الموسوعة الفقهية

المَطلَبُ الأوَّلُ: الأمُّ أحَقُّ بالحَضانةِ


إذا افتَرَق الزَّوجانِ ولهما طِفلٌ، فالأمُّ أحَقُّ بحَضانتِه [665]     فإذا بلَغَ الطِّفلُ سَبعَ سِنينَ يُخَيَّرُ بينَ أبيه وأمِّه. يُنظر: مبحث: (تخيير الغلام والجارية في الحَضانة). ما لم تتزوَّجْ.
الأدِلَّةُ:
أوَّلًا: مِنَ السُّنَّةِ
عن عَمرِو بنِ شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو: ((أنَّ امرأةً قالت: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ ابني هذا كان بَطني له وِعاءً، وثَدْيي له سِقاءً، وحِجْري له حِواءً، وإنَّ أباه طلَّقَني، وأراد أن ينتَزِعَه منِّي، فقال لها رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أنتِ أحَقُّ به ما لم تَنكِحي )) [666]     أخرجه أبو داود (2276) واللفظ له، وأحمد (6707). صَحَّحه ابن الملقن في ((البدر المنير)) (8/317)، وصَحَّح إسناده ابن كثير في ((إرشاد الفقيه)) (2/250)، وأحمد شاكر في تحقيق ((مسند أحمد)) (10/177)، وحَسَّن الحديث الشوكاني في ((السيل الجرار)) (2/437) وقال: لا مطعَنَ في إسنادِه. وقال ابنُ باز في ((حاشية بلوغ المرام)) (645): هو من قَبيلِ الحَسَنِ، ثم ذكَرَ أنَّ له إسنادَين أحدُهما يشُدُّ الآخَرَ ويقَوِّيه. وحَسَّنه الألباني في ((صحيح سنن أبي داود)) (2276).
ثانيًا: مِنَ الإجماعِ
نَقَل الإجماعَ على ذلك: ابنُ المُنذِرِ [667]     قال ابنُ المنذِرِ: (أجمَعَ كُلُّ من نحفَظُ عنه مِن أهلِ العِلمِ على أنَّ الزَّوجينِ إذا افتَرَقا ولهما وَلدٌ طِفلٌ: أنَّ الأمَّ أحَقُّ به ما لم تَنكِحْ). ((الإشراف)) (5/171). ، والخطَّابيُّ [668]     قال الخطَّابي: (لم يختَلِفوا أنَّ الأُمَّ أحَقُّ بالوَلَدِ الطِّفلِ مِنَ الأبِ ما لم تتزوَّجْ). ((معالم السنن)) (3/282). ، وابنُ عَبدِ البَرِّ [669]     قال ابنُ عبدِ البَرِّ: (لا أعلَمُ خِلافًا بين السَّلَفِ مِنَ العُلَماءِ والخَلَفِ في المرأةِ المُطَلَّقةِ إذا لم تتزوَّجْ: أنَّها أحَقُّ بوَلَدِها مِن أبيه ما دام طِفلًا صَغيرًا لا يُمَيِّزُ شَيئًا، إذا كان عِندَها في حِرزٍ وكِفايةٍ، ولم يَثبُتْ منها فِسقٌ، ولم تتزوَّجْ). ((الاستذكار)) (7/290). ، وابنُ قُدامةَ [670]     قال ابنُ قدامةَ: (هذا قَولُ يحيى الأنصاري، والزهري، والثوري، ومالك، والشافعي، وأبي ثور، وإسحاق، وأصحاب الرأي، ولا نعلَمُ أحدًا خالَفَهم). ((المغني)) (8/238). ، وابنُ القَيِّمِ [671]     قال ابنُ القيِّم: (إذا افترقَ الأبوانِ وبينَهما ولَدٌ فالأمُّ أحَقُّ به مِنَ الأبِ، ما لم يقُمْ بالأمِّ ما يمنَعُ تَقديمَها، أو بالوَلَدِ وَصفٌ يقتَضي تخييرَه، وهذا ما لا يُعرَفُ فيه نِزاعٌ، وقد قضى به خليفةُ رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أبو بكرٍ على عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، ولم يُنكِرْ عليه مُنكِرٌ). ((زاد المعاد)) (5/390). ، وابنُ الهمامِ [672]     قال ابنُ الهمام: («الأمُّ أحَقُّ بالولدِ» بالإجماعِ). ((فتح القدير)) (4/367). ، وبرهان الدين ابنُ مُفلحٍ [673]     قال ابنُ مفلح: («أحَقُّ النَّاسِ بحَضانةِ الطِّفلِ والمعتوهِ» وهو المختَلُّ العَقلِ «أمُّه» أي: إذا كانت حُرَّةً عاقِلةً عَدلًا في الظَّاهِرِ، لا نعلَمُ فيه خِلافًا). ((المبدع)) (8/200).
ثالثًا: مِنَ الآثارِ
عن القاسِمِ بنِ مُحمَّدٍ قال: (كانت عندَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّه عنه امرأةٌ مِن الأنصارِ، فوَلَدَت له عاصِمَ بنَ عُمَرَ، ثمَّ إنَّه فارَقَها، فجاء عُمَرُ قُباءَ، فوجد ابنَه عاصِمًا يلعَبُ بفِناءِ المسجِدِ، فأخذ بعَضُدِه فوَضَعه بين يَدَيه على الدابَّةِ، فأدركَتْه جَدَّةُ الغُلامِ فنازَعَتْه إيَّاه، حتى أتيا أبا بكرٍ الصِّدِّيقَ. فقال عُمَرُ: ابني. وقالت المرأةُ: ابني. فقال أبو بكرٍ: خَلِّ بينها وبَينَه. قال: فما راجَعَه عُمَرُ الكَلامَ) [674]     أخرجه مالك في ((الموطأ)) (2/767) واللفظ له، والبيهقي (16183). قال ابنُ عبد البرِّ في ((الاستذكار)) (6/297): مُنقَطِعٌ، ورُوِيَ مَشهورًا مِن وُجوهٍ مُنقَطِعةٍ ومتَّصِلةٍ.
وَجهُ الدَّلالةِ:
فيه دَلالةٌ على أنَّ الأُمَّ وأُمَّ الأُمِّ أَولى بالحَضانةِ مِن الأبِ [675]     ((الدرر البهية والروضة الندية)) للقنوجي (2/337).
رابِعًا: لأنَّ الأمَّهاتِ أشفَقُ وأرفَقُ، وأقدَرُ وأصبَرُ على تحَمُّلِ المشاقِّ بسَبَبِ الوَلَدِ على طُولِ الأعصارِ، وأفرَغُ للقِيامِ بخِدمتِه [676]     ((تبيين الحقائق)) للزيلعي (3/46)، ((المغني)) لابن قدامة (8/239).
خامِسًا: لأنَّ الأبَ لا يتولَّى الحَضانةَ بنَفسِه، وإنَّما يَدفَعُه إلى مَن يَقومُ به مِنَ النِّساءِ، فتكونُ الأُمُّ أَولى [677]     ((كشاف القناع)) للبهوتي (5/496).
سادِسًا: لأنَّها زادت على الأبِ بالوِلادةِ المحَقَّقةِ، والأنوثةِ اللَّائِقةِ بالحَضانةِ [678]     ((تحفة المحتاج)) لابن حجر الهيتمي (8/356).

انظر أيضا: