موسوعة التفسير

سُورةُ الفَتْحِ
مقدمة السورة

أسماءُ السُّورةِ:

سُمِّيَتْ هذه السُّورةُ بسُورةِ (الفتح) [1] وسُمِّيَتْ سورةَ الفتْح؛ لقَولِه تعالى: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا [الفتح: 1]. يُنظر: ((بصائر ذوي التمييز)) للفيروزابادي (1/432). ، وممَّا يدُلُّ على ذلك:
1- عن عبْدِ اللهِ بنِ مُغَفَّلٍ رَضِي اللهُ عنه، قال: ((قرَأَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ -عامَ الفَتحِ في مَسيرٍ له- سُورةَ الفَتحِ على راحِلَتِه، فرَجَّعَ في قِراءَتِه [2] التَّرجيعُ: تَرديدُ الصَّوتِ في الحَلْقِ، والجَهرُ بالقَولِ مُكَرَّرًا بعْدَ خَفائِه. يُنظر: ((فتح الباري)) لابن حجر (8/584) و(13/515). ويُنظر أيضًا: ((النهاية)) لابن الأثير (2/202). ) [3] أخرجه البخاريُّ (4281)، ومسلمٌ (794) واللفظ له. .
2- عن سَهلِ بنِ حُنَيفٍ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: ((أيُّها النَّاسُ اتَّهِموا أنفُسَكم؛ فإنَّا كُنَّا مع رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يومَ الحُدَيبيَةِ، ولوْ نَرى قِتالًا لقاتَلْنا ...)) إلى أنْ قال: ((فنَزَلتْ سُورةُ الفَتحِ، فقَرَأَها رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على عُمَرَ إلى آخِرِها)) [4] أخرجه البخاريُّ (3182) واللفظ له، ومسلمٌ (1785). .

فَضائلُ السُّورةِ وخَصائصُها:

عن أَسْلَمَ العَدويِّ مَولَى عمرَ [5] قال ابن حجر: (هذا السِّياقُ صورتُه الإرسالُ؛ لأنَّ أسلم لم يُدرِكْ زمانَ هذه القصَّةِ، لكنَّه محمولٌ على أنَّه سمِعه مِن عمرَ بدليلِ قولِه في أثنائِه: قال عمرُ: فحرَّكتُ بَعيري... إلخ). ((فتح الباري)) (8/583). : ((أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كان يَسيرُ في بعضِ أسْفارِه، وعُمَرُ بنُ الخَطَّابِ يَسيرُ معه لَيْلًا، فسَأله عُمَرُ بنُ الخطَّابِ عن شَيءٍ، فلَمْ يُجِبْه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ثمَّ سَأله فلَمْ يُجِبْه، ثمَّ سَأله فلَمْ يُجِبْه، وقال عُمَرُ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ [6] الثَّكَل والثُّكْل: فِقدانُ المرأةِ ولَدَها. وقدْ دعا عُمَرُ على نفْسِه بسَببِ ما وقَع منه مِن الإلحاحِ. ويَحتمِلُ أنْ يَكونَ لمْ يُرِدِ الدُّعاءَ على نفْسِه حقيقةً، وإنَّما هي مِن الألفاظِ الَّتي تُقالُ عندَ الغضبِ مِن غيرِ قَصدِ معناها. يُنظر: ((فتح الباري)) لابن حجر (8/583). يا عُمرُ! نَزَرْتَ رسولَ اللهِ [7] نَزَرتُ رسولَ اللهِ: أي: ألحَحْتُ عليه في المسألةِ. يُنظر: ((أعلام الحديث)) للخطابي (3/ 1732)، ((فتح الباري)) لابن حجر (1/194). صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ثَلاثَ مرَّاتٍ، كلُّ ذلك لا يُجيبُكَ! قال عُمرُ: فحرَّكْتُ بَعيري، ثمَّ تقدَّمْتُ أمامَ المسلمينَ، وخَشيتُ أنْ يَنزِلَ فيَّ قُرآنٌ، فما نَشِبْتُ [8] فما نشِبْتُ: أي: لم أتعلَّقْ بشَيءٍ غيرَ ما ذكرْتُ. يُنظر: ((فتح الباري)) لابن حجر (8/583). أنْ سَمِعتُ صارخًا يَصرُخُ بي، قال: فقلْتُ: لقدْ خَشيتُ أنْ يَكونَ نزَلَ فيَّ قرآنٌ! وجِئتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فسَلَّمْتُ عليه، فقال: لقدْ أُنزِلَتْ علَيَّ اللَّيلةَ سُورةٌ لَهِيَ أَحَبُّ إليَّ ممَّا طلَعَتْ عليه الشَّمْسُ [9] أي: لِما فيها من البِشارةِ بالمغفرةِ والفتْحِ المبينِ. يُنظر: ((فتح الباري)) لابن حجر (8/583). ، ثمَّ قرَأ: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا)) [10] أخرجه البخاريُّ (4177) و(4833) و(5012). .

