كان الصَّحابةُ رَضيَ اللهُ عنهُم يَحرِصونَ أن يَعرِفوا أحوالَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وعِباداتِه في البَيتِ حَتَّى يَفعَلوا مِثلَه ويَقتَدوا بهِ، ورُبَّما حَرِصَ الواحِدُ مِنهُم على أن يَنامَ في بَيتِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيَنظُرَ إلى فِعلِه، ومِمَّن فعَلَ ذلك عَبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهُما.
وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ ابنُ عَبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهُما فيَقولُ: بتُّ. مِنَ البَيتوتةِ وهيَ مَن أدرَكَه اللَّيلُ نامَ أو لَم يَنَمْ، عِندَ خالَتي مَيمونةَ لَيلةً، أي: أنَّه ذَهَبَ عِندَها في لَيلةٍ مِنَ اللَّيالي ليَبيتَ عِندَها، وكان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عِندَها تلك اللَّيلةَ، يَقولُ ابنُ عَبَّاسٍ: فنامَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: نامَ أوَّلَ اللَّيلِ، فلَمَّا كان في بَعضِ اللَّيلِ، أي: أثناءَه قامَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: مِن نَومِه، فتَوضَّأ مِن شَنٍّ، وهيَ القِربةُ الخَلَقةُ مُعَلَّقٍ، أي: كانَت مُعَلَّقةً في البَيتِ، وُضوءًا خَفيفًا -يُخَفِّفُه عَمرٌو- وهو عَمرو بنُ دينارٍ أحَدُ رواةِ الحَديثِ، ويُقَلِّلُه جِدًّا، أي: يَصِفُه بالتَّخفيفِ والتَّقليلِ، أي: لا يُكثِرُ الدَّلكَ، ولا يَزيدُ على مَرَّةٍ مَرَّةٍ، وهذه العِبارةُ مُدرَجةٌ في الحَديثِ مِن أحَدِ الرُّواةِ، ثُمَّ قامَ يُصَلِّي، أي: بَعدَ أن انتَهى رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِنَ الوُضوءِ، قامَ يُصَلِّي صَلاةَ اللَّيلِ، يَقولُ ابنُ عَبَّاسٍ: فقُمتُ، فتَوضَّأتُ نَحوًا مِمَّا تَوضَّأ، أي: قُمتُ مِنَ الفِراشِ فتَوضَّأتُ مِثلَ أو قَريبًا مِن وُضوءِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ثُمَّ جِئتُ، فقُمتُ عَن يَسارِه، أي: اصطَفَّ عَن يَسارِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فحَوَّلَني، فجَعَلَني عَن يَمينِه، أي: أخَذَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه بابنِ عَبَّاسٍ مِن جِهةِ اليَسارِ، وجَعَله في جِهةِ اليَمينِ، ثُمَّ صَلَّى رَسولُ اللهِ ما شاءَ اللهُ، أي: ما تَيَسَّرَ مِنَ اللَّيلِ، ثُمَّ اضطَجَعَ، أي: بَعدَ قيامِ اللَّيلِ تَمَدَّدَ على الأرضِ، فنامَ حَتَّى نَفَخَ، أي: أخرَجَ نَفَسًا مِن أنفِه، وهو الغَطيطُ، وهو صَوتُ نَفَسِ النَّائِمِ إذا اشتَدَّ، وذلك دَليلٌ على النَّومِ العَميقِ المُستَغرِقِ، فأتاه المُنادي، أي: المُؤَذِّنُ، يَأذَنُه بالصَّلاةِ، أي: يُعلِمُه بصَلاةِ الفَجرِ، فقامَ مَعَه إلى الصَّلاةِ، أي: مَعَ المُؤَذِّنِ فصَلَّى، أي: صَلاةَ الفَجرِ، ولَم يَتَوضَّأْ، أي: لَم يَتَوضَّأْ لصَلاةِ الفَجرِ مَعَ كَونِه قد نامَ قَبلَها. قُلنا لعَمرٍو. القائِلُ هو سُفيانُ بنُ عُيَينةَ أحَدُ رواةِ الحَديثِ يُخاطِبُ عَمرَو بنَ دينارٍ: إنَّ ناسًا يَقولونَ: إنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تَنامُ عَينُه ولا يَنامُ قَلبُه، أي: هذا مِن خُصوصيَّاتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بحَيثُ إنَّ العَينَ تَنامُ وأمَّا القَلبُ فيَظَلُّ يَقِظًا؛ ولهذا لَم يَتَوضَّأْ للصَّلاةِ بَعدَ أن نامَ، وإنَّما مَنَعَ قَلبَه النَّومَ ليَعيَ الوحيَ الذي يَأتيه في مَنامِه، فقال عَمرُو بنُ دينارٍ: سَمِعتُ عُبَيدَ بنَ عُمَيرٍ وهو أحَدُ الرُّواةِ يَقولُ: إنَّ رُؤيا الأنبياءِ وحيٌ، أي: أنَّ مِن أنواعِ الوحيِ إلى الأنبياءِ الرُّؤيا في المَنامِ، ثُمَّ قَرَأ، أي: عُبَيدُ بنُ عُمَيرٍ مُستَدِلًّا لما قاله مِن أنَّ رُؤيا الأنبياءِ وحيٌ بقَولِه تَعالى: {إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ}
[الصافات: 102] ؛ لأنَّها لَو لَم تَكُنْ وحيًا لَما جازَ لإبراهيمَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ الإقدامُ على ذَبحِ ولَدِه؛ فإنَّ ذلك حَرامٌ مَعلومٌ .
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ نَومِ الرَّجُلِ عِندَ أحَدِ مَحارِمِه مِنَ النِّساءِ.
وفيه حِرصُ ابنِ عَبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنه على مَعرِفةِ أحوالِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
وفيه بَيانُ كَيفيَّةِ قيامِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم للَّيلِ.
وفيه مَشروعيَّةُ الوُضوءِ الخَفيفِ.
وفيه أنَّ المَأمومَ إذا كان واحِدًا فإنَّه يَصُفُّ عَن يَمينِ الإمامِ.
وفيه أنَّ الحَرَكةَ اليَسيرةَ في الصَّلاةِ لا تُبطِلُها.
وفيه بَيانُ خُصوصيَّةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بأنَّه تَنامُ عَينُه ولا يَنامُ قَلبُه.
وفيه أنَّ رُؤيا الأنبياءِ وحيٌ.