الموسوعة الفقهية

المَطلَبُ الأوَّلُ: التَّكليفُ


يُشتَرَطُ لإقامةِ الحَدِّ على المُحارِبِ أن يَكونَ مُكَلَّفًا (عاقِلًا بالِغًا).
الأدِلَّة:ِ
أوَّلًا: مِنَ السُّنَّةِ
عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: لَقَد عَلِمتَ أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((رُفِعَ القَلَمُ عن ثَلاثةٍ: عنِ الصَّبيِّ حَتَّى يَبلُغَ، وعنِ النَّائِمِ حَتَّى يَستيقِظَ، وعنِ المَعتوهِ حَتَّى يَبرَأَ )) [1552] أخرجه أبو داود (4402) واللَّفظُ له، وأحمد (1328) بنحوه. صَحَّحه ابنُ حزم في ((المحلى)) (9/206)، والنووي في ((المجموع)) (6/253)، والسخاوي في ((الأجوبة المرضية)) (2/767)، والألباني في ((صحيح سنن أبي داود)) (4402)، وشعيب الأرناؤوط في تخريج ((سنن أبي داود)) (4402). .
وفي لَفظٍ: ((رُفِع القَلَمُ عن ثَلاثةٍ: عنِ النَّائِمِ حتَّى يَستَيقِظَ، وعنِ الصَّبيِّ حتَّى يَشِبَّ، وعنِ المَعتوهِ حتَّى يَعقِلَ)) [1553] أخرجه الترمذي (1423) واللفظ له، وأحمد (956) على الشَّكِّ: (المَعتوهِ أوِ المَجنونِ حتَّى يَعقِلَ). صَحَّحه الألبانيُّ في ((صحيح سنن الترمذي)) (1423)، وصَحَّحه لغيره شعيب الأرناؤوط في تخريج ((مسند أحمد)) (956)، وحَسَّنه البخاري كما في ((العلل الكبير)) للترمذي (226). .
وَجهُ الدَّلالةِ:
دَلَّ هذا الحَديثُ على أنَّ غَيرَ المُكَلَّفِ مَرفوعٌ عنه القَلَمُ، والمُرادُ برَفعِ القَلَمِ عنه رَفعُ الإثمِ والعُقوبةِ في الحَدِّ، فتَبَيَّن أنَّ التَّكليفَ شَرطٌ لإقامةِ الحُدودِ [1554] يُنظر: ((شرح المختصر الكبير)) للأبهري (3/373). .
ثانيًا: مِنَ الإجماعِ
نَقَل الإجماعَ على ذلك: ابنُ قُدامةَ [1555] قال ابنُ قُدامةَ: (أمَّا البُلوغُ والعَقلُ فلا خِلافَ في اعتِبارِهما في وُجوبِ الحَدِّ، وصِحَّةِ الإقرارِ). ((المغني)) (9/ 66). ، وشَمسُ الدِّينِ ابنُ قُدامةَ [1556] قال شَمسُ الدِّينِ ابنُ قُدامةَ: (أمَّا البُلوغُ والعَقلُ فلا خِلافَ في اعتِبارِهما في وُجوبِ الحَدِّ). ((الشرح الكبير)) (10/ 119). ، وبُرهانُ الدِّينِ ابنُ مُفلِحٍ [1557] قال بُرهانُ الدِّينِ ابنُ مُفلِحٍ: (لا يَجِبُ الحَدُّ إلَّا على بالِغٍ عاقِلٍ، ولا خِلافَ في اعتِبارِهما). ((المبدع)) (9/ 43). .
ونَقَل الإجماعَ على عَدَمِ إقامةِ الحَدِّ على المَجنونِ: ابنُ حَزمٍ [1558] قال ابنُ حَزمٍ: (لا يُقامُ عليه -أي المَجنونِ- في حالِ عَقلِه كُلُّ حَدٍّ كان مِنه في حالِ جُنونِه، بلا خِلافٍ مِنَ الأُمَّةِ). ((المحلى)) (11/39). ، وابنُ عَبدِ البَرِّ [1559] قال ابنُ عَبدِ البَرِّ: (هذا إجماعٌ أنَّ المَجنونَ المَعتوهَ لا حَدَّ عليه، والقَلَمُ عنه مَرفوعٌ). ((التمهيد)) (23/ 120). ، والقاضي عِياضٌ [1560] قال القاضي عياضٌ: (أنَّ إقرارَ المَجنونِ في حالِ جُنونِه لا يَلزَمُ، وأنَّ الحُدودَ عنه حينَئِذٍ ساقِطةٌ، وهو مِمَّا أجمَعَ عليه العُلَماءُ). ((إكمال المعلم)) (5/ 265). ، والنَّوويُّ [1561] قال النَّوويُّ: (إقرارُ المَجنونِ باطِلٌ، وأنَّ الحُدودَ لا تَجِبُ عليه، وهذا كُلُّه مُجمَعٌ عليهـ). ((شرح النووي على مسلم)) (11/ 193). .
ونَقَل الإجماعَ على عَدَمِ إقامةِ الحَدِّ على غَيرِ البالِغِ: ابنُ بَطَّالٍ [1562] قال ابنُ بَطَّالٍ: (أجمَعَ العُلَماءُ على أنَّ الاحتِلامَ في الرِّجالِ والنِّساءِ يَلزَمُ به العِباداتُ والحُدودُ وسائِرُ الأحكامِ). ((شرح صحيح البخاري)) (7/ 640). ، وابنُ حَجَرٍ [1563] قال ابنُ حَجَرٍ: (أجمَعَ العُلَماءُ على أنَّ الاحتِلامَ في الرِّجالِ والنِّساءِ يَلزَمُ به العِباداتُ والحُدودُ وسائِرُ الأحكامِ). ((فتح الباري)) (5/ 277). .
ثالِثًا: أنَّ الحَدَّ عُقوبةٌ فيَستَدعي جِنايةً، وفِعلُ الصَّبيِّ والمَجنونِ لا يوصَفُ بكَونِه جِنايةً، فلا يَجِبُ عليهما حَدٌّ [1564] يُنظر: ((بدائع الصنائع)) للكاساني (7/91). .
رابِعًا: أنَّه إذا سَقَطَ عنِ الصَّبيِّ والمَجنونِ التَّكليفُ في العِباداتِ والإثمُ في المَعاصي، فالحَدُّ المَبنيُّ على الدَّرءِ بالشُّبُهاتِ أَولى بالإسقاطِ [1565] يُنظر: ((الشرح الكبير)) لشمس الدين ابن قدامة (10/ 119). .

انظر أيضا: