظهارِ خيانَتِه على رُءوسِ الأشهادِ) [3185] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (4/ 256). .
وقال ابنُ كثيرٍ: (هذا تَبرِئةٌ له صَلَواتُ اللهِ وسَلامُه عليه عن جَميعِ وُجوهِ الخيانةِ في أداءِ الأمانةِ وقَسْمِ الغَنيمةِ وغَيرِ ذلك... وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ وهذا تَهديدٌ شَديدٌ ووَعيدٌ أكيدٌ. وقد ورَدَتِ السُّنَّةُ بالنَّهي عن ذلك أيضًا في أحاديثَ مُتَعَدِّدةٍ) [3186] يُنظر ((تفسير ابن كثير)) (2/ 151). .
عن أبي هُريرةَ قال: قامَ فينا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ذاتَ يَومٍ، فذَكرَ الغُلولَ فعَظَّمَه وعَظَّمَ أمرَه، ثُمَّ قال: ((لا أُلْفِيَنَّ أحَدَكم يَجيءُ يَومَ القيامةِ على رَقبَتِه بَعيرٌ له رُغاءٌ، يَقولُ: يا رَسولَ اللهِ أغِثْني. فأقولُ: لا أملِكُ لَك شَيئًا، قد أبلَغْتُك. لا أُلْفِيَنَّ أحَدَكم يَجيءُ يَومَ القيامةِ على رَقبَتِه فرَسٌ له حَمحَمةٌ، فيَقولُ: يا رَسولَ اللهِ أغِثْني. فأقولُ: لا أملِكُ لَك شَيئًا، قد أبلَغْتُك. لا أُلْفِيَنَّ أحَدَكم يَجيءُ يَومَ القيامةِ على رَقبَتِه شاةٌ لها ثُغاءٌ، يَقولُ: يا رَسولَ اللهِ أغِثْني. فأقولُ: لا أملِكُ لَك شَيئًا، قد أبلَغْتُك. لا أُلْفِيَنَّ أحَدَكم يَجيءُ يَومَ القيامةِ على رَقبَتِه نَفسٌ لها صِياحٌ، فيَقولُ: يا رَسولَ اللهِ أغِثْني. فأقولُ: لا أملِك لَك شَيئًا قد أبلَغْتُك. لا أُلْفِيَنَّ أحَدَكم يَجيءُ يَومَ القيامةِ على رَقبَتِه رِقاعٌ تَخفقُ، فيَقولُ: يا رَسولَ اللهِ أغِثْني. فأقولُ: لا أملِكُ لَك شَيئًا قد أبلَغْتُك. لا أُلْفِيَنَّ أحَدَكم يَجيءُ يَومَ القيامةِ على رَقبَتِه صامِتٌ، فيَقولُ: يا رَسولَ اللهِ أغِثْني. فأقولُ: لا أملِكُ لَك شَيئًا قد أبلَغْتُك )) [3187] أخرجه البخاري (3073)، ومسلم (1831) واللَّفظُ له. .
قال المظهريُّ: (قَولُه: ((لا أُلْفِيَنَّ أحَدَكم)) يَعني: لا أجِدُ أحَدَكم، يَعني لا تَغُلُّوا من الغَنيمةِ شَيئًا؛ فإنَّ من غَلَّ منها شَيئًا يَكونُ يَومُ القيامةِ حامِلًا لذلك الشَّيءِ؛ ليَكونَ أفضَحَ له. الرُّغاءُ: صَوتُ البَعيرِ، والحَمحَمةُ: صَوتُ الفَرَسِ، والثُّغاءُ: صَوتُ الشَّاةِ. الرِّقاعُ: جَمعُ رقعةٍ، وهيَ قِطعةٌ من الكرباسِ وغَيرِه. ((تَخفقُ)) أي: تَتَحَرَّكُ، يَعني: ليَعلَمَ أنَّه غَلَّ رِقاعًا من الغَنيمةِ وغَيرِها. الصَّامِتُ: الذَّهَبُ والفِضَّةُ. قَولُه: ((لا أملِك لَك من الله شَيئًا قد أبلَغْتُك)) يَعني: قد قُلتُ لَك في الدُّنيا: إنَّ الغُلولَ والسَّرِقةَ والخيانةَ موجِبةٌ للعَذابِ، فلَم تَقبَل قَولي، فاليَومَ لا أملِك أن أدفَعَ عنك من عَذابِ الله شَيئًا) [3188] يُنظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) (4/ 433). .
