الموسوعة الفقهية

المبحث الثَّاني: ذَبحُ الأضْحِيَّةِ


المطلب الأوَّل: تعريفُ الأضْحِيَّةِ ومَشْروعِيَّتُها وحِكْمَةُ المشروعيَّة وفَضْلُها
الفرع الأوَّل: تعريف الأضْحِيَّة
الأضْحِيَّة لغةً: اسمٌ لِمَا يُضَحَّى به، أي: يُذبَحُ أيَّامَ عيدِ الأضحى، وجمعُها: الأَضاحِيُّ ((أنيس الفقهاء)) للقونوي (ص: 103). قال ابنُ فارس: (الضاد والحاء والحرف المعتل أصلٌ صحيحٌ واحدٌ يدلُّ على بُروزِ الشيءِ. فالضَّحَاء: امتداد النَّهارِ، وذلك هو الوقتُ البارز المنكشف. ثمَّ يقال للطَّعام الذي يُؤكَل في ذلك الوقتِ ضَحاء... ويقال ضحِي الرَّجلُ يَضْحَى، إذا تعرَّضَ للشَّمْس، وضَحَى مثلُهُ. ويقال اضْحَ يا زيدُ، أي ابرُزْ للشَّمْس... وإِنما سُمِّيتْ بذلك لأنَّ الذَّبيحة في ذلك اليوم لا تكون إلَّا في وقت إشراق الشَّمس. ويقال ليلَةٌ إِضحيَانةٌ وضَحْيَاءُ، أي: مضيئةٌ لا غيمَ فيها) ((معجم مقاييس اللغة)) (3/391). وقال الخطيب الشربيني: (مشتقةٌ مِنَ الضَّحوة؛ وسُمِّيَت بأوَّل زمانِ فِعْلِها، وهو الضحى) ((مغني المحتاج)) (4/282).
الأضْحِيَّةُ اصطلاحًا: ما يُذبَحُ من بهيمةِ الأنعامِ في يومِ الأضحى إلى آخِرِ أيَّامِ التَّشريقِ تقرُّبًا إلى اللهِ تعالى ((فتح القدير)) للكمال ابن الهمام (9/ 505)، ((مغني المحتاج)) للشربيني (4/ 282)، ((كشاف القناع)) للبهوتي (2/530).
الفرع الثَّاني: مشروعيَّة الأضْحِيَّة
الأضْحِيَّة مشروعةٌ.
الدَّليلُ مِنَ الإجماعِ:
نقل الإجماعَ على مشروعِيَّتِها: ابنُ قُدامة قال ابنُ قُدامة: (أجمع المسلمون على مشروعيَّة الأُضْحِيَّة). ((المغني)) (9/ 435). ، وابنُ دقيق العيد قال ابنُ دقيق العيد: (لا خلاف أنَّ الأُضْحِيَّة من شعائِرِ الدِّينِ)). ((إحكام الأحكام)) (ص: 482). ، وابنُ حَجَر قال ابنُ حجر: (ولا خلاف في كونها من شرائع الدين)). ((فتح الباري)) (10/ 3). ، والشوكانيُّ قال الشوكاني: (لا خلاف في مشروعية الأُضْحِيَّة وأنها قربة عظيمة وسنة مؤكدة). ((السيل الجرار)) (ص: 715).
الفرع الثَّالث: حِكْمةُ مَشْروعيَّتِها
مِن حِكَمِ مشروعيَّةِ الأضْحِيَّة ((الموسوعة الفقهية الكويتية)) (5/ 76). :
1- شُكْرُ اللهِ تعالى على نِعمةِ الحياةِ.
2- إحياءُ سُنَّةِ إبراهيمَ الخليلِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ حين أمَرَه الله عزَّ اسمُه بذَبحِ الفِداءِ عن ولَدِه إسماعيلَ عليه الصَّلاة والسَّلامُ في يومِ النَّحرِ، وأن يتذكَّرَ المؤمِنُ أنَّ صَبرَ إبراهيمَ وإسماعيلَ- عليهما السَّلامُ- وإيثارَهما طاعةَ اللهِ ومحَبَّتَه على محبَّةِ النَّفْسِ والولدِ- كانا سبَبَ الفِداءِ ورَفْعِ البلاءِ، فإذا تذَكَّرَ المؤمِنُ ذلك اقتدى بهما في الصَّبرِ على طاعةِ الله، وتقديمِ محبَّتَه عزَّ وجلَّ على هوى النَّفْسِ وشَهْوَتِها.
3- أنَّ في ذلك وسيلةٌ للتَّوسِعةِ على النَّفْسِ وأهلِ البَيتِ، وإكرامِ الجارِ والضَّيفِ، والتصَدُّقِ على الفقيرِ، وهذه كلُّها مظاهِرُ للفَرَحِ والسُّرورِ بما أنعَمَ اللهُ به على الإنسانِ، وهذا تحدُّثٌ بنعمةِ الله تعالى، كما قال عزَّ اسمُه: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى: 11]
4- أنَّ في الإراقةِ مبالغةً في تصديقِ ما أخبَرَ به اللهُ عزَّ وجلَّ؛ مِن أنَّه خَلَقَ الأنعامَ لنَفْعِ الإنسانِ، وأَذِنَ في ذَبْحِها ونَحْرِها؛ لتكونَ طعامًا له.
الفرع الرابع: فَضْلُ الأضْحِيَّة
أوَّلًا: مِنَ الكِتاب
قَولُه تعالى: ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج: 32]
وَجْهُ الدَّلالةِ:
أنَّ الأضْحِيَّة مِن شعائِرِ اللهِ تعالى ومعالِمِه قال ابنُ تيميَّة: إنَّها مِن أعظَمِ شعائِرِ الإسلامِ، وهي النُّسُك العامُّ في جميعِ الأمصارِ، والنُّسُكُ مقرون بالصَّلاةِ في قوله تعالى: إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ **الأنعام: 162** وقد قال تعالى: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ **الكوثر: 2**. فأمر بالنَّحرِ كما أمَرَ بالصَّلاة. وقد قال تعالى: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ **الحج: 34** وقال تعالى: وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ **الحج: 36** لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ **الحج: 37** وهي مِن ملَّةِ إبراهيمَ الذي أُمِرْنا باتِّباعِ ملَّتِه، وبها يُذكَر قصَّة الذبيحِ، فكيف يجوز أنَّ المسلمينَ كُلَّهم يتركونَ هذا لا يفعَلُه أحدٌ منهم، وترْكُ المسلمين كُلِّهم هذا؛ أعظَمُ مِن تَرْكِ الحجِّ في بعض السنين. وقد قالوا: إنَّ الحجَّ كلَّ عامٍ فَرْضٌ على الكفايةِ؛ لأنَّه من شعائِرِ الإسلامِ، والضحايا في عيدِ النَّحرِ كذلك، بل هذه تُفعَل في كلِّ بلدٍ هي والصَّلاةُ، فيَظْهَرُ بها عبادةُ اللهِ وذِكْرُه، والذَّبْحُ له والنُّسُك له ما لا يظهَرُ بالحجِّ، كما يظهَرُ ذكرُ الله بالتكبيرِ في الأعيادِ. ((مجموع الفتاوى)) (23/ 162، 163).
ثانيًا: مِنَ السُّنَّةِ
عن البَرَاءِ رَضِيَ اللهُ عنه: قال: قال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((مَن ذبَحَ قبل الصَّلاةِ فإنَّما يذبحُ لنَفْسِه، ومَن ذَبَحَ بعد الصَّلاةِ فقد تَمَّ نسُكُه وأصاب سُنَّةَ المُسْلمينَ )) رواه البخاري (5556) واللفظ له، ومسلم (1961).
ثالثًا: أنَّ الذَّبحَ لله تعالى والتقَرُّبَ إليه بالقَرابينِ؛ من أعظَمِ العباداتِ، وأجَلِّ الطاعاتِ، وقد قَرَنَ اللهُ عزَّ وجلَّ الذَّبحَ بالصَّلاةِ في عِدَّةِ مواضِعَ مِن كتابِه العظيمِ؛ لبيانِ عِظَمِه وكَبيرِ شَأنِه وعُلُوِّ مَنزِلَتِه ((مجلة البحوث الإسلامية)) (69/ 211).
المطلب الثَّاني: حكم الأضْحِيَّة، وطريقةُ تعيينها
الفرع الأوَّل: حُكْمُ الأضْحِيَّة
الأضْحِيَّة سُنَّةٌ مؤكَّدةٌ، وهذا مَذهَبُ الجُمْهورِ: المالِكيَّة في المشهور ((الكافي)) لابن عَبْدِ البَرِّ (1/418)، ((مواهب الجليل)) للحطاب (4/362)، ويُنظر: ((أحكام القرآن)) لابن العربي (4/459). ، والشَّافعيَّة ((المجموع)) للنووي (8/382)، ويُنظر: ((الحاوي الكبير)) للماوردي (15/161). ، والحَنابِلة ((المغني)) لابن قُدامة (9/435)، ((كشاف القناع)) للبهوتي (3/21). ، ومذهب الظَّاهريَّة ((المحلى)) لابن حزم (7/ 355، 358 رقم 973)، ((شرح النووي على مسلم)) (13/ 110). ، وهو إحدى الرِّوايتينِ عن أبي يوسُفَ ((تبيين الحقائق)) للزيلعي و((حاشية الشلبي)) (6/ 2)، ((فتح القدير)) للكمال ابن الهمام (9/ 506). وبه قال أكثرُ أهلِ العِلمِ قال الترمذي: (العملُ على هذا عند أهل العلم: أنَّ الأُضْحِيَّة ليست بواجبةٍ، ولكنها سنَّةٌ من سُنَنِ رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ يُستَحَبُّ أن يُعمَل بها، وهو قول سفيان الثوري، وابن المبارك). ((سنن الترمذي)) (4/92) وقال ابنُ حزم: (صحَّ أنَّ الأُضْحِيَّة ليست واجبةً عن سعيد بن المسيب والشعبي، وأنه قال: (لَأَنْ أتصدَّقَ بثلاثةِ دراهِمَ أحبُّ إليَّ مِن أنْ أضَحِّيَ)، وعن سعيد بن جبير, وعن عطاء, وعن الحسن, وعن طاووس, وعن أبي الشعثاء جابر بن زيد، وروي أيضًا عن علقمة, ومحمد بن علي بن الحسين، وهو قول سفيان, وعبيد الله بن الحسن, والشافعي, وأحمد بن حنبل, وإسحاق, وأبي سليمان، وهذا ممَّا خالف فيه الحنفيُّون جمهورَ العُلَماء. ((المحلى)) (7/ 358 رقم 973). وقال ابنُ قُدامة: (رُويَ ذلك عن أبي بكرٍ وعمر، وبلال وأبي مسعود البدري- رضي الله عنهم، وبه قال سُوَيد بن غَفَلة، وسعيد بن المسيب، وعلقمة، والأسود، وعطاء، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المُنْذِر) ((المغني)) (9/435). وقال النووي: (فقال جمهورهم: هي سُنَّةٌ في حقِّه، إنْ تَرَكَها بلا عذرٍ لم يأثَمْ ولم يلزَمْه القضاءُ، وممن قال بهذا: أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وبلال وأبو مسعود البدرى وسعيد بن المسيب وعلقمة والأسود وعطاء ومالك وأحمد وأبو يوسف واسحاق وأبو ثور والمزنى وابن المُنْذِر وداود وغيرهم). ((شرح النووي على مسلم)) (13/ 110).
الأدِلَّة:
أوَّلًا: مِنَ السُّنَّةِ
1- عن أمِّ سَلَمةَ رَضِيَ اللهُ عنها، قالت: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إذا دخَلَت العَشْرُ، وأراد أحَدُكم أن يضَحِّيَ؛ فلا يَمَسَّ مِن شَعَرِه وبَشَرِه شيئًا )) رواه مسلم (1977).
وَجْهُ الدَّلالةِ:
أنَّه عَلَّقَ الأضْحِيَّةَ بالإرادةِ، والواجِبُ لا يُعلَّقُ بالإرادةِ قال الشافعي: في هذا الحديثِ دَلالةٌ على أنَّ الضحِيَّة ليست بواجبةٍ؛ لقولِ رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((فأراد أحَدُكم أن يضَحِّيَ)) ولو كانت الضَّحِيَّةُ واجبةً أشبَهَ أن يقول: فلا يَمَسَّ من شَعْرِه حتى يضَحِّيَ. ((معَرَفة السنن والآثار)) (14/ 15)، ويُنْظَر: ((الحاوي الكبير)) للماوردي (15/72)، ((المحلى)) لابْن حَزْمٍ (7/ 355 رقم 973)، ((المغني)) لابن قُدامة (9/ 436).
2- عن عائشةَ رَضِيَ اللهُ عنها: ((أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمَرَ بكبشٍ أقرَنَ، يطَأُ في سوادٍ، ويَبْرُكُ في سوادٍ، وينظُرُ في سوادٍ؛ فأُتِيَ به ليُضَحِّيَ به، فقال لها: يا عائشةُ، هَلُمِّي المُدْيَةَ. ثم قال: اشْحَذِيها بحَجَرٍ، ففَعَلَتْ: ثمَّ أخَذَها وأخَذَ الكَبْشَ فأضجَعَه، ثم ذبَحَه، ثمَّ قال: باسْمِ اللهِ، اللهُمَّ تقبَّلْ مِن محمَّدٍ وآلِ محمَّدٍ، ومنْ أمَّةِ محمَّدٍ. ثم ضحَّى به )) رواه مسلم (1967).
وَجْهُ الدَّلالةِ:
أنَّ تَضْحِيَتَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن أمَّتِه وعن أهلِه؛ تُجْزِئُ عن كُلِّ مَن لم يُضَحِّ، سواءٌ كان متمكِّنًا مِنَ الأضْحِيَّةِ أو غيرَ متمَكِّنٍ ((الدراري المضية)) للشوكاني (2/ 344)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/ 204).
ثانيًا: مِنَ الآثارِ
1- عن حُذيفةَ بنِ أُسَيدٍ، قال: ((لقد رأيتُ أبا بكرٍ وعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما وما يُضَحِّيانِ عن أهلِهما؛ خَشْيَةَ أن يُسْتَنَّ بهما، فلمَّا جِئْتُ بلَدَكم هذا حَمَلَني أهلي على الجَفَاءِ بعدَ ما علِمْتُ السُّنَّةَ قال ابنُ عَبْدِ البَرِّ: (وهذا أيضًا مَحْمَلُه عند أهل العلمِ لئلَّا يُعتقَدَ فيها- للمواظَبةِ عليها- أنَّها واجبةٌ فرضًا، وكانوا أئمَّةً يَقتَدِي بهم مَن بعدَهم ممَّنْ ينظُرُ في دِينِه إليهم؛ لأنَّهم الواسِطةُ بين النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وبين أُمَّتِه، فساغ لهم مِنَ الاجتهادِ في ذلك ما لا يَسوغُ اليومَ لِغَيرِهم)). ((التمهيد)) (23/ 194، 195)، ويُنْظَر: ((تفسير القرطبي)) (15/ 108). )) رواه الطبراني (3/182) (3058)، والبيهقي (19508) واللفظ له. وجوَّدَ إسنادَه ابنُ كثيرٍ في ((إرشاد الفقيه)) (1/352)، وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (4/21): رجاله رجال الصحيح، وصحَّح إسنادَه الألباني في ((إرواء الغليل)) (4/355).
2- قال عِكْرَمةُ: ((كان ابنُ عبَّاسٍ يبعَثُني يومَ الأضحى بدرهمينِ أشتري له لَحْمًا، ويقول: مَن لَقِيتَ فقل: هذه أضْحِيَّةُ ابنِ عبَّاسٍ)) رواه البيهقي في ((معَرَفة السنن والآثار)) (14/15)، وقال: قال الشافعي: (وقد كان قلَّما يمُرُّ به يومٌ إلَّا نَحَرَ فيه أو ذبَحَ بمكَّة، وإنما أراد بذلك مثلَ الذي رُوِيَ عن أبي بكرٍ وعُمَرَ، ولا يعدو القولُ في الضحايا هذا، أو أن تكونَ واجبةً، فهي على كلِّ أحدٍ، لا تجزئُ غيرُ شاةٍ عن كلِّ أحدٍ).
3- عن أبى مسعودٍ الأنصاريِّ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: (إنِّي لأَدَعُ الأضحى وإنِّي لمُوسِرٌ؛ مخافةَ أن يرى جِيراني أنَّه حَتْمٌ عليَّ) رواه البيهقي (19511)، وصحَّح إسنادَه الألباني في ((إرواء الغليل)) (4/355).
ثالثًا: أنَّها ذبيحةٌ لم يجِبْ تفريقُ لَحْمِها، فلم تكُنْ واجبةً، كالعقيقةِ ((المغني)) لابن قُدامة (9/ 436).
الفرع الثَّاني: حُكْمُ الأضْحِيَّةِ المَنذورةِ
مَن نَذَرَ أن يُضَحِّيَ، فإنَّه يجِبُ عليه الوفاءُ بنَذْرِه، سواءٌ كان النَّذْرُ لأضْحِيَّةٍ معيَّنةٍ أو غيرِ مُعَيَّنةٍ، وهذا باتِّفاقِ المَذاهِبِ الفِقْهيَّةِ الأربَعةِ: الحَنَفيَّة ((البحر الرائق)) لابن نجيم (8/199). ، والمالِكيَّة ((حاشية الدسوقي)) (2/125)، ويُنظر: ((الذخيرة)) للقرافي (3/354). ، والشَّافعيَّة ((المجموع)) للنووي (8/423)، ((روضة الطالبين)) للنووي (3/208)، ((مغني المحتاج)) للشربيني (4/283). ، والحَنابِلة (مطالب أولي النهى)) للرحيباني (2/480)، ويُنظر: ((المغني)) لابن قُدامة (9/444).
الدَّليل مِنَ السُّنَّةِ:
عن عائشةَ، رَضِيَ اللهُ عنها عَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: ((مَن نَذَرَ أن يُطيعَ اللهَ فلْيُطِعْه، ومَن نَذَرَ أن يَعْصِيَه فلا يَعْصِه )) رواه البخاري (6696).
وَجْهُ الدَّلالةِ:
أنَّ التَّضْحيةَ قُربةٌ لله تعالى، فتلْزَمُ بالنَّذرِ؛ كسائِرِ القُرَبِ ((بدائع الصنائع)) للكاساني (5/61)، ((الموسوعة الفقهية الكويتية)) (5/79).
الفرع الثَّالث: ما يحصُلُ به تعيينُ الأضْحِيَّةِ
تَعْيِينُ الأضْحِيَّةِ يحصُلُ بشِراءِ الأضْحِيَّةِ مع النيَّةِ، وهو مذهَبُ الحَنَفيَّة مِنَ الحنفيَّة من يخُصُّ الفقيرَ بحصولِ التَّعيينِ بالشراءِ مع النيَّة؛ لأنَّها لا تجب عليه شرعًا، فتعَيَّنَت بالشراءِ مع النيَّة، فهو كالنَّذْرِ بالتضحِيَة، ومنهم من يسوِّي في ذلك بين الغنيِّ والفقير. ((المبسوط)) للسرخسي (12/ 12)، ((بدائع الصنائع)) للكاساني (5/68)، ((الهداية شرح البداية)) للمرغيناني (4/ 74)، ((تبيين الحقائق)) للزيلعي مع ((حاشية الشلبي)) (6/ 6). ، وقولٌ للحَنابِلة ((الشرح الكبير)) لشمس الدين ابن قُدامة (3/559)، ((الإنصاف)) للمرداوي (4/65). ، وبه قال ابنُ القاسِمِ مِنَ المالِكيَّة ((أحكام القرآن)) لابن العربي (4/459). ، واختاره ابنُ تيميَّة ((الإنصاف)) للمرداوي (4/65). ، وبه أفتَتِ اللَّجنةُ الدَّائمةُ نص فتوى اللجنة الدائمة: (الأُضْحِيَّة تتعيَّنُ بشرائها بِنيَّةِ الأُضْحِيَّةِ أو بتعْيِينها، فإذا تعَيَّنَت فولَدَت قبل وقتِ ذَبْحِها فاذبَحْ وَلَدَها تبعًا لها). ((فتاوى اللجنة الدائمة- المجموعة الأولى)) (11/ 402).
الأدِلَّة:
أوَّلًا: مِنَ السُّنَّةِ
1- عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه، عَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أنَّه قال: ((إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ، وإنَّما لكُلِّ امرئٍ ما نوى )) رواه البخاري (1) واللفظ له، ومسلم (1907).
2- عن أبي حُصَينٍ: أنَّ ابنَ الزُّبيرِ رَضِيَ اللهُ عنه رأى هَدْيًا له، فيه ناقَةٌ عَوْراءُ، فقال: إنْ كان أصابَها بعدما اشْتَرَيتُموها فأَمْضُوها، وإنْ كان أصابَها قبلَ أن تَشْتَرُوها فأَبْدِلُوها أخرجه البيهقي (10546) صحَّحه النووي في ((المجموع)) (8/363).
ثانيًا: أنَّ الفِعْلَ مع النيَّةِ يقومُ مقامَ اللَّفْظِ، إذا كان الفِعْلُ يدلُّ على المقصودِ؛ كمن بنى مسجدًا، وأَذِنَ في الصَّلاةِ فيه ((الشرح الكبير)) لشمس الدين ابن قُدامة (3/559).
ثالثًا: أنَّه مأمورٌ بشِراءِ أضْحِيَّةٍ، فإذا اشتراها بالنيَّةِ وقَعَتْ عنه كالوكيلِ ((الشرح الكبير)) لشمس الدين ابن قُدامة (3/559).
المطلب الثَّالث: شروط صحة الأضْحِيَّة
الفرع الأوَّل: أن تكونَ مِنَ الأنعامِ
يُشْتَرَط أن تكونَ الأضْحِيَّةُ مِن بهيمةِ الأنعامِ؛ وهي الإبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ.
الأدِلَّة:
أوَّلًا: مِنَ الكتاب
قال تعالى: لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ [الحج: 28]
ثانيًا: مِنَ السُّنَّةِ
1- عن أنسِ بنِ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: ((ضحى النبي صلى الله عليه وسلم بكبشين، أملحين أقرنين، ذبحهما بيده وسمى وكبر، ووضع رجله على صفاحهما )) رواه البخاري (5565)، ومسلم (1966) واللفظ له.
2- عن جابرٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((لا تَذْبَحوا إلَّا مُسِنَّةً المُسِنَّة: هي الثنيَّةُ مِن كلِّ شيء: مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ فما فوقَها. ((شرح النووي على مسلم)) (13/ 114)، ((نيل الأوطار)) للشوكاني (5/113). إلَّا أن يَعْسُرَ عليكم، فتَذْبحوا جَذَعةً مِنَ الضَّأْنِ )) رواه مسلم (1963).
ثالثًا: مِنَ الإجماعِ
نقلَ الإجماعَ على ذلك ابْنُ عَبْدِ البَرِّ قال ابنُ عَبْدِ البَرِّ: (والذي يُضَحَّى به بإجماعٍ مِنَ المسلمينَ الأزواجُ الثمانيَّة: وهي الضَّأن والمَعْزُ، والإبِلُ والبَقَرُ) ((التمهيد)) (23/188). ، وابنُ رُشْدٍ قال ابنُ رشد: (أجمع العُلَماء على جوازِ الضَّحايا من جميعِ بهيمةِ الأنعام، واختلفوا في الأفضَلِ من ذلك) ((بداية المجتهد)) (1/430). ، والنوويُّ قال النوويُّ: (فشَرْطُ المجزئِ في الأُضْحِيَّة: أن يكونَ مِنَ الأنعامِ: وهي الإبلُ والبَقَرُ والغَنَمُ؛ سواءٌ في ذلك جميعُ أنواعِ الإبِلِ مِنَ البَخَاتيِّ والعِرابِ، وجميعُ أنواعِ البَقَرِ مِنَ الجواميسِ والعِرابِ والدَّرْبانيَّةِ، وجميعُ أنواعِ الغَنَمِ مِنَ الضَّأنِ والمَعْزِ وأنواعِهما) ((المجموع)) (8/393). ، والصنعانيُّ قال الصنعاني: (أجمع العُلَماءُ على جوازِ التَّضحيةِ مِن جميعِ بهيمةِ الأنعام) ((سبل السلام)) (4/95).
الفرع الثَّاني: أن تكونَ قد بلغَتِ السِّنَّ المُعتَبَرة شَرعًا
يُشْتَرَط في الأضْحِيَّةِ أن تكون قد بلغَتِ السِّنَّ المُعتَبَرة شرعًا، فلا تُجْزِئُ التَّضحيَةُ بما دون الثنيَّةِ مِن غيرِ الضَّأنِ، ولا بما دُونَ الجَذَعةِ مِنَ الضَّأنِ.
الأدِلَّة:
أوَّلًا: مِنَ السُّنَّةِ
عن جابرٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((لا تَذبَحوا إلَّا مُسِنَّةً إلَّا أنْ يَعْسُرَ عليكم، فتذبَحوا جَذَعةً مِنَ الضَّأنِ )) رواه مسلم (1963).
ثانيًا: مِنَ الإجماعِ
نقلَ الإجماعَ على ذلك: ابنُ عَبْدِ البَرِّ قال ابنُ عَبْدِ البَرِّ: (لا أعلمُ خلافًا أنَّ الجَذَعَ مِنَ المَعْزِ ومِن كُلِّ شيءٍ يُضَحَّى به- غيرَ الضَّأنِ- لا يجوزُ، وإنَّما يجوز من ذلك كلِّه الثَّنِيُّ فصاعدًا، ويجوزُ الجَذَعُ مِنَ الضأنِ بالسُّنَّة المسنونةِ) ((التمهيد)) (23/188). وقال: (وأمَّا الأُضْحِيَّة بالجَذَع مِنَ الضأنِ فمُجتمَعٌ عليها عند جماعة الفقهاءِ) ((التمهيد)) (23/188). ، والنوويُّ قال النووي: (أجمعت الأمَّةُ على أنَّه لا يُجزِئُ مِنَ الإبلِ والبقَرِ والمَعْزِ إلَّا الثَّنِيُّ، ولا مِنَ الضَّأْنِ إلَّا الجَذَعُ) ((المجموع)) (8/394). ، والشنقيطيُّ قال الشنقيطي: (الأُضْحِيَّةُ لا تكون إلَّا بمُسِنَّة، وأنَّها إن تعسَّرَت فجَذَعةٌ مِنَ الضأنِ، فمَن ضحَّى بمُسِنَّة، أو بجَذَعةٍ مِنَ الضأنِ عند تعَسُّرها؛ فضَحِيَّتُه مُجْزِئةٌ إجماعًا) ((أضواء البيان)) (5/209). ، وحكاه ابْنُ حَزْمٍ في إجزاءِ الثَّنِيِّ مِنَ المَعْزِ قال ابنُ حزم: (اتَّفقوا أنَّ الثَّنِيَّ مِنَ الضأنِ فصاعدًا إذا كان سليمًا من كلِّ عيبٍ ونقصٍ مُذْ سُمِّيَ للتضحيةِ إلى أن يتِمَّ مَوْتُه بالذَّبحِ؛ أنَّه يُجزِىُء في الأُضْحِيَّة) ((مراتب الإجماع)) (ص 153). ، والتِّرمذيُّ في إجزاءِ الجَذَعِ مِنَ الضَّأنِ قال أبو عيسى الترمذي: (العمَلُ على هذا عند أهل العلمِ من أصحابِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وغيرِهم: أنَّ الجَذَعَ مِنَ الضأنِ يُجزِي في الأُضْحِيَّة) (سنن الترمذي) (4/87).
مسألةٌ: معنى الثَّنِيِّ مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ، والجَذَعِ مِنَ الضَّأْنِ
الثَّنِيُّ مِنَ الإبِلِ ما أتمَّ خَمْسَ سنينَ، ومِنَ البَقَرِ ما أتمَّ سَنتينِ، ومِنَ المَعْزِ ما أتمَّ سَنَةً، والجَذَعُ مِنَ الضَّأنِ ما أتمَّ سِتَّةَ أشْهُرٍ؛ نصَّ على هذا التَّفصيلِ: فُقهاءُ الحَنَفيَّةِ ((تبيين الحقائق)) للزيلعي و((حاشية الشلبي)) (6/ 7)، ويُنظر: ((بدائع الصنائع)) للكاساني (5/70). ، والحَنابِلة ((الإقناع)) للحجاوي (1/ 401)، ويُنظر: ((المغني)) لابن قُدامة (9/440). ، واختارَه ابنُ عُثيمين ((الشرح الممتع)) لابن عثيمين (7/425). ، وأفتت به اللَّجنةُ الدَّائمةُ جاء في فتوى اللجنة الدائمة: (لا يُجْزِئُ مِنَ الضأن في الأُضْحِيَّة إلَّا ما كان سِنُّه سِتَّةَ أشهُرٍ... ولا يجزئ مِنَ المَعْزِ والبَقَر والإبِلِ إلَّا ما كان مُسِنَّةً، سواء كان ذكرًا أم أنثى، وهي مِنَ المعزِ ما بلَغَتْ سنةً، ودخلَتْ في الثَّانيَة، ومِنَ البَقَرِ ما أتمَّتْ سنتينِ ودخَلَتْ في الثَّالثة، ومِنَ الإبِلِ ما أتمَّتْ خَمْسَ سنين ودخَلَتْ في السادسةِ) ((فتاوى اللجنة الدائمة – المجموعة الأولى)) (11/414-415).
الفرع الثَّالث: السَّلامةُ مِنَ العُيوبِ المانِعةِ مِنَ الإجزاءِ
يُشْتَرَطُ في الأضْحِيَّةِ السَّلامةُ مِنَ العيوبِ المانعةِ مِنَ الإجزاءِ، فلا تُجْزِئُ التَّضحيَةُ بالعوراءِ البَيِّنِ عَوَرُها، والمريضَةِ البَيِّنِ مَرَضُها، والعَرْجاءِ البَيِّنِ ضَلْعُها، والعَجْفاءِ التي لا تُنقِي فائدة: قال ابنُ عثيمين: (تقسم العيوب إلى ثلاثة أقسام: الأوَّل: ما دلَّتِ السنة على عدم إجزائِه، وهي أربعٌ: العوراءُ البَيِّنُ عَوَرُها، والمريضةُ البَيِّنُ مَرَضُها، والعرجاءُ البَيِّنُ ضَلْعُها، والعجفاءُ التي لا تُنقي، فهذه منصوصٌ على عدم إجزائها، ويُقاسُ عليها ما كان مِثْلَها أو أَوْلى منها، أمَّا ما كان مثلَها فإنَّه يُقاسُ عليها قياسَ مُساواةٍ، وأما ما كان أَوْلى منها فيُقاسُ عليها قياسَ أولويَّة. الثَّاني: ما ورد النهيُ عنه دون عدمِ الإجزاءِ، وهو ما في أُذُنه أو قرْنِه عيبٌ مِن خَرْقٍ، أو شِقٍّ طولًا أو شِقٍّ عَرْضًا، أو قَطْعٌ يسيرٌ دون النِّصف، فهذه ورد النهي عنها في حديثِ علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ولكنَّ هذا النهيَ يُحمَل على الكراهة؛ لوجود الحديث الحاصِرِ لعدم المجزئ بأربعةِ أصناف. الثَّالث: عيوبٌ لم يَرِدِ النَّهيُ عنها، ولكنها تنافي كمالَ السلامة، فهذه لا أثَرَ لها، ولا تُكرَه التضحية بها ولا تَحْرُم، وإن كانت قد تُعَدُّ عند النَّاس عيبًا، مثل العوراءِ التي عَوَرُها غيرُ بَيِّن، ومثل مكسورةِ السِّنِّ في غير الثنايا، وما أشبه ذلك، ومثل العرجاء عرَجًا يسيرًا، فهذه عيوبٌ، لكنَّها لا تمنَعُ الإجزاء، ولا تُوجِبُ الكراهةَ؛ لعدم وجود الدَّليلِ، والأصلُ البراءة). ((الشرح الممتع)) (7/440).
الأدِلَّة:
أوَّلًا: مِنَ السُّنَّةِ
عن البَراءِ بنِ عازبٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: ((سمعْتُ رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- وأشار بأصابِعِه، وأصابعي أقصَرُ مِن أصابِعِ رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- يُشيرُ بأُصْبُعِه؛ يقولُ: لا يجوز مِنَ الضحايا: العوراءُ البَيِّنُ عَوَرُها، والعَرْجاءُ البَيِّنُ عَرَجُها، والمريضةُ البَيِّنُ مَرَضُها، والعَجفاءُ العجفاءُ: هي المَهْزولةُ مِنَ الغَنَمِ وغَيْرِها. ((لسان العرب)) لابن منظور (9/ 234)، ((مرعاة المفاتيح)) للمباركفوري (5/ 98). التي لا تُنْقِي لا تُنْقي: أي لا نِقْيَ لعظامِها- وهو المخُّ- مِنَ الضَّعفِ والهُزالِ. ((شرح السنة)) للبغوي (4/340)، ((مشكلات موطأ مالك بن أنس)) للبطليوسي (ص: 148)، ((النهاية)) لابن الأثير (5/ 111)، ((فتح الباري)) لابن حجر (1/198). )) رواه أبو داود (2802)، والترمذي بعد حديث (1497)، والنسائي (4371)، وابن ماجه (3144)، وأحمد (18697)، ومالك (3/687)، والدارمي (1949)، قال الإمام أحمد كما في ((خلاصة البدر المنير)) لابن الملقن (2/379): ما أحسَنَه مِن حديثٍ، وصحَّحه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (4/168)، وابن حبان في ((بلوغ المرام)) (405)، وحسنه ابن عَبْدِ البَرِّ في ((التمهيد)) (20/164)، وصححه ابن دقيق العيد في ((الاقتراح)) (121)، وابن الملقن في ((البدر المنير)) (9/285).
ثانيًا: مِنَ الإجماعِ
نقلَ الإجماعَ على ذلك ابْنُ حَزْمٍ قال ابنُ حزم: (اتَّفقوا أنَّ العوراءَ البَيِّنَ عَوَرُها، والعمياءَ البَيِّنةَ العَمى، والعرجاءَ البَيِّنةَ العَرَجِ التي لا تُدرِكُ السَّرحَ، والمريضةَ البَيِّنةَ المرَضِ، والعجفاءَ التي لا مُخَّ لها؛ أنَّها لا تُجْزئ في الأضاحيِّ) ((مراتب الإجماع)) (ص 153). وابنُ عَبْدِ البَرِّ قال ابنُ عَبْدِ البَرِّ: (أمَّا العيوبُ الأربعةُ المذكورةُ في هذا الحديثِ؛ فمجتَمَعٌ عليها، لا أعلَمُ خلافًا بين العُلَماءِ فيها، ومعلومٌ أنَّ ما كان في معناها داخِلٌ فيها، ولا سيما إذا كانت العِلَّةُ فيها أبيَنَ) ((التمهيد)) (20/168). ، وابنُ رُشدٍ قال ابنُ رشد: (أجمع العُلَماءُ على اجتنابِ العَرجاءِ البَيِّنِ عَرَجُها في الضَّحايا، والمريضةِ البَيِّنِ مَرَضُها، والعجفاءِ التي لا تُنقِي) ((بداية المجتهد)) (1/430). ، وابنُ قُدامة قال ابنُ قُدامة: (أمَّا العيوبُ الأربعةُ الأُوَل، فلا نعلَمُ بين أهلِ العلم خلافًا في أنَّها تمنع الإجزاءَ) ((المغني)) (9/441). ، والنوويُّ قال النووي: (أجمعوا على أنَّ العمياءَ لا تُجزئُ، وكذا العوراءُ البَيِّنُ عَوَرُها، والعَرجاءُ البَيِّنُ عَرَجُها، والمريضةُ البَيِّنُ مَرَضُها، والعجفاءُ) ((المجموع)) (8/404).
الفرع الرابع: أن تكونَ التَّضحِيةُ في وقتِ الذَّبحِ
(يُنظَر: أوَّلُ وقتِ التَّضحيةِ، وآخِرُ وَقْتِها)
الفرع الخامس: نيَّةُ التَّضحيةِ
يُشْتَرَط على المضَحِّي أن ينوِيَ بها التَّضحيةَ، وهذا باتِّفاقِ المَذاهِبِ الفِقْهيَّةِ الأربَعةِ: الحَنَفيَّة ((الفتاوى الهندية)) (5/ 291)، ويُنظر: ((بدائع الصنائع)) للكاساني (5/71). ، والمالِكيَّة ((التاج والإكليل)) للمواق (3/252). ، والشَّافعيَّة ((المجموع)) للنووي (8/405)، ((روضة الطالبين)) للنووي (3/200). والحَنابِلة ((الإنصاف)) للمرداوي (4/61).
الأدِلَّة:
أوَّلًا: مِنَ السُّنَّةِ
عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((إنَّما الأعمالُ بالنِّياتِ، وإنَّما لكُلِّ امرئٍ ما نوى )) رواه البخاري (1)، ومسلم (1907) بلفظ: (إنما الأعمال بالنيَّة).
ثانيًا: أنَّ الذَّبحَ قد يكون لِلَّحمِ، وقد يكون للقُرْبَةِ، والفعلُ لا يقَعُ قُرْبَةً بدونِ النيَّةِ ((بدائع الصنائع)) للكاساني (5/71).
المطلب الرابع: وقتُ الأضْحِيَّة
الفرع الأوَّل: أوَّلُ وقْتِ التَّضحيةِ
المسألة الأولى: ذَبْحُ الأضْحِيَّةِ قبل طُلوعِ الفَجرِ يومَ النَّحرِ
لا يجوزُ ذَبحُ الأضْحِيَّةِ قبل طُلوعِ الفَجرِ في يومِ النَّحرِ.
الأدِلَّة:
أوَّلًا: مِنَ السُّنَّةِ
عَنِ البَرَاءِ بنِ عازبٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: سَمِعْتُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يخطُبُ، فقال: ((إنَّ أوَّلَ ما نبدأُ مِن يَوْمِنا هذا أنْ نُصَلِّيَ، ثم نرجِعَ فنَنْحَرَ، فمَن فَعَلَ هذا فقد أصابَ سُنَّتَنا، ومَن نَحَر فإنَّما هو لحْمٌ يقَدِّمُه لأهْلِه، ليسَ مِنَ النُّسُكِ في شيءٍ )) رواه البخاري (5560) واللفظ له، ومسلم (1961).
ثانيًا: مِنَ الإجماعِ
نقلَ الإجماعَ على ذلك ابْنُ المُنْذِر قال ابنُ المُنْذِر: (أجمعوا على أنَّ الضَّحايا لا يجوز ذبحُها قبل طلوعِ الفجرِ مِن يومِ النَّحرِ) ((الإجماع)) (1/60). ، وابنُ عَبْدِ البَرِّ قال ابنُ عَبْدِ البَرِّ: (أجمعوا على أنَّه لا يكون أضحى قبل طلوعِ الفجرِ مِن يومِ النَّحرِ، لا لحَضَريٍّ ولا لبدويٍّ) ((التمهيد)) (23/196). ، والقرطبيُّ قال القرطبي: (لا خلافَ أنَّه لا يُجْزي ذبحُ الأُضْحِيَّة قبل طلوعِ الفَجرِ مِن يومِ النَّحر) ((تفسير القرطبي)) (12/43).
المسألة الثَّانيَة: ذبحُ الأضْحِيَّةِ قبل الصَّلاةِ
لا يجوزُ ذَبحُ الأضْحِيَّةِ قبل صلاةِ العيدِ.
الأدِلَّة:
أوَّلًا: مِنَ السُّنَّةِ
1- عَنِ البَرَاءِ بنِ عازبٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: سَمِعْتُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يخطُبُ، فقال: ((إنَّ أوَّلَ ما نبدأُ مِن يَوْمِنا هذا أنْ نُصَلِّيَ، ثم نرجِعَ فنَنْحَرَ، فمَن فَعَلَ هذا فقد أصابَ سُنَّتَنا، ومَن نَحَر فإنَّما هو لحْمٌ يقَدِّمُه لأهْلِه، ليسَ مِنَ النُّسُكِ في شيءٍ )) رواه البخاري (5560) واللفظ له، ومسلم (1961).
2- عن جُنْدَبَ بنِ سُفيانَ البَجَليِّ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: ((ضَحَّيْنا مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أضْحِيَّةً ذاتَ يومٍ، فإذا أُناسٌ قد ذبحوا ضحاياهم قبلَ الصَّلاةِ، فلما انصَرَفَ رآهم النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّهم قد ذبَحوا قبل الصَّلاةِ، فقال: من ذَبَحَ قبل الصَّلاةِ فلْيَذْبَحْ مكانَها أخرى، ومَن كان لم يَذْبَحْ حتى صَلَّيْنا فلْيَذْبَحْ على اسْمِ اللهِ )) رواه البخاري (5500) واللفظ له، ومسلم (1960).
ثانيًا: مِنَ الإجماعِ
نقلَ الإجماعَ على ذلك ابْنُ عَبْدِ البَرِّ قال ابنُ عَبْدِ البَرِّ: (أجمعوا على أنَّ الذبحَ لأهل الحَضَر لا يجوزُ قبل الصَّلاة) ((الاستذكار)) (5/224). والنوويُّ قال النووي: (وأمَّا وقت الأُضْحِيَّةِ فينبغى أن يذبَحَها بعد صلاتِه مع الإمامِ، وحينئذٍ تُجزيه بالإجماع) ((شرح النووي على مسلم)) (13/110). ، وابنُ رُشدٍ قال ابنُ رشد: (اتَّفقوا على أنَّ الذبحَ قبل الصَّلاة لا يجوزُ؛ لثبوتِ قولِه عليه الصَّلاة والسلام: مَن ذَبَحَ قبل الصَّلاةِ، فإنَّما هي شاةُ لَحْمٍ) ((بداية المجتهد)) (1/435).
الفرع الثاني: ابتداءُ وَقتِ ذَبحِ الأضْحِيَّةِ
يبدأُ وقتُ الأضْحِيَّةِ بعد صلاةِ العيدِ، وهذا مذهَبُ الحَنَفيَّة ((تبيين الحقائق)) للزيلعي و((حاشية الشلبي)) (6/ 4)، ويُنظر: ((شرح معاني الآثار)) للطحاوي (4/ 174). ، والحَنابِلة ((الفروع)) للابن مفلح (6/ 92)، ويُنظر: ((المغني)) لابن قُدامة (9/452)، ((الشرح الكبير)) لشمس الدين ابن قُدامة (3/552،554). ، واختارَه الطَّحاوي ((شرح معاني الآثار)) للطحاوي (4/ 174). ، والشوكانيُّ قال الشوكاني: (ووَقْتُها بعد صلاةِ النَّحرِ إلى آخِرِ أيَّامِ التَّشريقِ) ((الدراري المضية)) (2/343). ، وابنُ عُثيمين ((الشرح الممتع)) لابن عثيمين (7/459).
الأدِلَّة مِنَ السُّنَّةِ:
1- عَنِ البَرَاءِ بنِ عازبٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: سَمِعْتُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يخطُبُ، فقال: ((إنَّ أوَّلَ ما نبدأُ مِن يَوْمِنا هذا أنْ نُصَلِّيَ، ثم نرجِعَ فنَنْحَرَ، فمَن فَعَلَ هذا فقد أصابَ سُنَّتَنا، ومَن نَحَر فإنَّما هو لحْمٌ يقَدِّمُه لأهْلِه، ليسَ مِنَ النُّسُكِ في شيءٍ )) رواه البخاري (5560) واللفظ له، ومسلم (1961).
2- عن جُنْدَبَ بنِ سُفيانَ البَجَليِّ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: ((ضَحَّيْنا مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أضْحِيَّةً ذاتَ يومٍ، فإذا أُناسٌ قد ذبحوا ضحاياهم قبلَ الصَّلاةِ، فلما انصَرَفَ رآهم النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّهم قد ذبَحوا قبل الصَّلاةِ، فقال: من ذَبَحَ قبل الصَّلاةِ فلْيَذْبَحْ مكانَها أخرى، ومَن كان لم يَذْبَحْ حتى صَلَّيْنا فلْيَذْبَحْ على اسْمِ اللهِ )) رواه البخاري (5500)، ومسلم (1960).
وَجْهُ الدَّلالةِ:
أنَّ الحديثَ يدُلُّ على أنَّ مَن ذَبَح بعد الصَّلاةِ، فله نُسُكٌ، سواءٌ انتهت الخُطبةُ أم لم تَنْتَهِ، وسواءٌ ذبَحَ الإمامُ أم لم يذبَحْ، وأنَّ مَن ذبَحَ قبل الصَّلاةِ، فعليه أن يذبَحَ أخرى مكانَها ((الشرح الممتع)) لابن عثيمين (7/459).
3- عن أنسٍ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((مَنْ ذَبَحَ قبل الصَّلاةِ فلْيُعِدْ)) رواه البخاري (5549)، ومسلم (1962).
الفرع الثالث: وقتُ الأضْحِيَّةِ في غيرِ أهْلِ الأمصارِ
يَبدأُ وقْتُ الأضْحِيَّةِ لِمَن كان بمَحَلٍّ لا تُصلَّى فيها صلاةُ العيدِ كأهلِ البوادي: بَعدَ قَدْرِ فِعْلِ صلاةِ العيدِ بعدَ طلوعِ الشَّمسِ قِيدَ رُمْحٍ، وهذا مذهَبُ الحَنابِلةِ ((شرح منتهى الإرادات)) للبهوتي (1/605)، ((كشاف القناع)) للبهوتي (3/ 9). ، واختارَه ابنُ عُثيمين ((الشرح الممتع)) لابن عثيمين (7/ 459). ؛ وذلك لأنَّه لا صلاةَ في حقِّهم تُعتَبَر، فوجب الاعتبارُ بِقَدْرِها ((كشاف القناع)) للبهوتي (3/9).
الفرع الرابع: زَمَن التَّضحيةِ وحُكْمُ التَّضحيةِ ليلًا
المسألة الأولى: زَمَنُ التَّضحيةِ
اختلف الفقهاءُ في زَمَنِ التَّضحيةِ على قولينِ:
القول الأوّل: أيَّامُ التَّضحيةِ ثلاثةٌ: يومُ العيدِ واليومانِ الأوَّلانِ مِن أيَّامِ التَّشريقِ، وهذا مَذهَبُ الجُمْهورِ: الحَنَفيَّة ((المبسوط)) للسرخسي (8/200)، ويُنظر: ((بدائع الصنائع)) للكاساني (5/65). ، والمالِكيَّة ((مواهب الجليل)) لحطاب (4/273)، ((الشرح الكبير)) للدردير (2/86). ، والحَنابِلة ((كشاف القناع)) للبهوتي (2/530)، ويُنظر: ((المغني)) لابن قُدامة (3/384).
الأدِلَّة:
أوَّلًا: مِنَ السُّنَّةِ
عَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما، ((أنَّ رَسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نهى أن تُؤكَلَ لُحومُ الأضاحيِّ بعد ثلاثٍ )) رواه البخاري (5574)، ومسلم (1970) واللفظ له.
وَجْهُ الدَّلالةِ:
أنَّه- صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- نهى عن أكْلِ لُحومِ الأضاحيِّ فوقَ ثلاثةِ أيَّامٍ، ولو كان اليومُ الرابعُ يومَ ذبحٍ، لكان الذبحُ مشروعًا في وقتٍ يَحرُمُ فيه الأكلُ، ثُمَّ نُسِخَ بعد ذلك تحريمُ الأكلِ، وبَقِيَ وقتُ الذَّبحِ بحالِه ((المغني)) لابن قُدامة (3/385)، ((مجلة البحوث الإسلامية)) (4/201).
ثانيًا: أنَّه وَرَدَ عن الصَّحابةِ رَضِيَ اللهُ عنهم تخصيصُه بالعيدِ ويومينِ بعده: منهم عمر، وعلي، وابن عمر، وابن عبَّاسٍ، وأبو هريرة، وأنس، رَضِيَ اللهُ عنهم، ولا يُعرَف لهم مِنَ الصَّحابةِ مخالِفٌ, ومِثْلُ هذا لا يُقالُ بالرأي قال ابنُ قُدامة: (وهذ قول عمر وعلي وابن عمر وابن عبَّاس وأبي هريرة وأنس رضي الله عنهم) ((المغني)) (9/ 453)، ويُنْظَر: ((المحلى)) لابْن حَزْمٍ (7/ 377، 378 رقم 982)، ((الاستذكار)) (5/ 243).
ثالثًا: أنَّه قد ثبت الفَرْقُ بين أيَّامِ النَّحر وأيَّامِ التَّشريقِ؛ ولو كانت أيَّامُ النَّحرِ أيَّامَ التَّشريقِ لَمَا كان بينهما فَرْقٌ، وكان ذِكْرُ أحدِ العَدَدينِ يَنوبُ عن الآخَرِ ((مجلة البحوث الإسلامية)) (4/ 202).
القول الثاني: يبقى وَقتُ التَّضْحِيةِ إلى آخِرِ أيَّامِ التَّشريقِ، وهو مذهَبُ الشَّافعيَّة ((المجموع)) للنووي (8/387)، ((روضة الطالبين)) للنووي (3/200). ، وقولٌ للحَنابِلة ((الفتاوى الكبرى)) لابن تيميَّة (5/385). ، وهو قَوْلُ طائِفةٍ مِنَ السَّلَفِ قال ابنُ قُدامة: (ويروى عن علي رضي الله عنه أنه قال: أيامُ النَّحرِ يوم الضحى، وثلاثةُ أيَّام بعده. وبه قال الحسن، وعطاء، والأوزاعي... وابن المُنْذِر) ((المغني)) (3/385). ، واختارَه ابنُ تيميَّة قال ابنُ تيميَّة: (وآخِرُ وقتِ ذَبحِ الأُضْحِيَّة آخِرُ أيَّامِ التشريق) ((الفتاوى الكبرى)) (5/385). ، وابنُ القَيِّم ((زاد المعاد)) لابن القيم (2/319). ، والشوكانيُّ قال الشوكاني: (ووقتها بعد صلاة النَّحر إلى آخر أيام التشريق) (الدراري المضية)) (2/343). ، وابنُ باز قال ابنُ باز: (ووَقْتُها يومُ النَّحرِ وأيامَ التَّشريق) ((مجموع فتاوى ابن باز)) (18/38). ، وابنُ عُثيمين قال ابنُ عثيمين: (أصح الأقوال: أنَّ أيام الذبح أربعةٌ، يومُ العيد، وثلاثةُ أيَّامٍ بعده) ((الشرح الممتع)) (7/460).