بيانُ المكِّيِّ والمَدَنيِّ:

سُورةُ الفتْحِ مَدَنيَّةٌ [11] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (21/236)، ((تفسير الزمخشري)) (4/331)، ((تفسير ابن عطية)) (5/110). قال ابنُ كثير: (نزَلَتْ هذه السُّورةُ الكريمةُ لَمَّا رجَعَ رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ في ذي القَعدةِ مِن سَنةِ سِتٍّ مِنَ الهِجرةِ، حينَ صَدَّهُ المشركونَ عن الوُصولِ إلى المسجدِ الحرامِ لِيَقْضيَ عُمْرتَه فيه، وحالُوا بيْنَه وبيْن ذلك، ثمَّ مالُوا إلى المصالَحةِ والمُهادَنةِ، وأنْ يَرجِعَ عامَه هذا، ثمَّ يأتيَ مِن قابِلٍ، فأجابَهُم إلى ذلك على تَكَرُّهٍ مِن جماعةٍ مِنَ الصَّحابةِ؛ منهم عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رضيَ اللهُ عنه). ((تفسير ابن كثير)) (7/325). ، نقَل الإجماعَ على ذلك غيرُ واحدٍ مِنَ المُفَسِّرينَ [12] ممَّن نقَل الإجماعَ على ذلك: ابنُ الجوْزي، والقُرطبيُّ، والفيروزابادي، والبِقَاعيُّ. يُنظر: ((تفسير ابن الجوزي)) (4/125)، ((تفسير القرطبي)) (16/259)، ((بصائر ذوي التمييز)) للفيروزابادي (1/432)، ((مصاعد النظر)) للبقاعي (2/492). .

مقاصِدُ السُّورةِ:

مِن أهَمِّ مَقاصِدِ السُّورةِ:
1- تَبشيرُ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأصحابِه بألْوانٍ مِنَ البِشاراتِ [13] يُنظر: ((بصائر ذوي التمييز)) للفيروزابادي (1/432)، ((تفسير ابن عاشور)) (26/142)، ((التفسير الوسيط)) لطنطاوي (13/290). .
2- التَّعريفُ بالمُنافِقينَ والكافِرينَ، وبَيانُ حَقيقتِهم [14] يُنظر: ((التفسير الوسيط)) لطنطاوي (13/290). .
3- بيانُ كثيرٍ مِن مَظاهِرِ فضْلِ اللهِ ورَحمتِه بعِبادِه المؤمِنينَ [15] يُنظر: ((التفسير الوسيط)) لطنطاوي (13/290). .

مَوضوعاتُ السُّورةِ:

مِن أهمِّ الموضوعاتِ التي اشتَمَلَتْ عليها السُّورةُ:
1- بِشارةُ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالفَتحِ المُبينِ، ووَعْدُه بالمغفرةِ وإتمامِ النِّعمةِ عليه، وهِدايتِه ونَصْرِه.
2- وَعْدُ المؤمِنينَ، ووَعيدُ الكافِرينَ والمُنافِقينَ.
3- بيانُ وَظيفةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وتَوجيهُ المؤمِنينَ إلى واجِبِهم بعدَ تَبليغِهمُ الرِّسالةَ.
4- الثَّناءُ على الَّذينَ بايَعوا رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ووَعْدُهم بالنَّصرِ في الدُّنيا، والأجرِ العظيمِ في الآخِرةِ.
5- ذِكْرُ بَيعةِ الحُدَيْبِيَةِ، وبيانُ أحوالِ المُنافِقينَ المُتخَلِّفينَ عنها، وصِفاتِهمُ السَّيِّئةِ، وما حصَلَ مِن مَنْعِهم مِنَ المشارَكةِ في غَزوةِ خَيْبَرَ، وإنبائِهم بأنَّهم سيُدْعَوْنَ إلى جِهادٍ آخَرَ.
6- بَيانُ الَّذينَ يُباحُ لهمُ التَّخلُّفُ عن الجِهادِ مِن أصحابِ الأعذارِ.
7- الحديثُ عن بَيعةِ الرِّضوانِ، والتَّنويهُ بشَأنِ مَن حضَرَها، وتَبشيرُ اللهِ بما أعَدَّ لهم مِنَ مَغانمَ كَثيرةٍ وفُتوحٍ.
8- بَيانُ الأسبابِ الَّتي دعتِ الكُفَّارَ إلى صَدِّ المؤمِنينَ عن البَيتِ الحَرامِ.
9- تَصديقُ رُؤْيا رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، بدُخولِه وأصحابِه المَسجِدَ الحرامَ آمِنِينَ.
10- بيانُ مَنزِلةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأصحابِه، وصِفاتِهمُ الحسَنةِ في التَّوراةِ والإنجيلِ، وما أعَدَّه اللهُ لِلَّذينَ آمَنوا وعَمِلوا الصَّالحاتِ مِنَ المَغفرةِ والأجرِ العظيمِ.