الموسوعة الفقهية

الفَرعُ الأوَّلُ: الطلاق بالصِّيغة المُعَلَّقة على شَرطٍ


اختَلَف العُلَماءُ في الصِّيغةِ المُعَلَّقةِ على شَرطٍ: هل يقَعُ بها الطَّلاقُ أم لا؛ على قَولَينِ:القول الأول: إذا كانت صيغةُ الطَّلاقِ مُعلَّقةً على شَرطٍ، وَقَع الطَّلاقُ بتحَقُّقِ الشَّرطِ؛ كأن يقولَ: إن فَعلْتِ كذا فأنتِ طالِقٌ، ففَعَلَتْ، أو: عَلَيَّ الطَّلاقُ إن فعَلْتُ كذا، ففَعَلَ: يَقَعُ الطَّلاقُ، وهذا باتِّفاقِ المَذاهِبِ الفِقهيَّةِ الأربَعةِ: الحَنَفيَّةِ [1777]   ((مختصر القدوري)) (ص: 156)، ((البحر الرائق)) لابن نجيم (4/3)، ((حاشية ابن عابدين)) (3/724). ، والمالِكيَّةِ [1778]   ((الكافي)) لابن عبد البر (2/578)، ((مختصر خليل)) (ص: 115)، ((مواهب الجليل)) للحطاب (5/348). ، والشَّافِعيَّةِ [1779]   ((روضة الطالبين)) للنووي (8/6)، ((نهاية المحتاج)) للرملي (7/19)، ((حاشيتا قليوبي وعميرة)) (3/325)، ((حاشية الشرواني على تحفة المحتاج)) (10/70). ، والحَنابِلةِ [1780]   ((الإنصاف)) للمرداوي (9/47)، ((الإقناع)) للحجاوي (4/16)، ((كشاف القناع)) للبهوتي (5/284، 260). ؛ وذلك لأنَّه أشبَهُ بالعِتقِ؛ لِما فيهما من قُوَّةٍ وسِرايةٍ؛ فالعِتقُ إذا عُلِّقَ على شَرطٍ وَقَع بوُجودِه، فكذلك الطَّلاقُ [1781]   ((المهذب في فقة الإمام الشافعي)) للشيرازي (3/21). القول الثاني: إن كان يَقصِدُ بتَعليقِ الطَّلاقِ الحَثَّ أو المَنعَ، فلا يقَعُ الطَّلاقُ، وعليه كفَّارةُ اليَمينِ، وإذا قَصَد وقوعَه عند تحقُّقِ الشَّرطِ وَقَع الطَّلاقُ، وهذا اختيارُ ابنِ تيميَّةَ [1782]   قال ابنُ تَيميَّةَ: (النوعُ الثَّالِثُ مِن الصِّيَغِ: أن يُعَلِّقَ الطَّلاقَ أو العَتاقَ أو النَّذرَ بشَرطٍ، فيَقولُ: إن كان كذا فعلَيَّ الطَّلاقُ، أو الحَجُّ، أو فعبيدي أحرارٌ، ونحو ذلك؛ فهذا يُنظَرُ إلى مقصودِه: فإن كان مقصودُه أن يحلِفَ بذلك ليس غرَضُه وقوعَ هذه الأمورِ -كمن ليس غرَضُه وقوعَ الطَّلاقِ إذا وقع الشَّرطُ-: فحُكمُه حُكمُ الحالِفِ، وهو من بابِ اليمينِ، وأمَّا إن كان مقصودُه وقوعَ هذه الأمورِ، كمَن غرَضُه وقوعُ الطَّلاقِ عند وقوعِ الشَّرطِ، مِثلُ أن يقولَ لامرأتِه: إن أبرأتِني مِن طلاقِك فأنتِ طالِقٌ، فتُبَرِّئُه، أو يكونُ غرضُه أنَّها إذا فَعَلَت فاحشةً أن يُطَلِّقَها، فيقولُ: إذا فعَلْتِ كذا فأنتِ طالِقٌ، بخلافِ مَن كان غرَضُه أن يحلِفَ عليها ليمنَعَها، ولو فعلَتْه لم يكُنْ له غرضٌ في طلاقِها؛ فإنَّها تارةً يكونُ طلاقُها أكرَهَ إليه مِنَ الشَّرطِ، فيكونُ حالِفًا، وتارةً يكونُ الشَّرطُ المَكروهُ أكرَهَ إليه من طلاقِها، فيكونُ مُوقِعًا للطلاقِ إذا وُجِدَ ذلك الشَّرطُ؛ فهذا يقَعُ به الطَّلاقُ... فالأصلُ في هذا: أن يُنظَرَ إلى مرادِ المتكَلِّمِ ومَقصودِه، فإن كان غرَضُه أن تقَعَ هذه الأمورُ، وَقَعت مُنجَزةً أو مُعلَّقةً إذا قصَدَ وُقوعَها عند وقوعِ الشَّرطِ، وإن كان مقصودُه أن يحلِفَ بها، وهو يكرَهُ وُقوعَها إذا حَنَث وإن وقع الشَّرطُ، فهذا حالِفٌ بها، لا مُوقِعٌ لها، فيكونُ قَولُه مِن «بابِ اليمينِ»، لا مِن «باب التَّطليقِ والنَّذرِ»). ((مجموع الفتاوى)) (33/60). ، وابنِ باز [1783]   قال ابنُ باز: (هذا الكلامُ فيه تفصيلٌ؛ فإذا كُنتَ أردْتَ مَنْعَ نَفسِك من هذا الشَّيءِ، قُلتَ: عليَّ الطَّلاقُ لا أفعَلُ كذا، عليَّ الطَّلاقُ لا أكَلِّمُ فُلانًا، عليَّ الطَّلاقُ لا أزورُ فُلانًا... فإذا كان المقصودُ حَثَّ نَفسِك على الفِعلِ أو التَّركِ، وليس المقصودُ فِراقَ أهلِك إن لم تفعَلْ أو إنْ فعَلْتَ: فهذا له حُكمُ اليَمينِ، وفيه الكَفَّارةُ...، أمَّا إذا أردْتَ إيقاعَ الطَّلاقِ مع مَنْعِ نَفسِك مِن هذا الشَّيءِ، قُلتَ: عليَّ الطَّلاقُ لا أفعَلُ كذا، عليَّ الطَّلاقُ لا أكلِّمُ فُلانًا، عليَّ الطَّلاقُ لا أزورُ فُلانًا، ومقصودكُ الامتناعُ وفِراقُ أهلِكَ أيضًا إنْ فَعَلْتَ: فإنَّه يقَعُ الطَّلاقُ طَلقةً واحِدةً بهذا الكلامِ؛ لأنَّك أردْتَ إيقاعَ الطَّلاقِ، والأعمالُ بالنيَّاتِ، وهكذا أشباهُ ذلك). ((فتاوى نور على الدرب)) (22/193). ، وابنِ عُثيمين [1784]   قال ابنُ عُثيمين: (اعلَمْ أنَّ تعليقَ الطَّلاقِ بالشُّروطِ ينقَسِمُ إلى ثلاثةِ أقسامٍ: الأوَّلُ: أن يكونَ شرطًا محضًا، فيَقَعَ به الطَّلاقُ بكُلِّ حالٍ. الثاني: أن يكونَ يمينًا مَحْضًا، فلا يَقَعَ به الطَّلاقُ، وفيه كَفَّارةُ يمينٍ. الثَّالِثُ: أن يكونَ مُحتَمِلًا الشَّرطَ المحْضَ واليمينَ المحْضَ؛ فهذا يُرجَعُ فيه إلى نيَّةِ المُعلِّقِ، وهذا هو الصَّحيحُ في هذه المسألةِ، وهو الذي تقتضيه الأدِلَّةُ، وهو اختيارُ شَيخِ الإسلامِ ابنِ تيميَّةَ رحمه الله... مثالُ التعليقِ المحضِ: أن يقولَ: إذا غَرَبت الشَّمسُ فأنت طالِقٌ، فإذا غَرَبَت طَلَقَت؛ لأنَّه عَلَّقَه على شَرطٍ مَحضٍ. ومثالُ اليَمينِ المحضِ: أن يقولَ: إنْ كَلَّمتُ زيدًا فامرأتي طالِقٌ، وهو يقصِدُ الامتناعَ مِن تكليمِ زَيدٍ، فهذا يمينٌ مَحضٌ؛ لأنَّه لا عَلاقةَ بينَ كَلامِه زيدًا وتطليقِه امرأتَه. مثال ما كان محتَمِلًا للأمرينِ: أن يقولَ لِزَوجتِه: إنْ خَرجْتِ مِن البيتِ فأنت طالِقٌ، فيَحتَمِلُ أنَّه أراد الشَّرطَ، بمعنى: أنَّ امرأتَه إذا خرَجَت طابت نفسُه منها، ووقع عليها طلاقُه، وحينئذٍ يكونُ مُريدًا للطلاقِ؛ فإذا خرَجَت من البيتِ طَلَقَت، فكأنَّه يقولُ: إذا خرَجْتِ من البيتِ أصبحتِ امرأةً غيرَ مَرغوبٍ فيك عندي، فأنا أكرَهُكِ؛ فحينئذٍ يقَعُ الطَّلاقُ؛ لأنَّه شَرطٌ مَحضٌ. الاحتمالُ الثاني: ألَّا يكونَ قَصدُه إيقاعَ الطَّلاقِ، بل هو راغِبٌ في زوجتِه ولو خرَجَت، ولا يريدُ طلاقَها، لكِنَّه أراد بهذا أن يمنَعَها مِن الخروجِ، فعَلَّقه على طلاقِها؛ تهديدًا، فإذا خرَجَت في هذه الحالِ فإنَّها لا تَطلُقُ؛ لأنَّ هذا يُرادُ به اليمينُ). ((الشرح الممتع)) (13/125).
الأدِلَّةُ:
أوَّلًا: مِنَ السُّنَّةِ
عن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه قال: سَمِعتُ رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: ((إنَّما الأعمالُ بالنيَّاتِ، وإنَّما لكُلِّ امرئٍ ما نوى )) [1785]   الحديث أخرجه البخاري (1) واللفظ له، ومسلم (1907). ويُنظر: ((فتاوى نور على الدرب)) لابن عثيمين (10/234).
وَجهُ الدَّلالةِ:
قَولُه: ((إنَّما الأعمالُ بالنيَّاتِ)) دليلٌ على أنَّ الطَّلاقَ المعَلَّقَ: على نيَّةِ صاحِبِه، وأنَّ الاعتبارَ بقَصدِه ومُرادِه؛ فهو الذي تُبنى عليه الأحكامُ [1786]   ((الفتاوى الكبرى)) لابن تَيميَّةَ (3/269)، ((مجموع الفتاوى)) لابن باز(22/48).
ثانيًا: لِعَدَمِ قَصدِ وُقوعِ الطَّلاقِ ولا خُطورِه على قَلبِه، وإنَّما يَقصِدُ الزَّجرَ والمَنعَ؛ فهو مِن بابِ اليَمينِ [1787]   ((مجموع الفتاوى)) لابن تَيميَّةَ (33/60)، ((إعلام الموقعين)) لابن القيم (5/519).
ثالثًا: كما لو قَصَد مَنْعَ نَفسِه بالتزامِ ما يَكرَهُه مِنَ الكُفرِ، فإنَّ كراهتَه لذلك كُلِّه، وإخراجَه مَخرَجَ اليَمينِ بما لا يريدُ وُقوعَه: مَنَع مِن ثُبوتِ حُكمِه [1788]   ((إعلام الموقعين)) لابن القيم (3/52).

انظر أيضا: