كان السَّلَفُ يَحرِصونَ على طَلَبِ العِلمِ وسَماعِه مِن أهلِ العِلمِ الكِبارِ مِنَ الصَّحابةِ ومَن بَعدَهم، ومِن طَريقَتِهم في الحِرصِ على العِلمِ أنَّهم يَتَثَبَّتونَ فيما يَسمَعونَه، فيُراجِعُ بَعضُهم بَعضًا هَل سَمِع أحَدُهم هذا الحَديثَ أو هذه الفائِدةَ مِنَ الشَّيخِ؟ فإن أجابَه أنَّه سَمِعَه استَوثَقَ مِن عِلمِه الذي عِندَه، وصَدَّقَ صاحِبَه على ذلك، ومِن ذلك ما جاءَ في سَبَبِ هذا الحَديثِ أنَّه اجتَمَعَ مَسروقُ بنُ الأجدَعِ وشُتَيرُ بنُ شَكَلٍ، وهما مِنَ التَّابِعينَ مِن تَلاميذِ عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه، في المَسجِدِ، فتَجمَّعُ النَّاسُ حَولَهما حَتَّى يَسمَعوا مِنهما، فقال مَسروقٌ لشُتَيرٍ: لا أرى هؤلاء يَجتَمِعونَ إلينا إلَّا ليَستَمِعوا مِنَّا خَيرًا، فإمَّا أن تُحَدِّثَ عن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ فأُصَدِّقَك أنا، وإمَّا أن أُحَدِّثَ عن عبدِ اللهِ فتُصَدِّقَني؟ فقال شُتَيرٌ: حَدِّثْ أنتَ يا مَسروقُ. فقال مَسروقٌ: هَل سَمِعتَ عبدَ اللهِ بنَ مَسعودٍ يَقولُ: العَينانِ تَزنيانِ واليَدانِ تَزنيانِ والرِّجلانِ تزنيانِ، والفَرجُ يُصَدِّقُ ذلك أو يُكَذِّبُه؟ فقال شُتيرٌ: نَعَم. فقال مَسروقٌ: وأنا سَمِعتُه، أي: أنَّهما جَميعًا سَمِعا هذا الحَديثَ مِنِ ابنِ مَسعودٍ، وزِنا العَينَينِ: النَّظَرُ الحَرامُ إلى ما لا يَحِلُّ، وزِنا اليَدَينِ المسُّ بأن يَمَسَّ أجنَبيَّةً بيَدِه، وزِنا الرِّجلَينِ المَشيُ إلى الحَرامِ بأن يَمشيَ إلى الزِّنا، فكُلُّ هذه أنواعٌ مِنَ الزِّنا المَجازيِّ التي تَجعَلُ الفَرجَ يُصَدِّقُ ذلك كُلَّه أو يُكَذِّبُه، أي: أنَّه قد يُحَقَّقُ الزِّنا بالفَرجِ، وقد لا يَتَحَقَّقُ بأن لا يولجَ الفَرجَ في الفَرجِ وإن قارَبَ ذلك. ثُمَّ قال مَسروقٌ لشُتَيرٍ: فهَل سَمِعتَ عبدَ اللهِ بنَ مَسعودٍ يَقولُ: ما في القُرآنِ آيةٌ أجمَعَ لحَلالٍ وحَرامٍ وأمرٍ ونَهيٍ مِن هذه الآيةِ: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}
[النحل: 90] ؟ قال شُتَيرٌ: نَعَم، وأنا قد سَمِعتُه، أي: أنَّهما سَمِعا أيضًا ذلك مِنِ ابنِ مَسعودٍ. فهذه الآيةُ جامِعةٌ لجَميعِ المَأموراتِ والمَنهيَّاتِ لَم يَبقَ شَيءٌ إلَّا دَخَلَ فيها. ثُمَّ قال مَسروقٌ لشُتَيرٍ: فهَل سَمِعتَ عبدَ اللهِ بنَ مَسعودٍ يَقولُ: ما في القُرآنِ آيةٌ أسرَعُ فرَجًا مِن قَولِه: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا}
[الطلاق: 2] ؟ قال شُتَيرٌ: نَعَم. فقال مَسروقٌ: وأنا قد سَمِعتُه. والمَعنى: أنَّ مَنِ اتَّقى اللَّهَ تعالى جَعل اللهُ له مِن كُلِّ شَيءٍ مَخرَجًا مِن كُرَبِ الدُّنيا والآخِرةِ. قال مَسروقٌ: فهَل سَمِعتَ عبدَ اللهِ بنَ مَسعودٍ يَقولُ: ما في القُرآنِ آيةٌ أشَدُّ تَفويضًا. والتَّفويضُ: هو الرَّدُّ إلى اللهِ وجَعلُه حاكِمًا فيه، مِن قَولِه: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}
[الزمر: 53] ؟ قال شُتَيرٌ: نَعَم، وأنا سَمِعتُه. فهذه الآيةُ دَعوةٌ لجَميعِ العُصاةِ مِنَ الكَفرةِ وغَيرِهم إلى التَّوبةِ والإنابةِ، وإخبارٌ بأنَّ اللَّهَ يَغفِرُ الذُّنوبَ جَميعًا لمَن تابَ مِنها ورَجَعَ عنها، وإن بلَغَت ما بلَغَت!
وفي الحَديثِ مُذاكَرةُ العِلمِ والتَّثَبُّتُ مِمَّا سَمِعَه التَّلاميذُ مِنَ الشَّيخِ.
وفيه بَيانُ أنَّ العَينَ تَزني.
وفيه بَيانُ أنَّ اليَدَ تَزني.
وفيه بَيانُ أنَّ الرِّجلَ تَزني.
وفيه بَيانُ أجمَعِ آيةٍ في القُرآنِ.
وفيه بَيانُ أسرَعِ آيةٍ للفَرَجِ.
وفيه بَيانُ أشَدِّ آيةٍ تَفويضًا وتَرغيبًا في التَّوبةِ .