الموسوعة الفقهية

المبحث السَّابع: وُجودُ سهمِ الصَّائِدِ أو أثَرِه في المَصِيدِ إذا غاب عنه

يُشترَطُ لحِلِّ المَصِيدِ إذا غاب عنِ الصَّائدِ ووَجَدَه مَيِّتًا، أنْ يَجِدَ سهمَه فيه أو أَثَرَه، وهو مذهبُ الجمهورِ: الحَنَفيَّةِ [173] ((العناية)) للبابرْتي (10/127)، ((البحر الرائق)) لابن نُجَيْم (8/258). ، والمالِكيَّةِ [174] وحِلُّه عندهم مشروطٌ بأنْ يُدرِكَه قبلَ البَياتِ ليلةً؛ لاحتِمالِ أنْ تَكونَ قتلَتْه هامةٌ مِن هَوامِّ اللَّيلِ، مع إنفاذِ المقاتلِ وثَباتِ السَّهمِ فيه. وذَهَب بعضُهم إلى أنَّه لا بأسَ بأكْلِه وإنْ بات، ورجَّحَه بعضُهُم. ((شرح الزُّرْقاني على مختصر خليل)) (3/22)، ((حاشية الدسوقي على الشرح الكبير)) (2/106). ، والحنابلةِ في الأشهَرِ [175] وذلك سواءٌ غاب عنه يومًا أو أكثرَ. ((المبدع)) لابن مفلح (8/45)، ((الإنصاف)) للمَرْداوي (10/319)، ((كشَّاف القِناع)) للبُهُوتي (6/220). ، وقولٌ عند الشَّافِعيَّةِ صحَّحَهُ النَّوويُّ وصَوَّبه [176] ((المجموع)) للنَّووي (9/115)، ((نهاية المحتاج)) للرَّمْلي (8/123 ،124). ، وهو قولُ جمهورِ أهلِ العِلمِ [177] قال ابن القَطَّان: (وقال عَدِيُّ بنُ حاتمٍ: قُلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنَّا أهلُ صَيْدٍ، فيَرْمي أحدُنا الصَّيْدَ فيَغيبُ عنه اللَّيلةَ واللَّيلتَيْنِ ثُمَّ يَبْلُغُ أَثَرَه فيَجِدُ سهْمَه فيه؟ قال: ((إذا وَجَدْتَ سهمَك فيه ولم تَجِدْ أَثَرَ سَبُعٍ قَتَلَه، فكُلْهُ)). هذا قولُ جمهورِ أهلِ العِلمِ). ((الإقناع في مسائل الإجماع)) (1/316).
الأدلَّة:
أولًا: مِنَ السُّنَّةِ
1- عن عَدِيِّ بنِ حاتمٍ رضيَ اللهُ عنه، قال: ((قُلتُ: يا رسولَ الله، إنَّا أهلُ صَيْدٍ، وإنَّ أَحَدَنا يَرْمي الصَّيْدَ فيَغيبُ اللَّيلَتَيْنِ والثَّلاثَ فنَجِدُه مَيِّتًا؟ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : إذا وَجَدْتَ فيهِ أَثَرَ سهمِكَ، ولم يَكُنْ فيه أَثَرُ سَبُعٍ، وعَلِمْتَ أنَّ سهمَكَ قَتَلَه؛ فكُلْ)) [178] أخرجه أبو داودَ (2853)، والتِّرمذيُّ (1468)، والنَّسائيُّ (4300)، وأحمدُ (19369) بألفاظ قريبة، وأصله في الصحيحين. قال التِّرمذيُّ: حسَنٌ صحيح، وصحَّحه البيهقي في ((السنن الصغرى)) (4/38)، والألباني في ((صحيح الترمذي)) (1468).
وجهُ الدَّلالةِ:
أنَّه شَرَطَ العِلمَ بأنَّ سهْمَه قَتَلَه [179] ((فتح العزيز)) للرَّافعي (12/35).
2 - وعنه رضي الله عنه قال: ((إذا أرْسَلْتَ كَلْبَكَ وسَمَّيْتَ فأمْسَكَ وقَتَلَ فَكُلْ، وإنْ أكَلَ فلا تَأْكُلْ، فإنَّما أمْسَكَ علَى نَفْسِهِ، وإذا خالَطَ كِلابًا، لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عليها، فأمْسَكْنَ وقَتَلْنَ فلا تَأْكُلْ، فإنَّكَ لا تَدْرِي أيُّها قَتَلَ، وإنْ رَمَيْتَ الصَّيْدَ فَوَجَدْتَهُ بَعْدَ يَومٍ أوْ يَومَيْنِ ليسَ به إلَّا أثَرُ سَهْمِكَ فَكُلْ، وإنْ وقَعَ في الماءِ فلا تَأْكُلْ)) أخرجه البخاري (5484) واللفظ له، ومسلم (1929).
ثانيًا: أنَّ جَرْحَه بسَهْمِه سببُ إباحتِه، وقد وُجِدَ يقينًا، والمُعارِضُ له مَشكوكٌ فيه؛ فلا تَزولُ عن اليقينِ بالشَّكِّ، ولأنَّه وَجَده وسَهْمُه فيه، ولم يَجِدْ به أَثَرًا آخَرَ؛ فأَشْبَهَ ما لو لم يَتْرُكْ طَلَبَه، أو كما لو غاب نَهارًا، أو مُدَّةً يسيرةً، أو كما لو لم يَغِبْ [181] ((المغني)) لابن قُدامةَ (9/379).
ثالثًا: أنَّ الأصلَ عَدَمُ سببٍ آخَرَ زَهَقَتْ بهِ نفْسُه، بخِلافِ ما إذا تَردَّى في ماءٍ أو خالَطَ كلبُه كِلابًا أخرى؛ فإنَّ تلك الأسبابَ شارَكَتْ في الزُّهوقِ [182] ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (34/82).
مطلبٌ: مَن رَمَى صَيْدًا فأَثْخَنه، ثُمَّ رماهُ آخَرُ فقَتَلَه
مَن رَمَى صَيْدًا فأَثْخَنه [183] أَثخَنَه: أي: أَرهَقَه وأَوْهَنَه، ولم يُصِبْ مَقاتِلَه. يُنظر: ((الصحاح)) للجوهري (5/2087). ، ثُمَّ رماهُ آخَرُ فقَتَلَه، لم يُؤْكَلْ، وذلك باتِّفاقِ المَذاهبِ الفِقهيَّةِ الأربعةِ: الحَنَفيَّةِ [184] ((حاشية ابن عابدين)) (6/474)، ((بدائع الصنائع)) للكاساني (5/59). ، والمالِكيَّةِ [185] ((التاج والإكليل)) للموَّاق (3/214)، ((حاشية الدسوقي على الشرح الكبير)) (2/103). ، والشَّافِعيَّةِ [186] ((المجموع)) للنَّووي (9/128)، ((مغني المحتاج)) للشربيني (4/266). ، والحنابلةِ [187] ((الإنصاف)) للمَرْداوي (10/324)، ويُنظر: ((المغني)) لابن قُدامةَ (9/384).
الأدلَّة:
أوَّلًا: مِنَ السُّنَّة
عن أنسٍ رضيَ اللهُ عنه، قال: ((نَهَى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنْ تُصْبَرَ [188] تُصْبَر: أي: تُحبَس البهيمةُ حَيَّةً لتُقتَلَ بالرَّمي. يُنظر: ​((إكمال المُعْلِم بفوائد مسلم)) للقاضي عياض (6/396)، ((الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري)) للكرماني (20/104)، ((التنوير شرح الجامع الصغير)) للصَّنعاني (10/598). البَهائمُ)) [189] أخرجه البخاري (5513)، ومسلم (1956).
ثانيًا: أنَّه خَرَج عن كَوْنِه صَيْدًا بالرَّميِ الأوَّلِ، لخُروجِه عن حدِّ الامتِناعِ، فالرَّميُ الثَّاني لم يُصادِفْ صَيْدًا، فلم يَكُنْ ذَكاةً له؛ فلا يُؤْكَلُ [190] ((بدائع الصنائع)) للكاساني (5/59)، ((التاج والإكليل)) للموَّاق (3/214).

انظر أيضا: