كان الصَّحابةُ رَضيَ اللهُ عنهُم يَحرِصونَ على مُجالَسةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم للِاستِفادةِ منه وسُؤالِه عَن أُمورِ دينِهم، ويَستَغِلُّونَ الفُرَصَ المُناسِبةَ كَوُجودِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في المَسجِدِ، أو إذا كان مُنفَرِدًا، ونَحوِ ذلك.
وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ أبو ذَرٍّ الغِفاريُّ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان في المَسجِدِ فدَخَلَ عليه أبو ذَرٍّ، قال: فاغتَنَمتُ خَلوتَه، أي: استَغَلَّ أبو ذَرٍّ وُجودَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُنفَرِدًا خاليًا ليس عِندَه أحَدٌ، فأحَبَّ أن يَستَفرِدَ برَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ويَستَفيدَ منه ويَسألَه، فلَمَّا دَخَلَ المَسجِدَ على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال له رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: يا أبا ذَرٍّ، إنَّ للمَسجِدِ تَحيَّةً، أي: كما أنَّ النَّاسَ إذا التَقَوا حَيَّا بَعضُهم بَعضًا بالسَّلامِ، فالمَسجِدُ أيضًا له تَحيَّةٌ لا بُدَّ لكُلِّ مَن دَخَله أن يُحَيِّيَه بها، وكان أبو ذَرٍّ قد جَلَسَ ولَم يُصَلِّ، فقال أبو ذَرٍّ: وما تَحيَّتُه يا رَسولَ اللهِ؟ أي: أخبِرْني عَن تَحيَّةِ المَسجِدِ حَتَّى أقومَ بها. فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: رَكعَتانِ، أي: تَحيَّتُه أنَّ مَن دَخَله فعليه صَلاةُ رَكعَتَينِ قَبلَ أن يَجلِسَ، يَقولُ أبو ذَرٍّ: فرَكَعتُهما، أي: قُمتُ فصَلَّيتُ الرَّكعَتَينِ تَحيَّةَ المَسجِدِ، فلَمَّا انتَهى أبو ذَرٍّ مِنَ الرَّكعَتَينِ التَفَتَ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حَتَّى يَسألَه فقال: يا رَسولَ اللهِ، إنَّكَ أمَرتَني بالصَّلاةِ، فما الصَّلاةُ؟ أي: أنَّكَ جَعَلتَ تَحيَّةَ المَسجِدِ الصَّلاةَ، فلِماذا اختَرتَ الصَّلاةَ دونَ غَيرِها مِنَ الأعمالِ، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: خَيرُ مَوضوعٍ. ويَصِحُّ فيها الوجهانِ أن تَكونَ بالإضافةِ أو التَّوصيفِ ، أي يُقالُ: (خَيرُ مَوضوعٍ) أو (خَيرٌ مَوضوعٌ)، والمَقصودُ أنَّ الصَّلاةَ خَيرُ عَمَلٍ وضَعَه اللهُ وشَرَعَه لعِبادِه؛ ليَتَقَرَّبوا إليه به، فمَن شاء أقلَّ، أي: اقتَصَر على الفرائِضِ، ومَن شاءَ أكثَرَ. يعني: من النَّوافِلِ، وكُلٌّ بثَوابِه، فكُلُّ واحِدٍ سَيَجِدُ ثَوابَ ذلك سَواءٌ القَليلُ أوِ الكَثيرُ، وهيَ أفضَلُ العِباداتِ البَدَنيَّةِ بَعدَ الإيمانِ ، وهذا فيه الحَثُّ على الصَّلاةِ في كُلِّ حينٍ وعَلى أيِّ حالٍ غَيرِ ما نُهيَ عنه، ثُمَّ قال أبو ذَرٍّ: يا رَسولَ اللهِ، أيُّ الأعمالِ أحَبُّ إلى اللهِ؟ أي: أخبِرْني بأحَبِّ الأعمالِ التي يُحِبُّها اللهُ تَعالى ويَرضاها، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: الإيمانُ باللهِ، أي: أحَبُّ الأعمالِ إلى اللهِ هو الإيمانُ بهِ، وذلك بالإقرارِ برُبوبيَّتِه وأُلوهيَّتِه وأسمائِه وصِفاتِه، ثُمَّ ذَكَرَ الحَديثَ، أي: بَقيَّةَ الحَديثِ؛ لأنَّه حَديثٌ طَويلٌ فيه أنَّه سَأله عَنِ الجِهادِ وعَن أكمَلِ المُؤمِنينَ إيمانًا، وعَنِ الهِجرةِ والصَّدَقةِ وغَيرِ ذلك، وهنا اختَصَرَ الرَّاوي بَعضَه إلى أن قال أبو ذَرٍّ: يا رَسولَ اللهِ، كَمِ النَّبيُّونَ؟ أي: أخبِرْني عَن عَدَدِ الأنبياءِ جَميعِهمِ الذين أرسَلَهمُ اللهُ إلى الأُمَمِ، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: مِائةُ ألفِ نَبيٍّ وأربَعةٌ وعِشرونَ ألفَ نَبيٍّ، أي: هذا العَدَدُ هو عَدَدُ الأنبياءِ، ثُمَّ قال أبو ذَرٍّ: كَمِ المُرسَلونَ مِنهُم؟ أي: الذينَ كانَت لَهم رِسالةٌ وجَمَعوا بَينَ النُّبوَّةِ والرِّسالةِ، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ثَلاثُ مِائةٍ وثَلاثَ عَشرةَ، أي: هذا عَدَدُ الرُّسُلِ، ومِنَ الفُروقِ بَينَهما أنَّ الرَّسولَ مَن جَمَعَ إلى المُعجِزةِ الكِتابَ المُنزَّلَ عليه، والنَّبيُّ غَيرُ الرَّسولِ؛ مَن لَم يُنزَّلْ عليه كِتابٌ، وإنَّما أُمِرَ أن يَدعوَ إلى شَريعةِ مَن قَبله ، أو أنَّ الرَّسولَ مَن بُعِثَ إلى قَومٍ مُخالِفينَ، والنَّبيُّ مَن بُعِثَ إلى قَومٍ موافِقينَ.
وفي الحَديثِ حِرصُ الصَّحابةِ رَضيَ اللهُ عنهُم على الجُلوسِ مَعَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
وفيه مَشروعيَّةُ صَلاةِ تَحيَّةِ المَسجِدِ.
وفيه تَعليمُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لأصحابِه.
وفيه فضلُ الصَّلاةِ وأنَّها أفضَلُ الأعمالِ.
وفيه الحَثُّ على الاستِكثارِ مِنَ الصَّلاةِ.
وفيه فضلُ الإيمانِ باللهِ.
وفيه بَيانُ عَدَدِ الأنبياءِ.
وفيه بَيانُ عَدَدِ الرُّسُلِ.
وفيه بَيانُ أنَّ الرُّسُلَ غَيرُ الأنبياءِ وأنَّ بَينَهما فرقًا.