الموسوعة الفقهية

المَطلَبُ الأوَّلُ: التَّكليفُ


يُشتَرَطُ لإقامةِ الحَدِّ على المُحارِبِ أن يَكونَ مُكَلَّفًا (عاقِلًا بالِغًا).
الأدِلَّة:ِ
أوَّلًا: مِنَ السُّنَّةِ
عن عائشةَ رَضِيَ اللهُ عنها أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ‌‌((رُفِع ‌القَلَمُ عن ثلاثةٍ: عن النَّائِمِ حتَّى يستيقِظَ، وعن المجنونِ حتَّى يُفيقَ، وعن الصَّبيِّ حتَّى يَبلُغَ)) أخرجه البيهقي (21624) واللفظ له، والطحاوي في ((مشكل الآثار)) (3987) من طريق محمد بن أبان، عن حماد بن سلمة، عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود، عن ‌عائشة به.
صحَّحه ابن حزم في ((المحلى)) (9 / 206)، والنووي في ((المجموع)) (6 / 253)، وحسنه ابن قدامة في ((الكافي)) (1 / 93)، وابن القيم في ((أحكام أهل الذمة)) (2 / 902)، وصحَّح إسناده شعيب الأرناؤوط في تخريج ((مشكل الآثار)) للطحاوي (3987).
.
وَجهُ الدَّلالةِ:
دَلَّ هذا الحَديثُ على أنَّ غَيرَ المُكَلَّفِ مَرفوعٌ عنه القَلَمُ، والمُرادُ برَفعِ القَلَمِ عنه رَفعُ الإثمِ والعُقوبةِ في الحَدِّ، فتَبَيَّن أنَّ التَّكليفَ شَرطٌ لإقامةِ الحُدودِ [1554] يُنظر: ((شرح المختصر الكبير)) للأبهري (3/373). .
ثانيًا: مِنَ الإجماعِ
نَقَل الإجماعَ على ذلك: ابنُ قُدامةَ [1555] قال ابنُ قُدامةَ: (أمَّا البُلوغُ والعَقلُ فلا خِلافَ في اعتِبارِهما في وُجوبِ الحَدِّ، وصِحَّةِ الإقرارِ). ((المغني)) (9/ 66). ، وشَمسُ الدِّينِ ابنُ قُدامةَ [1556] قال شَمسُ الدِّينِ ابنُ قُدامةَ: (أمَّا البُلوغُ والعَقلُ فلا خِلافَ في اعتِبارِهما في وُجوبِ الحَدِّ). ((الشرح الكبير)) (10/ 119). ، وبُرهانُ الدِّينِ ابنُ مُفلِحٍ [1557] قال بُرهانُ الدِّينِ ابنُ مُفلِحٍ: (لا يَجِبُ الحَدُّ إلَّا على بالِغٍ عاقِلٍ، ولا خِلافَ في اعتِبارِهما). ((المبدع)) (9/ 43). .
ونَقَل الإجماعَ على عَدَمِ إقامةِ الحَدِّ على المَجنونِ: ابنُ حَزمٍ [1558] قال ابنُ حَزمٍ: (لا يُقامُ عليه -أي المَجنونِ- في حالِ عَقلِه كُلُّ حَدٍّ كان مِنه في حالِ جُنونِه، بلا خِلافٍ مِنَ الأُمَّةِ). ((المحلى)) (11/39). ، وابنُ عَبدِ البَرِّ [1559] قال ابنُ عَبدِ البَرِّ: (هذا إجماعٌ أنَّ المَجنونَ المَعتوهَ لا حَدَّ عليه، والقَلَمُ عنه مَرفوعٌ). ((التمهيد)) (23/ 120). ، والقاضي عِياضٌ [1560] قال القاضي عياضٌ: (أنَّ إقرارَ المَجنونِ في حالِ جُنونِه لا يَلزَمُ، وأنَّ الحُدودَ عنه حينَئِذٍ ساقِطةٌ، وهو مِمَّا أجمَعَ عليه العُلَماءُ). ((إكمال المعلم)) (5/ 265). ، والنَّوويُّ [1561] قال النَّوويُّ: (إقرارُ المَجنونِ باطِلٌ، وأنَّ الحُدودَ لا تَجِبُ عليه، وهذا كُلُّه مُجمَعٌ عليهـ). ((شرح النووي على مسلم)) (11/ 193). .
ونَقَل الإجماعَ على عَدَمِ إقامةِ الحَدِّ على غَيرِ البالِغِ: ابنُ بَطَّالٍ [1562] قال ابنُ بَطَّالٍ: (أجمَعَ العُلَماءُ على أنَّ الاحتِلامَ في الرِّجالِ والنِّساءِ يَلزَمُ به العِباداتُ والحُدودُ وسائِرُ الأحكامِ). ((شرح صحيح البخاري)) (7/ 640). ، وابنُ حَجَرٍ [1563] قال ابنُ حَجَرٍ: (أجمَعَ العُلَماءُ على أنَّ الاحتِلامَ في الرِّجالِ والنِّساءِ يَلزَمُ به العِباداتُ والحُدودُ وسائِرُ الأحكامِ). ((فتح الباري)) (5/ 277). .
ثالِثًا: أنَّ الحَدَّ عُقوبةٌ فيَستَدعي جِنايةً، وفِعلُ الصَّبيِّ والمَجنونِ لا يوصَفُ بكَونِه جِنايةً، فلا يَجِبُ عليهما حَدٌّ [1564] يُنظر: ((بدائع الصنائع)) للكاساني (7/91). .
رابِعًا: أنَّه إذا سَقَطَ عنِ الصَّبيِّ والمَجنونِ التَّكليفُ في العِباداتِ والإثمُ في المَعاصي، فالحَدُّ المَبنيُّ على الدَّرءِ بالشُّبُهاتِ أَولى بالإسقاطِ [1565] يُنظر: ((الشرح الكبير)) لشمس الدين ابن قدامة (10/ 119). .

انظر أيضا: