الموسوعة العقدية

الفَرعُ الثَّالثُ: رؤيةُ المَلائِكةِ على خِلْقَتِهم الحقيقيَّةِ

لم يَرِدْ أنَّ أحَدًا من هذه الأمَّةِ رأى المَلائِكةَ في صُوَرِهم الحقيقيَّةِ إلَّا النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ فإنَّه رأى جبريلَ عليه السَّلامُ مرَّتينِ في صورتِه التي خلقه اللهُ عليها، وهما الرُّؤيتانِ المذكورتانِ في قَولِه تعالى: وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ [التكوير: 23]، وفي قَولِه سُبحانَه: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى [النجم: 13-15]، حين عُرِجَ به إلى السَّمَواتِ.
قال ابنُ كثيرٍ: (قَولُه تعالى: وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ يعني: ولقد رأى محمَّدٌ جِبريلَ الذي يأتيه بالرِّسالةِ عن اللهِ عَزَّ وجَلَّ على الصُّورةِ التي خلقه اللهُ عليها، له سِتُّمائةِ جَناحٍ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ أي: البَيِّنِ، وهي الرؤيةُ الأُولى التي كانت بالبَطحاءِ، وهي المذكورةُ في قَولِه: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى [النجم: 5 - 10]) [3780] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (8/ 339). .
وقال أيضًا: (كان جِبريلُ يأتي إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في صِفاتٍ متعَدِّدةٍ؛ فتارةً يأتي في صُورةِ دِحيةَ بنِ خَليفةَ الكَلبيِّ، وتارةً في صورةِ أعرابيٍّ، وتارةً في صُورتِه التي خُلِق عليها، له سِتُّمائةِ جَناحٍ ما بين كُلِّ جَناحينِ كما بين المَشرِقِ والمغرِبِ، كما رآه على هذه الصِّفةِ مَرَّتينِ؛ مرَّةً مُنهَبِطًا من السَّماءِ إلى الأرضِ، وتارةً عند سِدرةِ المنتهى عندها جَنَّةُ المأوى، وهو قَولُه تعالى: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى [النجم: 5-8] أي: إلى عَبدِ اللهِ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ثمَّ قال: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى [النجم: 13]. وكُلُّ ذلك المرادُ به جِبريلُ) [3781] يُنظر: ((البداية والنهاية)) (1/ 91). .
وقال السَّعْديُّ: (إنَّ محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رأى جبريلَ في صورتِه الأصليَّةِ التي هو عليها مرَّتيِن؛ مرَّةً في الأُفُقِ الأَعلى، تحتَ السَّماءِ الدُّنيا كما تقَدَّم، والمرَّةُ الثَّانيةُ فَوقَ السَّماءِ السَّابعةِ ليلةَ أُسْرِيَ برَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ ولهذا قال: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى أي: رأى محمَّدٌ جِبريلَ مَرَّةً أُخرى، نازِلًا إليه عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وهي شَجَرةٌ عظيمةٌ جِدًّا، فوقَ السَّماءِ السَّابعةِ) [3782] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 819). .
وقد سألت عائِشةُ رَضِيَ اللهُ عنها النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن هاتينِ الآيتينِ، فقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إنما هو جِبريلُ، لم أرَه على صورتِه التي خُلِقَ عليها غيرَ هاتين المرَّتَينِ، رأيتُه مُنهَبِطًا من السَّماءِ، سادًّا عِظَمُ خَلْقِه ما بين السَّماءِ إلى الأرضِ )) [3783] رواه البخاري (3234) بنحوه، ومسلم (177) واللَّفظُ له. .
وعن عائشةَ رَضِيَ اللهُ عنها أنها سُئِلَت عن قَولِه تعالى: ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى [النجم: 8]، فقالت: إنما ذاك جبريلُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، كان يأتيه في صُورةِ الرِّجالِ، وإنَّه أتاه في هذه المرَّةِ في صُورتِه التي هي صورتُه، فسدَّ أُفُقَ السَّماءِ) [3784] رواه البخاري (3235)، ومسلم (177) واللَّفظُ له. .
وعن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: (إنَّ محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رأى جِبريلَ له سِتُّمائةِ جَناحٍ) [3785] رواه البخاري (4857) واللَّفظُ له، ومسلم (174). .

انظر أيضا: