موسوعة التفسير

سُورةُ الأنعامِ
الآيات (71 - 73)

ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ

غريب الكلمات :

وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا: أي نرجِعُ إلى الكُفر، والارْتِدَادُ والرِّدَّةُ: الرجوعُ من الإسلامِ إلى الكُفْرِ، لكنَّ الرِّدَّة تختصُّ بالكُفر، والارتدادُ يُستعمَلُ فيه وفي غيره، والعَقِب: مؤخَّر الرِّجْل .
اسْتَهْوَتْهُ: أي: هَوَتْ به وذهَبَتْ، فضَلَّ في الأرضِ في حالِ حَيْرَتِه، أو ذهبَتْ به مَرَدَةُ الجنِّ في المفاوز البعيدة، والهوى: ميلُ النَّفْس إلى الشَّهوةِ، وقيل: سُمِّيَ بذلك؛ لأنه يَهوِي بصاحِبِه في الدُّنيا إلى كلِّ داهِيَةٍ، وفي الآخِرَة إلى الهاوِيَة .
الصُّورِ: أي: القَرْنُ يَنْفُخُ فيه إسرافيلُ عليه السَّلام .

مشكل الإعراب :

قوله تعالى: وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ
وَيَوْمَ: مفعولٌ به لفعلٍ محذوفٍ تقديرُه: اذكُرْ، أو معطوفٌ على الضَّميرِ المنصوبِ في قوله: اتَّقُوه في الآيَةِ السَّابقةِ، على حذْفِ مُضافٍ، أي: واتَّقوا عذابَ يومِ يقولُ، ويجوز أن يكون ظرفَ زمانٍ منصوبًا، مُتعلِّقًا بمحذوفٍ خبر مقدَّم للمبتدأِ المؤخَّر قَوْلُه، والحَقُّ صِفَتُه، أي: وقولُه الحقُّ في يومِ يقولُ: كُنْ فيكونُ.
كُنْ: فعلُ أمْرٍ تامٌّ، وفاعلُه ضميرٌ مستَتِرٌ تقديره «أنت» يرجِعُ إلى كلِّ ما خَلَقَ الله.
فَيَكُونُ: مرفوعٌ، وهو فعل تامٌّ أيضًا، أي: «فهو يكونُ»، فجملةُ «يكون» ليستْ داخلةً في مقولِ القَوْلِ، بل هي جملةٌ مستقلَّةٌ مُستأنَفَةٌ، وفاعله أيضًا ضميرٌ مستتِرٌ تقديره «هو» يرجِع إلى كلِّ ما خَلَق الله، ويجوز أن يكون فاعِلُه: قَوْلُهُ، والحَقُّ صفةٌ لـقَوْلُهُ، أي: فيوجَدُ قولُه الحَقُّ، ويكون الكلامُ على هذا تامًّا على الحَقُّ . ويجوز أنْ يكونَ قَوْلُه مبتدأً، والْحَقُّ خَبَره.

المعنى الإجمالي :

يأمُر اللهُ نبيَّه محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أن يقولَ للمُشركينَ: أَندْعُو مِن دونِ اللهِ ما لا يَملِكُ لنا نفعًا، ولا يستطيعُ أن يُلْحِقَ بنا ضُرًّا، ونَرجِعُ إلى الضَّلال والكُفْر بعد أنْ هدانا اللهُ إلى الإسلامِ، فنكونَ كرجلٍ أَغْوَتْه الشياطينُ عن مقصِدِه، وله أصحابٌ يدعونَه للطَّريقِ المُوصِل لبُغْيَتِه، ويطلبونَ منه أنْ يِأتِيَهم؛ ليكونَ معهم على الهُدى، قلْ لهم يا محمَّدُ: إنَّ هدى الله هو الهدى الحَقُّ، وأُمِرْنا أن ننقادَ لله تعالى، ونَستَسْلِمَ لشَرْعِه، وأُمْرِنا بإقامةِ الصَّلاةِ، وأن نَتَّقيَه عزَّ وجلَّ، وهو سبحانه مَن إليه تُجْمَعون يومَ القيامة، فيُجازيكم على أعمالِكم خَيرِها وشَرِّها.
وهو سبحانه الذي خَلَقَ السَّمواتِ والأرضَ بالحقِّ، ويومَ القِيامةِ الذي يكونُ بقَوْلِ الله: كُنْ فيكونُ، فقولُه تعالى لا مِرْيَةَ فيه، وهو الصِّدْقُ، واللهُ عزَّ وجلَّ له المُلْك وَحْدَه سبحانه في يومِ القِيامة، هو عالِمُ الغيبِ والشَّهادةِ لا يَخفَى عليه شيءٌ، وهو الحكيمُ الخبيرُ.

تفسير الآيات :

قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَىَ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (71) .
قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا.
أي: قل- يا محمَّدُ- لهؤلاء المشركين: أَندْعُو مِن دون اللهِ ما لا يَقْدِرُ على نَفعِنا أو ضُرِّنا، فنَخُصه بالعبادةِ دون الله، ونَدَعُ عِبادةَ الذي بِيَدِه وحده الضُرُّ والنَّفْعُ؟ .
وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللّهُ.
أي: ونَرجِعُ القَهْقَرى بعدَ هدايةِ اللهِ تعالى لنا إلى ما كنَّا فيه مِن الضَّلال .
كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا.
أي: فيكون مَثَلُنا في ذلك مَثَلَ الرَّجُلِ الذي أضَلَّتْه الشياطينُ عن طريقِه المُوصِل إلى مقْصِدِه، فبَقِيَ في حَيرَةٍ، وله أصحابٌ يَدْعونَه إلى الطَّريقِ الصَّحيحِ الذي هم عليه مُقيمونَ، يقولون له: ائْتِنا فكُنْ معنا على استقامةٍ وهُدًى، والشَّياطينُ يدْعونَه إلى الضَّلالِ والرَّدَى .
قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَىَ.
أي: قُلْ- يا محمَّدُ- لهؤلاءِ المشرِكينَ: إنَّ طريقَ اللهِ الذي أوضَحَه لنا، وسبيلَه الذي أَمَرَنا بلُزومِه، هو الهُدى والاستقامةُ التي لا شكَّ فيها، وما عداه فهو ضلالٌ وهلاكٌ .
وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ.
أي: وأَمَرَنا ربُّنا وربُّ كُلِّ شيءٍ بأنْ ننقادَ لتوحيدِه، ونستسلِمَ لأوامِرِه ونواهيِه، ونَخْضَعَ له بالذِّلَّة والطَّاعة والعبوديَّة، فنُخْلِصَ ذلك له دونَ ما سواه .
وَأَنْ أَقِيمُواْ الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِيَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (72).
وَأَنْ أَقِيمُواْ الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ.
أي: وأُمِرْنا بإقامةِ الصَّلاة، وذلك أداؤُها بحُدودِها وأركانِها وشروطِها وسُنَنِها، وبتقواه في جميعِ الأحوالِ بِفِعْل ما أمَرَ به، واجتنابِ ما نَهَى عنه .
وَهُوَ الَّذِيَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ.
أي: وربُّ العالمين سبحانه هو الذي تُجمَعون إليه يومَ القيامَةِ، فيُجازيكم بأعمالِكم؛ خيرِها وشَرِّها .
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّوَرِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (73).
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ.
أي: وهو سبحانَه الذي خَلَق السَّمواتِ والأرضَ لحِكَمٍ عَظيمةٍ؛ منها: إظهارُ صُنْعِه وقُدرَتِه ووَحدانِيَّتِه، ومنها تكليفُ العبادِ فيأمُرُهم وينهاهم ثم يبعَثُهم؛ ليجازِيَهم بأعمالِهم خَيْرِها وشَرِّها، فيُثِيبَهم ويعاقِبَهم .
كما قال سبحانه: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ [ص: 27] .
وقال تعالى: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ [الحجر: 85] .
وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ.
أي: ويومَ القِيامةِ الذي يكونُ بقَوْلِ الله: كُنْ فيكونُ عن أمْره كلَمْحِ البَصرِ، أو هو أقربُ، فقوله تعالى لا مِرْيَةَ فيه، وهو الصِّدْقُ الواقِعُ لا محالةَ، ولا يقولُ سبحانه شيئًا عَبثًا .
وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّوَرِ.
أي: وهو المنفَرِدُ يومَ القيامةِ بالملْك وحدَه دون مَن سواه، فلا مُنازِعَ له فيه، ولا مُدَّعِيَ له في ذلِك اليومِ الَّذي يَنفُخُ فيه المَلَكُ في القَرْنِ
كما قال عزَّ وجلَّ: يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [غافر: 16] .
وكما قال سبحانه: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا * الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا [الفرقان: 25- 26] .
عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ.
أي: هو سبحانه يَعلَمُ ما يَغيبُ عن العِبادِ وما يُشاهِدونَه، فلا يَخْفَى عليه شيءٌ .
وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ.
أي: وهو الذي له الحِكمةُ التَّامَّةُ، فيُتقِنُ كلَّ شيءٍ خَلَقَه، ويضعُ كُلَّ شيءٍ في مَوضِعِه اللَّائِقِ به؛ ومِن ذلك تَدبيرُه وتصريفُه خَلْقَه مِن حالِ الوجودِ إلى العَدمِ، ثمَّ مِن حالِ العَدَمِ والفناءِ إلى الوجودِ، ثم مجازاتُهم بما يُجازيهم به من ثوابٍ أو عِقابٍ، وهو المحيطُ علمًا بالسَّرائرِ والبواطِنِ، والمُطَّلِعُ على الخَفايا، فهو خبيرٌ بكلِّ ما يعملونَه، ويَكْسِبونَه مِن خيرٍ وشَرٍّ، حافظٌ ذلك عليهم؛ ليجازيَهم على كلِّ ما قدَّموه .

الفوائد التربوية :


- قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ فيه تذكيرُ المؤمنينَ بهذا اليومِ؛ تحريضًا على إقامةِ الصَّلاةِ والتَّقوى .

الفوائد العلمية واللطائف :

1- قال تعالى: قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا المقصودُ مِن هذه الآيةِ الردُّ على عَبَدة الأصنامِ، وهي مؤكِّدةٌ لقوله تعالى قبلَ ذلك: قُلْ إِنِّي نُهِيْتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فقال: قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللهِ..، أي: أَنَعبدُ من دونِ اللهِ النَّافِعِ الضَّارِّ ما لا يَقدِرُ على نَفْعِنا ولا على ضُرِّنا، ونُرَدُّ على أعقابِنا راجِعينَ إلى الشِّرْكِ بعد أنْ أنقَذَنا اللهُ منه، وهَدانا للإسلامِ ؟!
2- قال تعالى: وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ... العربُ تقول فيمَن عَجَز بعد قُدرةٍ، أو سَفُل بعدَ رِفعةٍ، أو أحجَمَ بعد إقدامٍ على مَحمَدةٍ: نَكَصَ على عَقِبَيْه، وارتَدَّ على عَقِبَيْه، ورَجَع القَهْقَرَى، والأصلُ فيه رجوعُ الهزيمةِ أو الخَيبةِ، والعَجْزُ عن السَّيْر المحمودِ، ثم صار يُطْلَق على كلِّ تحوُّلٍ مذمومٍ .
3- في قوله تعالى: قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ... وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ لَمَّا بَيَّنَ سبحانَه أوَّلًا أنَّ الهُدى النَّافعَ هو هُدَى اللهِ، أردَفَ ذلك الكلامَ الكليَّ بذِكْر أشرفِ أقسامِه على التَّرتيبِ، وهو الإسلامُ، والصَّلاةُ، والتَّقْوى، ثم بيَّنَ منافِعَ هذه الأعمالِ؛ فقال: وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ، يعني: أنَّ منافِعَ هذه الأعمالِ إنَّما تَظهَرُ في يومِ الحَشرِ والبَعْثِ والقيامةِ .
4- قوله: وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ أتى بالبَعثِ الذي هم له مُنكِرون؛ لكثرةِ ما أقام مِن الأدلَّةِ على تمامِ القُدرةِ، في سياقٍ دالٍّ على أنَّه ممَّا لا مجالَ للخلافِ فيه، وأنَّ النَّظَر إنَّما هو فيما وراءَ ذلك، وهو أنَّ عَمَلَهم للباطِلِ سوَّغ تنزيلَهم منزلةَ مَن يَعتقِدُ أنَّه يُحشَر إلى غيره سبحانه ممَّن لا قدرةَ له على جَزائِهم، فأخبَرَهم أنَّ الحَشْرَ إليه لا إلى غيرِه؛ لأنَّه لا كلامَ هناك لسواه، فلا عِلَقَ بينَ المحشورينَ، ولا تناصُرَ كما في الدُّنيا، والجُملةُ مع ذلك كالتَّعليلِ للأمْرِ بالتَّقوى .
5- في قولِه تعالى: وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ لَمَّا جُعِل اليَومُ ظَرْفًا للمُلْك، ناسَبَ أن يُعَرَّفَ اليومُ بما هو مِن شِعارِ الملْك والجُند، وهو النَّفْخُ في الصُّور .
6- قوله تعالى: وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ لَمَّا ذَكَر خَلْقَ الخَلْقِ وسُرعةَ إيجادِه لِمَا يَشاءُ، وتَضمَّنَ البَعْثُ إفناءَهم قبلَ ذلك- ناسَبَ ذِكْرَ الوَصفِ بالحَكيمِ، ولَمَّا ذَكَر أنَّه عالِمُ الغَيبِ والشَّهادةِ ناسَبَ ذِكْر الوَصفِ بالخَبيرِ؛ إذ هي صفةٌ تدلُّ على عِلْمِ ما لَطُفَ إدراكُه من الأشياءِ .

بلاغة الآيات :

1- قوله: قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ
- قوله: قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا استئنافٌ ابتدائيٌّ؛ لتأييسِ المشركينَ منِ ارتدادِ بعضِ المسلمينَ عن الدِّينِ .
- والاستفهامُ في قوله: أَنَدْعُو للإنكارِ والتَّأْييسِ؛ فهو استفهامٌ بمعنى الإنكارِ؛ أي: لا يَقعُ شيءٌ مِن هذا .
- قوله: وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا إيثارُ نُرَدُّ على (نَرتَدُّ)؛ لتوجيهِ الإنكارِ إلى الارتدادِ برَدِّ الغَيْرِ، تَصريحًا بمخالفَةِ المُضلِّين، وقطعًا لأطماعِهم الفارغةِ، وإيذانًا بأنَّ الارتدادَ من غيرِ رادٍّ ليس في حَيِّزِ الاحتمالِ ليُحتاجَ إلى نَفْيِه وإنكارِه ؛ فعبَّر اللهُ تعالى بالفِعلِ المبنيِّ للمَفعولِ في وَنُرَدُّ بدَل التعبير بـ(نرتد)، أو (نرجِع)؛ لأنَّ هذا التحوُّلَ المذمومَ ليس مِن شأنِه أنْ يقَعَ من عاقلٍ؛ لأنَّ العاقلَ إذا وصَلَ إلى مَرتبةٍ عاليةٍ مِن العِلمِ والكمالِ؛ فإنَّه لا يَختارُ الرجوعَ عنها، واستبدال الذي هو أدْنَى بالذي هو خيرٌ وأعلى، فإذا كانتْ فطرتُه وعقلُه يأبيانِ عليه هذه الرِّدَّةَ والنكوصَ؛ فكيف يُردُّ، وهو لا يرتدُّ ؟!
- والتَّعبيرُ بالرَّدِّ على الأعقابِ؛ لزِيادةِ تَقبيحِه بتَصويرِه بصُورةِ ما هو عَلَمٌ في القُبحِ، مع ما فيه مِن الإشارَةِ إلى كَونِ الشِّركِ حالةً قد تُرِكَت، ونُبِذتْ وراءَ الظَّهْر .
- قوله: كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ تَشبيهٌ تمثيليٌّ؛ حيث شُبِّهَ فيه مَن خَلَصَ مِن الشِّرْك، ثم نَكَصَ على عَقِبَيْه، بحالِ مَن ذَهَبت به الشَّياطينُ في الصحراء البعيدة، وأضلَّتْه بعدَما كان على الجادَّةِ المُستقيمَةِ؛ ففيه تَشبيهُ حالةِ مَن فُرِضَ ارتدادُه إلى ضَلالةِ الشِّركِ بعدَ هُدَى الإسلامِ- لِدعوةِ المشركينَ إيَّاه، وتَرْكِه أصحابَه المُسلمينَ الذين يَصدُّونه عنه- بحالِ الذي فَسَدَ عقلُه باستهواءٍ مِن الشَّياطينِ والجِنِّ، فَتَاهَ في الأرضِ بعدَ أنْ كان عاقلًا عارفًا بمسالِكها، وتَرَك رُفقتَه العقلاءَ يَدْعُونه إلى موافَقتِهم. وهذا التركيبُ البديعُ صالحٌ للتفكيك بأنْ يُشبَّه كلُّ جزءٍ مِن أجزاءِ الهيئةِ المشبَّهةِ بجزءٍ من أجزاءِ الهيئةِ المشبَّهة بها؛ بأنْ يُشبَّه الارتدادُ بعدَ الإيمانِ بذَهابِ عقلِ المجنونِ، ويُشبَّه الكفرُ بالهُيامِ في الأرضِ، ويُشبَّه المشركونَ الذين دَعَوْهم إلى الارتدادِ بالشياطينِ، وتُشبَّه دعوةُ اللهِ الناسَ للإيمانِ ونُزولُ الملائكةِ بوحيه بالأصحابِ الذين يَدْعُون إلى الهُدَى .
- قوله: لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا فيه إيثارُ لفْظِ الهُدَى هنا؛ لِمَا فيه من المناسَبَةِ للحالَةِ المُشَبَّهة .
- قوله: قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى مستأنفةٌ استئنافَ تكريرٍ لِمَا أُمِرَ أنْ يقولَه للمشركينَ حين يَدْعُون المُسْلمين إلى الرُّجوعِ إلى ما كانوا عليه في الجاهلِيَّة .
- وقد خُوطِبوا بصِيغةِ القَصرِ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى؛ فجِيءَ بتعريفِ الجُزأَينِ، وضميرِ الفصلِ، وحرْف التوكيدِ، فاجتمعَ في الجملةِ أربعةُ مؤكِّداتٍ؛ لأنَّ القَصْرَ بمنزلةِ مؤكِّدينِ؛ إذ ليس القَصْرُ إلَّا تأكيدًا على تأكيدٍ، وضميرُ الفصل تأكيدٌ، و (إنَّ) تأكيدٌ؛ فكانتْ مقتضى حالِ المشركينَ المُنكرينَ أنَّ الإسلامَ هُدًى .
- وقوله: لِرَبِّ الْعَالَمِينَ فيه ذِكْرُ اسمِ اللهِ تَعالى بوَصْفِ الرُّبوبيَّةِ لجَميعِ الخَلْق دون اسْمِه العَلَم؛ إشارةً إلى تَعليلِ الأمْرِ وأحقِّيَّتِه؛ إذْ لا يستحِقُّ العبادةَ مِن العبادِ إلَّا ربُّهم الذي خَلَقَهم، وغَذَّاهم بِنِعَمِه .
2- قوله: وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
- في تَخْصيصِ الصَّلاةِ بالذِّكْرِ من بينِ أنواعِ الشَّرائعِ، وعَطْفِها على الأَمرِ بالإسلامِ، وقَرْنِها بالأمْرِ بالتَّقوى- دليلٌ على تفخيمِ أَمْرِها، وعِظَم شأنِها .
- قوله: وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ اشتَمَلَ على عِدَّةِ مُؤَكِّدات، وهي: صِيغةُ الحَصرِ بتَعريفِ الجُزأينِ وَهُوَ الَّذِي، وتقديمُ معمولِ تُحْشَرُونَ وهو إِلَيْهِ المُفيدُ للتَّقوِّي؛ لأنَّ المقصودَ تحقيقُ وقوعِ الحَشْر على من أنْكَرَه من المشركينَ، وتحقيقُ الوَعْدِ والوعيد للمؤمنينَ، والحَصْر هنا حقيقيٌّ؛ إذ هم لم يُنكِروا كونَ الحَشر إلى الله، وإنَّما أنكروا وقوعَ الحَشْر، فسَلَك في إثباتِه طريقَ الكِنايةِ بِقَصْرِه على اللهِ تعالى المُستَلْزِم وقوعَه، وأنَّه لا يكونُ إلَّا إلى اللهِ، تَعريضًا بأنَّ آلهَتَهم لا تُغني عنهم شيئًا .
- وهو جملةٌ خبريَّةٌ تَتضمَّنُ التَّنبيهَ والتَّخويفَ لِمَن ترَكَ امتثالَ ما أُمِرَ به مِن الإسلامِ والصَّلاةِ واتِّقاءِ الله؛ وإنما تظهرُ ثَمَراتُ فِعْل هذه الأعمالِ وحَسَراتُ تَرْكِها يومَ الحَشْر والقيامَةِ .
3- قوله: وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ
- قوله: وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ
(يَوْمَ) ظرفٌ وقعَ خبرًا مُقَدَّمًا- على أحَدِ الأوجُهِ في الآيةِ-؛ للاهتمامِ به، والمبتدأُ هو قَوْلُهُ والْحَقُّ صِفَةٌ للمُبتدأِ، وأصلُ التَّركيبِ: (وقَوْلُه الحقُّ يَومَ يقولُ كُنْ فيكونُ)، ونكتةُ الاهتمامِ بتقديمِ الظَّرْفِ الردُّ على المُشركينَ المُنْكرينَ وقوعَ هذا التكوينِ بعد العَدَمِ .
- وقوله: قَوْلُهُ الْحَقُّ صِيغةُ قَصْرٍ للمبالغةِ؛ أي: هو الحقُّ الكامِلُ؛ لأنَّ أقوالَ غيرِه، وإن كان فيها كثيرٌ من الحَقِّ، فهي معرَّضةٌ للخَطَأِ، وما كان فيها غيرَ مُعَرَّضٍ للخَطَأِ، فهوُ راجعٌ إلى فَضلِ اللَّهِ .
- وقوله: يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فيه بِناءُ يُنْفَخُ للمَفعولِ؛ تعظيمًا للنَّفْخَةِ .
- وقوله: وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ كالفَذْلكةِ للآيةِ .