الأدِلَّة:
أوَّلًا: مِنَ السُّنَّةِ
1- عن جُبَيرِ بنِ مُطْعِمٍ رَضِيَ اللهُ عنه، عن النبىِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه قال: ((كلُّ مِنًى منحَرٌ، وكلُّ أيَّامِ التَّشريقِ ذَبْحٌ)) رواه أحمد (16797)، وابن حبان (3854)، والطبراني (2/138) (1583)، والبيهقي (10525) واللفظ له. قال ابنُ القيِّم في ((زاد المعاد)) (2/291): رُوِيَ من وجهين مختلفينِ يَشُدُّ أحدُهما الآخَرَ، ورُوِيَ من حديثِ جُبَيرِ بنِ مُطعِمٍ، وفيه انقطاعٌ، ووثق رجاله الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (4/27)، وقال البوصيري في ((إتحاف الخيرة المهرة)) (3/211): له شاهد، وصحَّحه في ((صحيح الجامع)) (4537).
وَجْهُ الدَّلالةِ:
أنَّ الحديثَ نَصٌّ في الدَّلالةِ على أنَّ كُلَّ أيَّامِ مِنًى أيامُ نَحرٍ ((مجلة البحوث الإسلامية)) (4/ 203).
2- عن نُبَيْشةَ الهُذَلِيِّ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((أيَّامُ التَّشريقِ أيَّامُ أكْلٍ وشُرْبٍ وذِكْرٍ للهِ عَزَّ وجَلَّ )) رواه مسلم (1141).
ثانيًا: أنَّ الثَّلاثةَ أيَّامٍ تختَصُّ بكونها أيامَ مِنًى، وأيامَ الرَّمْيِ، وأيَّامَ التَّشريقِ، وأيَّامَ تَكبيرٍ وإفطارٍ، ويحرُمُ صيامُها؛ فهى إخْوةٌ في هذه الأحكامِ، فكيف تَفْتَرِقُ في جوازِ الذَّبحِ بغيرِ نَصٍّ ولا إجماعٍ؟! قال الشافعي: (فلما لم يحظر على النَّاس أن ينحروا بعد يوم النَّحر بيوم أو يومين لم نجِدِ اليومَ الثَّالثَ مفارقًا لليومين قبله؛ لأنه يُنسَك فيه ويُرمَى كما يُنسَك ويُرمَى فيهما). ((الأم)) (2/248). ويُنْظَر: ((الشرح الكبير)) لشمس الدين ابن قُدامة (3/555)، ((زاد المعاد)) لابن القيم (2/ 319)، ((مجلة البحوث الإسلامية)) (4/ 204)، ((الشرح الممتع)) لابن عثيمين (7/461).
المسألة الثَّانيَة: حُكْمُ التَّضحيةِ في ليالي أيَّامِ النَّحرِ
التَّضحيةَ في اللَّيلِ تُجزئُ، وهو مذهَبُ: الحَنَفيَّة وعندهم تجزيء مع الكراهة، انظر: ((تبيين الحقائق)) للزيلعي، و((حاشية الشلبي)) (6/ 5)، ويُنظر: ((بدائع الصنائع)) للكاساني (5/174-175)، ((فتح القدير)) للكمال ابن الهمام (9/ 513). ، والشَّافعيَّة قال الشافعي: ويذبَحُ في الليلِ والنهارِ، وإنَّما أكرَهُ ذبحَ الليلِ لئَّلا يُخطِئَ رجلٌ في الذَّبحِ أو لا يوجد مساكينُ حاضرون، فأما إذا أصاب الذَّبحَ ووجد مساكينَ فسواءٌ. ((الأم)) للشافعي (2/239). ويُنْظَر: ((المجموع)) للنووي (8/388)، ((روضة الطالبين)) للنووي (3/ 200). ، وقول للحَنابِلة ((المغني)) لابن قُدامة (9/454)، ((كشاف القناع)) للبهوتي (3/ 10). ، واختيارُ ابْنِ حَزْمٍ قال ابنُ حزم: (والتضحيةُ ليلًا ونهارًا جائزٌ) ((المحلى)) (7/377). وقال أيضًا: (ما نَعْلَمُ أحدًا مِنَ السلف قبل مالكٍ مَنَعَ مِنَ التضحيةِ ليلًا). ((المحلى)) (7/ 379). ، والصنعانيِّ قال الصنعاني: (لا حظْرَ في الذَّبحِ، بل قد أباح اللهُ ذبْحَ الحيوانِ في أيِّ وقتٍ) ((سبل السلام)) (4/93). ، والشوكانيِّ قال الشوكاني: (لا يخفى أنَّ القولَ بعَدَمِ الإجزاءِ وبالكراهِية يحتاجُ إلى دليلٍ، ومجرَّد ذِكْرِ الأيام في حديث البابِ وإن دل على إخراجِ اللَّيالي بمفهومِ اللَّقَبِ، لكنَّ التعبيرَ بالأيَّامِ عن مجموعِ الأيامِ والليالي، والعكسُ مشهورٌ متداوَلٌ بين أهل اللغةِ لا يكادُ يَتبادَرُ غيرُه عند الإطلاق) ((نيل الأوطار)) (5/126). ، وابنِ عُثيمين قال ابنُ عثيمين: (الصواب أنَّ الذَّبحَ في ليلَتِهما لا يُكرَه إلَّا أن يُخِلَّ ذلك بما ينبغي في الأُضْحِيَّة، فيُكْرَه من هذه الناحِيَة، لا مِن كونِه ذبحًا في اللَّيلِ) ((الشرح الممتع)) (7/464).
الأدِلَّة:
أوَّلًا: مِنَ الكتاب
قولُ الله تعالى وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ [الحج: 28]
وَجْهُ الدَّلالةِ:
أنَّ الأيَّامَ تُطلَقُ لغةً على ما يشمَلُ اللياليَ ((أضواء البيان)) للشنقيطي(5/120).
ثانيًا: مِنَ السُّنَّةِ
عن جُبَيرِ بنِ مُطعِمٍ رَضِيَ اللهُ عنه عَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((كلُّ أيَّامِ التَّشريقِ ذبْحٌ)) رواه أحمد (16797)، وابن حبان (3854)، والطبراني (2/138) (1583)، والبيهقي (10525) واللفظ له. قال ابنُ القيِّم في ((زاد المعاد)) (2/291): رُوِيَ من وجهين مختلفينِ يَشُدُّ أحدُهما الآخَرَ، ورُوِيَ من حديثِ جُبَيرِ بنِ مُطعِمٍ، وفيه انقطاعٌ، ووثق رجاله الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (4/27)، وقال البوصيري في ((إتحاف الخيرة المهرة)) (3/211): له شاهد، وصحَّحه الألباني في ((صحيح الجامع)) (4537).
وَجْهُ الدَّلالةِ:
ذِكْرُ الأيَّامِ في الحديثِ وإنْ دلَّ على إخراجِ اللَّيالي بمفهومِ اللَّقَبِ، لكِنَّ التعبيرَ بالأيَّامِ عن مجموعِ الأيامِ واللَّيالي، والعَكْسُ مشهورٌ متداوَلٌ بين أهْلِ اللُّغةِ، لا يكادُ يتبادَرُ غيرُه عند الإطلاقِ ((نيل الأوطار)) للشوكاني (5/126).
ثالثًا: أنَّ الليلَ زَمَنٌ يَصِحُّ فيه الرَّميُ، وداخِلٌ في مدَّةِ الذَّبحِ، فجاز فيه كالأيَّامِ ((المغني)) لابن قُدامة (9/454)، ((كشاف القناع)) للنووي (3/ 10).
رابعًا: أنَّ اللهَ قد أباح ذَبْحَ الحيوانِ في أيِّ وقتٍ ((سبل السلام)) للصنعاني (4/93).
خامسًا: أنَّ القول بالكراهة يحتاج إلى دليل ((نيل الأوطار)) للشوكاني (5/126).
الفرع الخامس: المُبادَرةُ إلى التَّضحِيَةِ
يُستحَبُّ المبادرَةُ في ذبْحِ الأضْحِيَّةِ بعد دخولِ وَقْتِها، وهذا باتِّفاقِ المَذاهِبِ الفِقْهيَّةِ الأربَعةِ: الحَنَفيَّة ((البناية شرح الهداية)) للعيني (12/ 29)، ويُنظر: ((بدائع الصنائع)) للكاساني (5/80). ، والمالِكيَّة ((شرح الزرقاني على مختصر خليل)) (3/ 67)، ويُنظر: ((الذخيرة)) للقرافي (4/150)، ((الفواكه الدواني)) للنفراوي (2/850). ، والشَّافعيَّة ((مغني المحتاج)) للشربيني (4/ 288). ، والحَنابِلة ((كشاف القناع)) للبهوتي (3/ 9).
وذلك للآتي:
أوَّلًا: ما فيه مِنَ المبادَرَةِ إلى الخيرِ، والخروجِ مِنَ الخلافِ ((كشاف القناع)) للبهوتي (3/ 9).
ثانيًا: أنَّ اللهَ جَلَّ شأنُه أضافَ عبادَه في هذه الأيامِ بلُحومِ القَرابينِ، فكانت التَّضحِيَةُ في أوَّلِ الوَقتِ مِن بابِ سُرعةِ الإجابةِ إلى ضيافَةِ اللهِ جَلَّ شأنُه ((بدائع الصنائع)) للكاساني (5/80).
المطلب الخامس: من آدابِ التَّضحِيَة وسُنَنِها
الفرع الأوَّل: حُكْمُ حَلْقِ الشَّعر وتقليمِ الأظفار لِمَن أراد أن يضَحِّيَ
اختلفَ الفُقهاءُ في حُكْمِ حَلْقِ الشَّعْرِ وتقليمِ الأظفارِ لمَنْ أراد أن يضَحِّي، بعد رؤيةِ هلالِ ذِي الحِجَّة، على أقوالٍ، أقواها قولان:
القول الأوّل: يَحْرُمُ على مَن أراد أن يضَحِّي- إذا رأى هلالَ ذي الحِجَّة- أن يحلِقَ شَعْرَه أو أن يُقَلِّمَ أظفارَه، حتى يضَحِّيَ، وهو مذهَبُ الحَنابِلة ((الإنصاف)) للمرداوي (4/79)، ((كشاف القناع)) للبهوتي (3/23)، ويُنظر: ((المغني)) لابن قُدامة (9/436). ، ووجهٌ للشَّافعيَّة ((المجموع)) للنووي (8/ 391-392). ، وهو قَوْلُ طائِفةٍ مِنَ السَّلَفِ قال البغوي: (وإليه ذهب سعيد بن المسيب، وبه قال ربيعة، وأحمد، وإسحاق) ((شرح السنة)) (4/348). ، واختارَه ابْنُ حَزْمٍ قال ابنُ حزم: (من أراد أن يضَحِّيَ ففَرْضٌ عليه إذا أهلَّ هلالُ ذي الحِجَّة ألَّا يأخُذَ مِن شَعْرِه، ولا من أظفارِه شيئًا حتى يضحِّيَ, لا بحَلْقٍ, ولا بقَصٍّ، ولا بِنَوْرَةٍ، ولا بغيرِ ذلك, ومَن لم يُرِدْ أن يضَحِّيَ لم يَلْزَمْه ذلك). ((المحلى)) (7/ 355 رقم 973). ، وابنُ القَيِّم قال ابنُ القَيِّم في مَعْرِضِ رَدِّه على مَنِ استدَلَّ بحديثِ عائشةَ رَضِيَ الله عنها وقال بعدم التحريم: (وأسعَدُ النَّاسِ بهذا الحديث- يعني حديثَ أمِّ سَلَمة- من قال بظاهِرِه؛ لصِحَّتِه وعدمِ ما يعارِضُه) ((عون المعبود – مع حاشية ابن القيم)) (7/491). ، وابنُ باز قال ابنُ باز: (لا يجوزُ لِمَن أراد أن يضَحِّيَ أن يأخُذَ مِن شَعْرِه ولا من أظفارِه ولا مِن بَشَرتِه شيئًا، بعد دخول شهرِ ذي الحِجَّة حتى يضَحِّيَ) ((مجموع فتاوى ابن باز)) (18/39). ، وابنُ عُثيمين قال ابنُ عثيمين: (الذي يظهَرُ أنَّ التحريمَ أقرَبُ؛ لأنَّه الأصلُ في النَّهْيِ لا سيما فيما يظهَرُ فيه التعبُّدُ، ولأنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أكَّدَ النَّهيَ بقولِه: «فلا يَأْخُذَنَّ»، والنونُ هذه للتوكيدِ) ((الشرح الممتع)) (7/486).
الدَّليل مِنَ السُّنَّةِ:
عن أمِّ سَلَمةَ رَضِيَ اللهُ عنها أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((مَن كان عِندَه ذبْحٌ يُريدُ أن يذبَحَه فرأى هلالَ ذي الحِجَّةِ؛ فلا يَمَسَّ مِن شَعْرِه، ولا مِن أظفارِه، حتى يضَحِّيَ )) رواه مسلم (1977).
وَجْهُ الدَّلالةِ:
أنَّ مُقتضى النَّهْيِ التَّحريمُ، وهو خاصٌّ يجِبُ تقديمُه على عمومِ غَيرِه ((المغني)) لابن قُدامة (9/ 437).
القول الثاني: يُكرَه لِمَن أراد أن يضَحِّيَ أن يحلِقَ شَعْرَه أو أن يقَلِّمَ أظفارَه حتى يضَحِّيَ، وهذا مذهبُ المالِكيَّة ((التاج والإكليل)) (4/380)، ويُنظر: ((الذخيرة)) للقرافي (4/141). ، والشَّافعيَّة ((المجموع)) للنووي (8/391)، ويُنظر: ((الحاوي الكبير)) للماوردي (15/74). وهو قولٌ للحَنابِلة ((الإنصاف)) للمرداوي (4/79)، ويُنظر: ((المغني)) لابن قُدامة (9/436).
الدَّليل مِنَ السُّنَّةِ:
1- عن أمِّ سَلَمةَ رَضِيَ اللهُ عنها أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((مَن كان عِندَه ذبْحٌ يُريدُ أن يذبَحَه فرأى هلالَ ذي الحِجَّةِ؛ فلا يَمَسَّ مِن شَعْرِه، ولا مِن أظفارِه، حتى يضَحِّيَ )) رواه مسلم (1977).
2- حديثُ عائشةَ رَضِيَ اللهُ عنها، أنَّها قالت: ((أنا فَتَلْتُ قلائِدَ هَدْيِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بيَدَيَّ ثمَّ قَلَّدَها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بيَدِه ثمَّ بعثَ بها مع أبي، فلم يَحْرُمْ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم شَيءٌ مِمَّا أحَلَّهُ اللهُ حتى نَحَرَ الهَدْيَ )) رواه البخاري (1700) واللفظ له، ومسلم (1321).
وَجْهُ الدَّلالةِ:
1- أنَّه لم يَحْرُمْ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم شيءٌ بِبَعْثِه بِهَدْيِه، والبَعْثُ بالهَدْيِ أكثَرُ من إرادةِ التَّضحيةِ، ولم يكنِ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لِيفعَلَ ما نَهى عنه ((المجموع)) للنووي (8/392)، ((المغني)) لابن قُدامة (9/ 437).
2- أنَّ النَّهْيَ محمولٌ على الكراهَةِ جمعًا بين النصوصِ ((مواهب الجليل)) للحطاب (4/ 372).
مسألةٌ: حُكْمُ الفِدْيةِ لِمَن أرادَ أن يُضَحِّيَ فأخَذَ مِن شَعَرِه أو قَلَّمَ أظفارَه
لا فِدْيةَ على مَن أراد أن يُضحِّيَ، وحَلَقَ شَعْرَه أو قَلَّمَ أظْفارَه.
الدَّليلُ مِنَ الإجماعِ:
 نقلَ الإجماعَ على ذلك ابْنُ قُدامة قال ابنُ قُدامة: (فإن فعَلَ استغفَرَ اللهَ تعالى، ولا فِدْية فيه إجماعًا، سواءٌ فَعَلَه عمدًا أو نسيانًا). ((المغني)) (9/437). ، والمرداوي قال المرداوي: (لو خالف وفَعَلَ فليس عليه إلَّا التَّوبةُ، ولا فِدْيةَ عليه إجماعًا). ((الإنصاف)) (4/80).
الفرع الثَّاني: أن يذبَحَ بنَفْسِه إذا استطاعَ
يُستحَبُّ أن يذبَحَ بنَفْسِه إذا استطاعَ.
الأدِلَّة:
أوَّلًا: مِنَ السُّنَّةِ
عن أنسٍ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: ((ضحَّى النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بكَبشينِ أملحَينِ أقْرَنينِ، ذبَحَهما بيَدِه، وسَمَّى وكَبَّرَ، ووَضَعَ رِجْلَه على صِفاحِهما )) رواه البخاري (5565)، ومسلم (1966).
ثانيًا: مِنَ الإجماعِ
نقلَ الإجماعَ على ذلك النوويُّ قال النووي: (وفيه إجزاءُ الذَّكَرِ في الأُضْحِيَّة، وأنَّ الأفضَلَ أن يذبَحَها بنَفْسِه، وهما مُجمَعٌ عليهما) ((شرح النووي على مسلم)) (13/116).
ثالثًا: أنَّها قُربةٌ، وفِعْلُ القُربةِ أَوْلى مِنِ استنابَتِه فيها قال ابنُ عَبْدِ البَرِّ: (مِنَ الفِقْه أن يتولَّى الرَّجُلُ نَحْرَ هَدْيِه بيده، وذلك عند أهل العلم مستحَبٌّ مُستحسَنٌ؛ لفِعْلِ رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ذلك بيَدِه، ولأنَّها قُربةٌ إلى الله عزَّ وجَلَّ، فمباشَرَتُها أولَى وجائِزٌ أن ينحَرَ الهَدْيَ [غيرُ] صاحِبِها، ألا ترى أنَّ عليَّ بن أبي طالب رضي الله عنه نحَرَ بعْضَ هَدْيِ رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهو أمرٌ لا خلافَ بين العُلَماءِ في إجازَتِه) ((التمهيد)) (2/107)، ويُنْظَر: ((الاستذكار)) لابن عبد البر (4/ 308).
الفرع الثالث: الأكلُ والإطعامُ والادِّخارُ مِنَ الأضْحِيَّة
يجوزُ للمُضَحِّي أن يأكُلَ من أضحِيَّتِه ويَطعَمَ ويدَّخِرَ، وهذا باتِّفاقِ المَذاهِبِ الفِقْهيَّةِ الأربَعةِ: الحَنَفيَّة ((البحر الرائق)) لابن نجيم (8/203)، ويُنظر: ((بدائع الصنائع)) للكاساني (5/79). ، والمالِكيَّة ((حاشية العدوي)) (1/ 746)، ويُنظر: ((الذخيرة)) للقرافي (8/203)، ((الفواكه الدواني)) للنفراوي (1/53). ، والشَّافعيَّة ((المجموع)) للنووي (8/419)، ويُنظر: ((الحاوي الكبير)) للماوردي (15/75). ، والحَنابِلة ((كشاف القناع)) للبهوتي (3/22)، ويُنظر: ((المغني)) لابن قُدامة (9/448).
الأدِلَّة:
أوَّلًا: مِنَ الكتاب
قَولُه تعالى: فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ [الحج: 27]
ثانيًا: مِنَ السُّنَّةِ
1- عن جابرٍ رَضِيَ اللهُ عنه، عَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((أنَّه نهى عن أكْلِ لُحومِ الضَّحايا بعد ثلاثٍ، ثم قال بعدُ: كُلُوا، وتَزَوَّدوا، وادَّخِروا )) رواه مسلم (1972).
2- عن أبي هريرة رَضِيَ اللهُ عنه، عَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((إذا ضحَّى أحَدُكم فلْيَأْكُلْ مِنْ أُضْحِيَّتِه )) رواه أحمد (9067)، وابن عدي في ((الكامل في الضعفاء)) (2/314)، والخطيب في ((تاريخ بغداد)) (7/34). قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (4/28): رجاله رجال الصحيح، ووثق رجاله ابنُ حجر في ((فتح الباري)) (10/29) وقال الألباني في ((سلسلة الأحاديث الصحيحة)) (3563): الأحاديث بمعناه كثيرة، من أجل ذلك أودعته في "الصحيحة".
المطلب السادس: الاستِنابةُ في ذَبْحِ الأضْحِيَّة
يجوز للمُضَحِّي أن يستنيبَ في ذَبْحِ أُضْحِيَّتِه، إذا كان النَّائِبُ مُسلِمًا، وهذا باتِّفاقِ المَذاهِبِ الفِقْهيَّةِ الأربَعةِ: الحَنَفيَّة (((البحر الرائق)) لابن نجيم (8/203)، ويُنظر: (بدائع الصنائع)) للكاساني (5/79). ، والمالِكيَّة إلَّا أنَّ المالكيَّةَ يرون الكراهة. ((الشرح الكبير)) للدردير (2/121)، ((مواهب الجليل)) للحطاب (4/373). ، والشَّافعيَّة ((المجموع)) للنووي (8/405). والحَنابِلة ((كشاف القناع)) للبهوتي(3/8)، ويُنظر: ((المغني)) لابن قُدامة (9/455). ، وحُكِيَ فيه الإجماعُ قال ابنُ عَبْدِ البَرِّ: (جائزٌ أن ينحَرَ الهَدْيَ [غيرُ] صاحِبِها، ألا ترى أنَّ عليَّ بنَ أبي طالب رَضِيَ الله عنه نَحَرَ بعضَ هَدْيِ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهو أمر لا خلاف بين العُلَماء في إجازَتِه) ((التمهيد)) (2/107)، ويُنْظَر: ((الاستذكار)) لابن عبد البر (4/ 308).
الدَّليل مِنَ السُّنَّةِ:
عن جابرٍ رَضِيَ اللهُ عنه: ((أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نحَرَ ثلاثًا وسِتِّينَ بيده، ثم أعطى عليًّا فنَحَرَ ما غَبَرَ )) جزء من حديث رواه مسلم (1218).
المطلب السابع: أيُّهما أفضَلُ: ذبحُ الأضْحِيَّةِ أو التصَدُّقُ بثَمَنِها؟
ذبحُ الأضْحِيَّةِ أفضَلُ مِنَ التصَدُّقِ بثَمَنِها؛ نصَّ على هذا فُقهاءُ الحَنَفيَّة ((البحر الرائق)) لابن نجيم (8/200). ، والمالِكيَّة ((حاشية الدسوقي)) (2/121)، ((التاج والإكليل)) للمواق (3/244). ، والحَنابِلة ((الإنصاف)) للمرداوي (4/77)، ويُنظر: ((الشرح الكبير)) لشمس الدين ابن قُدامة (3/582). ، واختارَه ابنُ باز قال ابنُ باز: (ذبحُها أفضل مِنَ الصدقة بثمنها). ((مجموع فتاوى ابن باز)) (18/41). ، وابنُ عُثيمين قال ابنُ عثيمين: (ذبحُ الأُضْحِيَّةِ أفضَلُ مِنَ الصدقة بثَمَنِها، حتى إنَّك لو ملأتَ جِلْدَها بالدَّراهم وتصدَّقْتَ بهذه الدراهم، لكان ذبْحُها أفضَلَ من ذلك، وليس الحكمةُ مِنَ الأُضْحِيَّة حصولَ اللَّحم وأكْلَ اللحم، ولكنَّ الحكمةَ التقرُّبُ إلى الله تعالى بذَبْحِها؛ قال تعالى: لَنْ يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ **الحج: 37**، فظنَّ بعضُ النَّاسِ أنَّ المقصودَ من ذلك الأكلُ، والانتفاعُ باللحم، وهذا فَهْمٌ قاصِرٌ، فالأهَمُّ أن تتعَبَّدَ لله عزَّ وجَلَّ بذَبْحِها). ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (25/194، 195).
وذلك للآتي:
أوَّلًا: أنَّ إيثارَ الصَّدَقةِ على الأضْحِيَّةِ يُفضِي إلى تَرْكِ سُنَّةٍ سَنَّها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ((الشرح الكبير)) لشمس الدين ابن قُدامة (3/582).
ثانيًا: أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ضحَّى والخلفاءُ بعده، ولو عَلِمُوا أنَّ الصَّدَقةَ أفضَلُ لعَدَلُوا إليها ((الشرح الكبير)) لشمس الدين ابن قُدامة (3/582).
ثالثًا: أنَّ الأضاحِيَّ واجبةٌ عند طائفةٍ مِنَ الفقهاء، أمَّا التصَدُّقُ بثَمَنِها فهو تطوُّعٌ محضٌ ((تبيين الحقائق)) للزيلعي و((حاشية الشلبي)) (6/ 5).
رابعًا: أنَّ الأضاحيَّ تفوتُ بفَواتِ وَقْتِها بخلافِ الصَّدَقةِ بثَمَنِها، فإنَّه لا يفوتُ، نظيرُ الطَّوافِ للآفاقيِّ، فإنَّه أفضَلُ له مِنَ الصَّلاةِ؛ لأنَّ الطَّوافَ في حَقِّه يفوتُ بخلافِ المكِّيِّ ((تبيين الحقائق)) للزيلعي و((حاشية الشلبي)) (6/ 5).
خامسًا: أنَّ فيها جمعًا بين التقَرُّبِ إلى الله تعالى بإراقةِ الدَّمِ والتصَدُّقِ، ولا شكَّ أنَّ الجمعَ بين القُرْبَتينِ أفضَلُ ((العناية شرح الهداية)) للبابرتي (9/ 513).
المطلب الثامن: إعطاءُ الجَزَّارِ مِنَ الأضْحِيَّة ثمنًا لذَبْحِه
لا يجوزُ إعطاءُ الذَّابحِ مِنَ الأضْحِيَّة ثمنًا لذَبحِه، وهذا باتِّفاقِ المَذاهِبِ الفِقْهيَّةِ الأربَعةِ: الحَنَفيَّة ((البحر الرائق)) لابن نجيم (8/203)، ويُنظر: ((بدائع الصنائع)) للكاساني (5/79). ، والمالِكيَّة ((الشرح الكبير)) للدردير (2/124). ، والشَّافعيَّة ((المجموع)) للنووي (8/ 419)، ويُنظر: ((الحاوي الكبير)) للماوردي (15/120). ، والحَنابِلة ((كشاف القناع)) للبهوتي (3/ 13)، ويُنظر: ((المغني)) لابن قُدامة (9/450).
الأدِلَّة:
أوَّلًا: مِنَ السُّنَّةِ
عن عليٍّ رَضِيَ اللهُ عنه قال: ((أمَرَني رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن أقومَ على بُدُنِه، وأن أتصَدَّقَ بلَحْمِها وجُلُودِها وأَجِلَّتِها، وأنْ لا أعطِيَ الجزَّارَ منها، قال: نحنُ نُعطيه مِن عِندِنا )) رواه البخاري (1716)، ومسلم (1317) واللفظ له.
ثانيًا: أنَّ ما يدفَعُه إلى الجزَّارِ أجرةُ عِوَضٍ عن عَمَلِه وجِزارَتِه، ولا تجوزُ المعاوَضةُ بشيءٍ منها ((المغني)) لابن قُدامة (9/450).
المطلب التاسع: الأضْحِيَّةُ عن المَيِّتِ استقلالًا
لا تُشْرَعُ الأضْحِيَّةُ عن الميِّتِ استقلالًا، وهو مذهَبُ الشَّافعيَّة إلَّا أن تكونَ بإذْنِه كوَصِيَّةٍ. ((مغني المحتاج)) للشربيني (4/292)، ((نهاية المحتاج)) للرملي(8/144). ، واختارَه ابنُ عُثيمين قال ابنُ عثيمين: (لم يَرِدْ عَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ولا عن الصَّحابةِ- فيما أعلمُ- أنَّهم ضَحَّوْا عن الأمواتِ استقلالًا؛ فإنَّ رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مات له أولادٌ مِن بنينَ أو بناتٍ في حياته، ومات له زوجاتٌ وأقارِبُ يُحِبُّهم، ولم يُضَحِّ عن واحدٍ منهم، فلم يُضَحِّ عن عَمِّه حمزةَ ولا عن زوجته خديجةَ، ولا عن زوجَتِه زينبَ بنتِ خزيمةَ، ولا عن بناتِه الثلاثِ، ولا عن أولادِه- رضي الله عنهم- ولو كان هذا مِنَ الأمور المشروعةِ لبَيَّنَه الرسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في سُنَّتِه قولًا أو فعلًا، وإنَّما يُضَحِّي الإنسانُ عنه وعن أهلِ بيته) ((الشرح الممتع)) (7/423). ((مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين)) (17/171). ، وكَرِهَها المالِكيَّة ((مواهب الجليل)) لحطاب (4/377)، ((حاشية الدسوقي)) (2/122-123).
الأدِلَّة:
أوَّلًا: مِنَ الكتاب
قَولُه تعالى: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى [النجم: 39]
ثانيًا: لم يَرِدْ عَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ولا عن الصَّحابةِ ولا عن أحدٍ مِنَ السَّلَفِ أنَّهم ضَحَّوْا عن الأمواتِ استقلالًا ((مواهب الجليل)) للحطاب (4/ 377)، ((الشرح الممتع)) لابن عثيمين (7/423).
ثالثًا: أنهَّا عبادةٌ، والأصلُ أنْ لا تُفعَلَ عن الغيرِ إلَّا ما خَرَجَ بدليلٍ، لا سيَّما مع عَدَمِ الإذنِ ((مغني المحتاج)) للشربيني (4/ 292).
رابعًا: أنَّ المقصودَ بذلك غالبًا المباهاةُ والمُفاخَرةُ ((مواهب الجليل)) للحطاب (4/ 377).

انظر أيضا: