كما بَيَّنَ اللهُ تَعالى أحكامَ النِّكاحِ، فكَذلك بَيَّنَ أحكامَ الطَّلاقِ ومَتى يَصِحُّ وُقوعُه ومَتى لا يَصِحُّ وُقوعُه، فمَن أرادَ طَلاقَ امرَأتِه فعليه أن يَلتَزِمَ بتلك الأحكامِ، ومِن أحكامِ الطَّلاقِ: الخُلعُ، فهَل هو طَلاقٌ أم لا؟ اختُلِفَ في ذلك.
وفي هذا الحَديثِ أنَّ عَبدَ اللَّهِ بنَ عَبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهُما «كانَ لا يَرى الفِداءَ طَلاقًا حَتَّى يُطَلِّقَ»، والمَقصودُ بالفِداءِ الخُلعُ: بحَيثُ تَفدي الزَّوجةُ نَفسَها بمالٍ تُعطيه للزَّوجِ حَتَّى يَترُكَها، فكانَ ابنُ عَبَّاسٍ يَقولُ: هذا الخُلعُ لا يَكونُ طَلاقًا ولا يُحسَبُ مِن عَدَدِ الطَّلَقاتِ حَتَّى يَتَلَفَّظَ الزَّوجُ بالطَّلاقِ، أمَّا بدونِ ذلك فلا يَكونُ طَلاقًا، بَل هو فسخٌ للنِّكاحِ. ثُمَّ استَدَلَّ رَضيَ اللهُ عنهُ فقال: «ألا تَرى أنَّه جَلَّ وعَزَّ ذَكَرَ الطَّلاقَ مِن قَبلِه» أي: ذَكَرَ أحكامَ الطَّلاقِ قَبلَ أحكامِ الخُلعِ، فقال: {الطَّلاقُ مَرَّتانِ}
[البقرة: 229] ، ثُمَّ ذَكَرَ الفِداءَ -أي: الخُلعَ- فقال: {فلا جُناحَ عليهما فيما افتَدَت بهِ}
[البقرة: 229] فلَم يَجعَلْهُ طَلاقًا، أي: فلَم يَجعَلِ اللهُ الخُلعَ مِنَ الطَّلاقِ لكَونِه فصَلَ بَينَهما. ثُمَّ قال في الثَّالِثةِ: {فإن طَلَّقَها فلا تَحِلُّ له مِن بَعدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوجًا غَيرَه}
[البقرة: 230] ، ولَم يَجعَلِ الفِداءَ بَينَهما طَلاقًا، أي: ذَكَرَ تَطليقَتَينِ والخُلعَ وتَطليقةً بَعدَها، فلَو كانَ الخُلعُ طَلاقًا لَكانَ أربَعًا ()، والمَسألةُ خِلافيَّةٌ مَحَلُّها كُتُبُ الفِقهِ.
وفي الحَديثِ بَيانُ رَأيِ ابنِ عَبَّاسٍ في أنَّ الخُلعَ ليس بطَلاقٍ.