4- حَشرُ أهلِ الوُضوءِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِن آثارِ الوُضوءِ
عن أبي هُريرةَ رَضِيَ الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((لَكم سِيما ليست لأحَدٍ من الأُمَمِ تَرِدُونَ عليَّ غُرًّا مُحَجَّلينَ؛ من أثَرِ الوُضوءِ )) [3189] أخرجه مسلم (247) مطولًا. .
قال النَّوَويُّ: (أمَّا السِّيما فهيَ العَلامةُ، وهيَ مَقصورةٌ ومَمدودةٌ لغَتانِ، ويُقالُ: السِّيميا، بياءٍ بَعدَ الميمِ مَعَ المَدِّ، وقَدِ استَدَلَّ جَماعةٌ من أهلِ العِلمِ بهذا الحَديثِ على أنَّ الوُضوءَ من خَصائِصِ هذه الأمَّةِ زادَها اللهُ تعالى شَرفًا، وقال آخَرونَ: ليس الوُضوءُ مُختَصًّا، وإنَّما الذي اختُصَّت به هذه الأمَّةُ الغُرَّةُ والتَّحجيلُ) [3190] يُنظر: ((شرح مسلم)) (3/ 134-136). .
وقال ابنُ حَجَرٍ: (أصلُ الغُرَّةِ لمْعةٌ بَيضاءُ تَكونُ في جَبهةِ الفَرَسِ، ثُمَّ استُعمِلَت في الجَمَالِ والشُهرةِ وطِيبِ الذِّكرِ، والمُرادُ بها هنا النُّورُ الكائِنُ في وُجوهِ أمَّةِ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وغُرًّا مَنصوبٌ على المَفعوليَّةِ، ليدعونَ، أو على الحالِ، أي: إنَّهم إذا دُعُوا على رُؤوسِ الأشهادِ نُودوا بهذا الوَصفِ وكانوا على هذه الصِّفةِ، قَولُه: مُحَجَّلينَ، بالمُهمَلةِ والجيمِ، من التَّحجيلِ، وهو بَياضٌ يَكونُ في ثَلاثِ قَوائِمَ من قَوائِمِ الفَرَسِ، وأصلُه من الحِجلِ، بكِسرِ المُهمَلةِ، وهو الخَلخالُ، والمُرادُ به هنا أيضًا النُّورُ، واستَدَلَّ الحليميُّ بهذا الحَديثِ على أنَّ الوُضوءَ من خَصائِصِ هذه الأمَّةِ، وفيه نَظَرٌ؛ لأنَّه ثَبَتَ عِندَ المُصَنِّفِ في قِصَّةِ سارةَ رَضِيَ الله عنها مَعَ المَلكِ الذي أعطاها هاجَرَ أنَّ سارةَ لَمَّا همَّ المَلك بالدُّنوِ منها قامتٌ تَتَوَضَّأ وتُصَلِّي، وفي قِصَّةِ جُرَيجٍ الرَّاهبِ أيضًا أنَّه قامَ فتوَضَّأ وصَلَّى ثُمَّ كَلَّمَ الغُلامُ؛ فالظَّاهرُ أنَّ الذي اختُصَّتَ به هذه الأمَّةُ هو الغُرَّةُ والتَّحجيلُ لا أصلُ الوُضوءِ، وقد صَرَّحَ بذلك في رِوايةٍ لمُسلِمٍ عن أبي هُريرةَ أيضًا مَرفوعًا قال: سِيما ليست لأحَدٍ غَيرِكم) [3191] يُنظر: ((فتح الباري)) (1/ 236). .
وعن أبي هُريرةَ رَضِيَ الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((أنتمُ الغُرُّ المُحَجَّلونَ يَومَ القيامةِ من إسباغِ الوُضوءِ )) [3192] أخرجه مطولًا البخاري (136)، ومسلم (246) واللَّفظُ له. .
قال ابنُ الأثيرِ: (أي: بِيض مَواضِع الوُضوءِ من الأيدي والوَجهِ والأقدامِ، استَعارَ أثَرَ الوُضوءِ في الوَجه واليَدينِ والرِّجْلينِ للإنسانِ من البَياضِ الذي يَكونُ في وَجهِ الفَرَسِ ويَدَيه ورِجْلَيه) [3193] يُنظر: ((النهاية)) (1/ 346). .
وقال ابنُ المُلقنِ: (أهلُ الوُضوءِ يُبعَثونَ يَومَ القيامةِ غُرًّا مُحَجَّلينَ من آثارِه إكرامًا لهم، وشَهادةً لهم تُثبِتُ عَمَلَهم في الدُّنيا ليَتَمَيَّزوا به) [3194] يُنظر: ((التوضيح لشرح الجامع الصحيح)) (4/ 483). .
5- حَشرُ الشُّهَداءِ
عن أبي هُريرةَ رَضِيَ الله عنه قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((والذي نَفسي بيدِه لا يُكْلَمُ أحَدٌ في سَبيلِ اللهِ -واللهُ أعلَمُ بمَن يُكلَمُ في سَبيلِه- إلَّا جاءَ يَومَ القيامةِ واللَّونُ لَونُ الدَّمِ، والرِّيحُ رِيحُ المِسْكِ )) [3195] أخرجه البخاري (2803) واللَّفظُ له، ومسلم (1876) مطولًا
قال ابنُ بطَّالٍ: (قَولُه: ((لا يُكْلَمُ)): يَعني: لا يُجرَحُ، والكُلومُ الجِراحُ. وقَولُه: ((في سَبيلِ الله)) المُرادُ به الجِهادُ، ويَدخُلُ فيه بالمَعنى كُلُّ من جُرحَ في سَبيلِ بِرٍّ أو وجهٍ مِمَّا أباحَه اللهُ تعالى؛ كقِتالِ أهلِ البَغيِ والخَوارِجِ واللُّصوصِ، أو أمرٍ بمَعروفٍ أو نَهيٍ عن مُنكَرٍ؛ ألا تَرى قَولَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((مَن قُتِلَ دونَ مالِه فهو شَهيدٌ)) [3196] أخرجه البخاري (2480)، ومسلم (141) من حديثِ عبد الله بن عمرو رَضِيَ اللهُ عنهما. . وقَولُه: ((واللهُ أعلَمُ بمَن يُكلَمُ في سَبيلِه)) فإنَّه يَدُلُّ على أنَّه ليس كُلُّ من جُرحَ في العَدو تَكونُ هذه حالَه عِندَ الله حَتَّى تَصِحَّ نيَّتُه، ويَعلَمَ اللهُ مِن قَتلِه أنَّه يُريدُ وَجْهَه، ولَم يَخرُج رياءً ولا سُمعةً ولا ابتِغاءَ دُنيا يُصيبُها. وفيه: أنَّ الشَّهيدَ يُبعَثُ في حالِه وهَيئَتِه التي قُبِضَ عليها) [3197] يُنظر: ((شرح صحيح البخاري)) (5/ 20). .
وقال عياضٌ: (قيلَ: في هذا دَليلٌ أنَّه لا يُغسَّلُ الشَّهيدُ، وأنَّه يُحشَرُ على هَيئَتِه التي مات عليها. قَولُه: ((واللهُ أعلَمُ بمَن يُكلَمُ في سَبيلِه)) تَنبيهٌ على أنَّ هذا من أخلَصَ نيَّتَه لله تعالى وخَرجَ ابتِغاءَ مَرضاتِه ونَصْرِ اللهِ، وظاهرُ السَّبيلِ هنا الجِهادُ، وقيلَ: قد يَكونُ هذا الفَضلُ عُمومًا لكُلِّ من خَرجَ في سَبيلِ الله من جِهادِ الكُفَّارِ وغَيرِهم من المارِقينَ اللُّصوصِ والبُغاةِ، وفي الأمرِ بالمَعروفِ.
وقَولُه: ((وجَرحُه يَثعَبُ دَمًا))، قال الإمامُ: ويُقالُ: ثَعَبْتُ الماءَ: إذا فجَّرْتَه فانثَعَب. قال القاضي: وهو بمَعنى ما في الرِّوايةِ الأُخرى: ((يفجرُ دَمًا))  [3198]يُنظر: ((إكمال المعلم)) (6/ 294). .
وقال المظهريُّ: (قَولُه: ((لا يُكْلَمُ)) أي: لا يُجرَحُ. ((يَثعَبُ)) أي: يَسيلُ، يَعني: تَكونُ عَلامةَ الشُّهداءِ على الشَّهيدِ من غَيرِ أن يَكونَ له ألمٌ بسَيَلانِ ذلك الدَّمِ منه، وفيه تَشريفانِ:
أحَدُهما: أن تَفوحَ منه رائِحةُ المِسكِ في العَرَصاتِ.
والثَّاني: أن يَظهَرَ كونُه شَهيدًا؛ ليَنالَ ثَوابَ الشُّهداءِ) [3199] يُنظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) (4/ 341). .
قال النَّوَويُّ: (الحِكْمةُ في مَجيئِه يَومَ القيامةِ على هَيئَتِه أن يَكونَ مَعَه شاهِدُ فضيلَتِه وبَذْلِه نَفسَه في طاعةِ اللهِ تعالى) [3200] يُنظر: ((شرح مسلم)) (13/21).   .

انظر أيضا: