الموسوعة الفقهية

المطلب السَّادِس: سُنَّة الجُمُعةِ


الفَرْعُ الأول: مشروعيَّةُ التطوُّعِ قبلَ خروجِ الإمامِ
المسألة الأولى: التطوُّعُ يومَ الجُمعةِ قبل الزوال
يُستحبُّ التطوُّعُ يومَ الجُمعةِ قبل الزَّوالِ، نصَّ عليه المالكيَّة قال العدوي: (والحاصل أن تنفل المأموم قبل الأذان مندوب وعنده مكروه للجالس على ما تقدم، وعند خروج الخطيب للخطبة حرام) ((حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني)) (1/382)، وينظر: ((الفواكه الدواني)) للنفراوي (2/636). والشافعيَّة ((المجموع)) للنووي (4/541)، وينظر: ((الحاوي الكبير)) للماوردي (2/429). والحنابِلَة قال ابن مفلح: (وصلاة أحمد قبل الأذان تدل على الاستحباب " وجمهور العلماء، لقوله عليه السلام: "ثم أتى الجمعة فصلى ما قدر له... " الحديث، وسبق قولهم: يشتغل بالصلاة) ((الفروع)) (3/191). وقال أيضًا: (ويسن الدنو من الإمام، واستقبال القبلة، والاشتغال بالصلاة والذكر) ((الفروع)) (3/159)، ويُنظر: ((المبدع)) لبرهان الدين ابن مفلح (2/155).
الأَدِلَّةُ:
أوَّلًا: من السُّنَّة
1- عن سلمانَ الفارسيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْه، أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((مَن اغتَسَل يومَ الجُمعةِ، وتَطهَّرَ بما استطاعَ من طُهرٍ، ثم ادَّهن أو مسَّ مِن طِيب، ثم راح فلمْ يُفرِّقْ بين اثنينِ، فصلَّى ما كُتِبَ له، ثم إذا خرَجَ الإمامُ أَنصتَ، غُفِرَ له ما بينه وبين الجُمُعةِ الأُخرى )) رواه البخاري (910).
وَجْهُ الدَّلالَةِ:
أنَّ الحديثَ يدلُّ على فَضلِ الصلاةِ قبلَ الجُمعةِ من غيرِ تقديرٍ للصَّلاةِ؛ فيكون أقلُّ ذلك رَكعتينِ، والزيادةُ عليهما بحسَبِ التيسيرِ ((فتح الباري)) لابن رجب (5/538).
2- عن أبي هُرَيرَة رَضِيَ اللهُ عَنْه، أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((مَن اغتسَلَ ثم أَتى الجُمُعةَ، فصلَّى ما قُدِّرَ له قوله: ((فصلَّى ما قُدِّر له)) يدلُّ على أنَّ الصلاة قبل الجمعة لا حدَّ لها. يُنظر: ((نيل الأوطار)) للشوكاني (3/303). ، ثم أَنصتَ حتى يَفرغَ من خُطبته، ثم يُصلِّي معه، غُفِرَ له ما بينه وبين الجُمُعةِ الأخرى، وفضلَ ثلاثةِ أيَّام )) رواه مسلم (857).
ثانيًا: من الآثار
1- عن ابنِ شِهابٍ، عن ثَعلبةَ بن أبي مالكٍ القُرضيِّ: (أنَّه أخبره أنَّهم كانوا في زمانِ عُمرَ بنِ الخَطَّابِ يُصلُّونَ يومَ الجُمُعةِ حتى يخرجَ عمرُ، فإذا خرَجَ عُمرُ وجلَس على المنبرِ وأذَّنَ المؤذِّنون، قَال ثعلبةُ: جَلَسْنا نتحدَّث، فإذا سكَتَ المؤذِّنونَ وقام عُمرُ يَخطُبُ، أَنصَتْنا فلم يتكلَّمْ منَّا أحدٌ) أخرجه مالك (1/ 103) (7)، والشافعي في ((الأم)) (1/227)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (2174)، والطبراني في ((مسند الشاميين)) (3229)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (5684) صححه النووي في ((الخلاصة)) (2/808)، وقال الذهبي في ((المهذب)) (3/1123): فيه ثعلبة احتج به البخاري، وصحح إسناده العيني في ((نخب الأفكار)) (6/48)، وقال الألباني في ((تمام المنة)) (ص 399): له متابع إسنادُه صحيح
2- عن نافعٍ قال: ((كان ابنُ عُمرَ يُطيل الصلاةَ قبل الجُمُعة، ويُصلِّي بعدَها ركعتينِ في بيتِه، ويُحدِّثُ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان يَفعَلُ ذلك)) رواه أبو داود (1128)، وابن خزيمة (3/168) (1836)، وابن حبان (6/227) (2476). صحَّحه النوويُّ بإسنادٍ على شرْط البخاري في ((الخلاصة)) (2/812)، وقال ابن الملقِّن في ((تحفة المحتاج)) (1/398): إسناده على شرْط الصحيح. وقال الهيثمي في ((موارد الظمآن)) (1/250): الصلاة بعدَ الجُمعة في البيت في الصَّحيح. وصحَّحه الألباني في ((صحيح سنن أبي داود)) (1128).
ثالثًا: جَرَيانُ العَمَلِ عليه
جرَى عملُ المسلمينَ على التطوُّعِ إلى خروجِ الإمامِ قال الشافعيُّ: (مِن شأن الناس التهجيرُ للجمعة، والصلاةُ إلى خروج الإمام). ((الأم)) (1/173). وقال ابن رجب: (فأمَّا الصلاة بعد زوال الشمس، فلم يزلْ عملُ المسلمين على فِعله). ((فتح الباري)) (5/541).
المسألةُ الثَّانية: التطَوُّعُ يومَ الجُمُعةِ بعد الزَّوالِ
يُستحَبُّ التطوُّعُ بعد الزَّوالِ وقَبْلَ خروجِ الإمامِ.
الدَّليلُ مِنَ الإِجْماع:
نَقَلَ الإجماعَ على ذلك ابنُ رجَب قال ابن رجب: (بعدَ زوال الشمس، وقبل خروج الإمام، فهذا الوقت يُستحبُّ الصلاة فيه بغير خلاف نعلمه بين العلماءِ سلفًا وخلفًا، ولم يقلْ أحدٌ من المسلمين: إنَّه يُكره الصلاةُ يوم الجُمُعة، بل القول بذلِك خرقٌ لإجماع المسلمين، إنما اختلفوا في وقتِ قيام الشمس). ((فتح الباري)) (5/541). وقال ابن تيمية: (وعلى هذا؛ فمن رَخَّصَ في الصلاةِ يومَ الجمعة قال: إنَّها لا تُسْجَر يومَ الجمعة كما قد روي، وقالوا: إنَّه لا يستحب الإبرادُ يومَ الجمعةِ، بل يجوز عَقِبَ الزوال بالسُّنَّة الصحيحة واتِّفاقِ النَّاس) ((مجموع الفتاوى)) (23/208). وقال العمراني: (ولا ينقطِعُ التنفُّل، ولا الكلامُ قبل خروجِ الإمامِ بالإجماع) ((البيان)) (2/596).
الفَرْعُ الثَّاني: الصلاةُ في وقتِ الزوالِ يومَ الجُمُعةِ
اختلف أهلُ العلمِ في الصَّلاةِ يومَ الجُمُعةِ وقتَ استواءِ الشمسِ وقيامِها في وسَطِ السَّماءِ إلى أنْ تزولَ، على أقوالٍ، أقواها قولان:
القول الأوّل: أنَّه وقتُ نهيٍ كباقي الأيَّامِ، وهذا مذهبُ الحنفيَّة ((البناية)) للعيني (2/61)، ((العناية)) للبابرتي (1/233). والحنابلة ((كشاف القناع)) للبهوتي (1/450، 451)، وينظر: ((المغني)) لابن قدامة (2/90). ، وهو اختيارُ ابنِ عُثَيمين قال ابنُ عُثيمين: (وأمَّا كون الجمعة فيها وقتُ نهي: فالصحيح أنَّ فيها وقتَ نهي، وأنها كغيرها من الأيَّام؛ لعموم الأدلة، وليس هناك دليلٌ يدلُّ على تخصيص يوم الجمعة بأنه لا نَهيَ فيه عند الزوال، وقد ورد في هذا حديثٌ ضعيف عن النبيِّ عليه الصلاة والسلام، وذكَر شيخ الإسلام رحمه الله: أنَّه لا يُنهى الإنسان عن الصلاة إذا كان مستمرًّا في صلاته حتى يأتي الخطيبُ، قال: لأنَّ هذا كان الصحابة يفعلونه، لكن كونه يبقى جالسًا حتى إذا قارب وقت الخطيب قام فصلَّى وهو وقتُ نهي، فهذا لا أصلَ له، ولا يحلُّ لهذا أن يقوم فيُصلِّي في هذا الوقت إذا كان قبل الزوال بنحو عشر دقائق) ((لقاء الباب المفتوح)) (رقم اللقاء: 96).
الدَّليلُ من السُّنَّة:
عن عُقبَة بنِ عامرٍ الجهنيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْه، قال: ((ثلاثُ ساعاتٍ كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ينهانا أن نُصليَ فيهنَّ، أو أن نَقبُرَ فيهنَّ موتانا: حين تَطلُعُ الشمسُ بازغةً حتى ترتفعَ، وحين يقومُ قائمُ الظهيرةِ حتى تميلَ الشَّمسُ، وحين تَضيَّفُ [3372] تَضيَّفُ: أيْ: تَمِيلُ. يُنظر: ((النهاية)) لابن الأثير (3/108). الشمسُ للغروبِ حتى تغرُبَ )) رواه مسلم (831).
وَجْهُ الدَّلالَةِ:
أنَّ قوله: ((وحين يقومُ قائمُ الظهيرةِ حتى تميلَ الشَّمسَ))، يعني: حال استواءِ الشمسِ في السماءِ إلى أنْ تميلَ؛ فهو من الأوقاتِ التي نُهيَ عن الصَّلاةِ فيها يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (6/114).
القول الثاني: أنَّه ليس بوقتِ نهيٍ يومَ الجُمُعةِ، وهذا مذهبُ المالكيَّة هذا الوقت ليس عند المالكيَّة من أوقات النهي مطلقًا في جميعِ الأيَّام. يُنظر: ((بداية المجتهد)) لابن رشد (1/102)، ((شرح مختصر خليل)) للخرشي (1/222-223)، ويُنظر: ((المفهم)) للقرطبي (2/462). ، والأصحُّ في مذهبِ الشافعيَّة ((روضة الطالبين)) للنووي (1/194)، وينظر: ((أسنى المطالب)) لزكريا الأنصاري (1/124). ، وهو قولُ أبي يُوسفَ من الحنفيَّة ((فتح القدير)) للكمال ابن الهمام (1/233). ، وهو وجهٌ عند الحنابلةِ ((الفروع)) لابن مفلح (2/410)، ((الإنصاف)) للمرداوي (2/144). ، وقولُ طائفةٍ من السَّلفِ قال البيهقيُّ: (ورُوِّينا الرخصة في ذلك عن عطاء، وطاوس، والحسن، ومكحول). ((معرفة السنن والآثار)) (3/438). وقال ابن رجب: (ومنهم: من قال: ليس بوقت نهي، وهو مذهبُ مكحولٍ، والأوزاعيِّ، والشافعيِّ). ((فتح الباري)) (5/540). ، واختارَه ابنُ تيميَّة قال ابن تيمية: (وبالجملة جوازُ الصلاةِ وقتَ الزَّوال يومَ الجمعة على أصلِ أحمدَ أظهرُ منه على أصْلِ غَيْرِه؛ فإنَّه يجَوِّزُ الجمعةَ وقتَ الزوال ولا يَجعَلُ ذلك وقتَ نهيٍ) ((مجموع الفتاوى)) (23/208). ، وابن القيِّم قال ابن القيم: (إنه لا يُكره فِعل الصلاة فيه وقت الزوال عند الشافعيِّ رحمه الله ومَن وافقه، وهو اختيارُ شيخنا أبي العبَّاس بن تيمية) ((زاد المعاد)) (1/378). ، والصنعانيُّ قال الصنعانيُّ: (ويدلُّ على تخصيص وقت الزوال يوم الجمعة من هذه الأوقات بجواز النَّفْل فيه الحديث الآتي...) ((سبل السلام)) (1/113). ، وابنُ باز قال ابن باز: (يوم الجُمُعة الصَّواب أنه ليس فيها وقتُ نهي عند الزوال؛ لأنَّ الرسول صلَّى اللهُ عليه وسلَّم شرَعَ للناس إذا دخلوا المسجد أن يصلُّوا ما قدَّر الله لهم، ولم يقُلْ لهم: إلَّا إذا وقفت الشمس، فدلَّ ذلك على أنَّ يوم الجمعة الصلاة فيه مستمرَّة إلى دخول الخطيب، وليس فيه وقتُ نهي في وسط النهار، هذا هو الأرجحُ؛ فإذا صلَّى المسلم في المسجد ما يسَّر الله له من الركعات حتى يدخُلَ الخطيب، فلا بأس) ((فتاوى نور على الدرب)) (10/436).
الأدلَّة:
أوَّلًا: من السُّنَّة
 عن سلمانَ الفارسيِّ، قال: قال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((لا يَغتسلُ رجلٌ يومَ الجُمُعةِ، ويتطهَّرُ ما استطاعَ مِن طُهر، ويَدَّهِنُ من دُهْنه، أو يمسُّ مِن طِيب بيتِه، ثم يخرُج فلا يُفرِّقُ بين اثنينِ، ثم يُصلِّي ما كُتِبَ له، ثم يُنصِتُ إذا تَكلَّم الإمامُ، إلَّا غُفِرَ له ما بينه وبين الجُمُعةِ الأخرى )) رواه البخاري (883).
وَجْهُ الدَّلالَةِ:
الحديثُ فيه مندوبيَّةُ الصلاةِ، وأنَّ المانعَ منها خروجُ الإمامِ لا انتصافُ النَّهارِ ((زاد المعاد)) لابن القيم (1/367).
ثانيًا: من الآثار
(أنَّ الناس كانوا في زمَن عُمرَ رَضِيَ اللهُ عَنْه يُصلُّون يومَ الجُمُعةِ حتى يخرُجَ عُمرُ) أخرجه مالك (1/ 103) (7)، وابن المنذر في ((الأوسط)) (1837)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (5684) من حديث ثعلبة بن أبي مالك.  وصحَّحه النووي في ((الخلاصة)) (2/808).
وَجْهُ الدَّلالَةِ:
أنَّ الصحابة كانوا يُصلُّون وقتَ الزوال؛ لأنَّهم كانوا يُصلُّون إلى خروجِ عُمرَ رَضِيَ اللهُ عَنْه، وكان عمرُ لا يَخرُجُ إلَّا بعد وقتِ الزوالِ، وهذا لا يكونُ إلَّا توقيفًا؛ فيكون مخصِّصًا لعمومِ النهيِ عن الصلاةِ في ذلك الوقت ((الاستذكار)) لابن عبدالبر (1/55، 107).
ثالثًا: أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم استحبَّ التبكيرَ إليها ثم رغَّب في الصلاة إلى خُروجِ الإمامِ من غيرِ استثناءٍ ((معرفة السنن والآثار)) للبيهقي (3/438)، ((أسنى المطالب)) لزكريا الأنصاري (1/124).
رابعًا: ولأنَّ الناسَ يكونون في المسجدِ تحتَ السُّقوفِ، ولا يَشعُرونَ بوقت الزَّوالِ، ولا يُمكنهم أنْ يَخرجوا ويتخطَّوْا رقابَ الناس؛ لكي ينظروا إلى الشمسِ لعدمِ مشروعيَّةِ ذلك ((زاد المعاد)) لابن القيم (1/367).
خامسًا: جريانُ العملِ عليه؛ فعَمَلُ المسلمينَ في جميعِ الأقطارِ على ذلِك قال القرطبي: (ومشهورُ مذهبِه «أي: مالك» ومذهب جمهور العلماء: جوازُ الصلاة حينئذٍ، وحُجَّتهم: عملُ المسلمين في جميع الأقطارِ على جواز التنفُّل يومَ الجمعة إلى صعود الإمام على المنبرِ عند الزوال) ((المفهم)) (2/462).
الفَرْعُ الثَّالِث: هل للجُمُعةِ سُنَّةٌ راتبةٌ قبليَّةٌ؟
ليس لصلاةِ الجُمعةِ سُنَّةٌ راتبةٌ قبليَّة، وهذا مذهبُ المالكيَّة لم يذكر المالكيَّة السُّنةَ القَبلية من سنن الجمعة، ولا تحديد في السُّنن الرواتب عند المالكيَّة سوى راتبة الفجر. ((الرسالة)) للقيرواني (ص: 47)، ((مختصر خليل)) (ص: 46)، وينظر: ((البيان والتحصيل)) لابن رشد الجد (1/451). ، والحنابلة ((الإنصاف)) للمرداوي (2/284)، ((كشاف القناع)) للبهوتي (1/423). ، وعليه جماهيرُ الأمَّة ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (24/189)، ((الإنصاف)) للمرداوي (2/284). ، وهو اختيارُ ابنِ تيميَّة قال ابنُ تيميَّة: وقال: (الصواب أن يُقال: ليس قبل الجُمُعة سُنَّة راتبة مقدَّرة). ((مجموع الفتاوى)) (24/193- 195). وقال أيضًا: (أمَّا النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فإنه لم يكُن يُصلي قبل الجمعة بعد الأذان شيئًا، ولا نَقَل هذا عنه أحدٌ؛ فإن النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان لا يؤذَّن على عهده إلَّا إذا قعد على المنبر، ويؤذِّن بلال ثم يخطُب النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الخطبتين، ثم يقيم بلال فيُصلي النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالناس، فما كان يمكن أن يصلِّي بعد الأذان لا هو ولا أحد من المسلمين الذين يصلُّون معه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولا نقَل عنه أحدٌ أنه صلَّى في بيته قبل الخروج يوم الجمعة، ولا وقَّت بقوله صلاةً مقدَّرة قبل الجمعة، بل ألفاظه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيها الترغيب في الصلاة إذا قدِم الرجل المسجدَ يوم الجمعة من غير توقيت). ((مجموع الفتاوى)) (24/189). ، وابن القيِّم قال ابنُ القيِّم: (كان إذا فرَغ بلال من الأذان، أخَذ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في الخطبة، ولم يقم أحد يركع ركعتين البتَّةَ، ولم يكن الأذان إلَّا واحدًا، وهذا يدلُّ على أنَّ الجمعة كالعيد، لا سُنَّة لها قبلها، وهذا أصحُّ قولي العُلماء، وعليه تدلُّ السُّنة؛ فإنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان يخرج من بيته، فإذا رقِي المنبر، أخذ بلالٌ في أذان الجمعة، فإذا أكمله، أخَذ النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في الخطبة من غير فصْل، وهذا كان رأيَ عين، فمتى كانوا يصلُّون السنَّة؟! ومن ظن أنهم كانوا إذا فرغ بلالٌ رضي الله عنه من الأذان، قاموا كلُّهم، فركعوا ركعتن، فهو أجهلُ الناس بالسُّنة، وهذا الذي ذكرناه من أنه لا سُنَّةَ قبلها، هو مذهبُ مالك، وأحمدَ في المشهور عنه، وأحد الوجهين لأصحاب الشافعيِّ). ((زاد المعاد)) (1/431، 432). ، وابنِ حجرٍ العسقلانيِّ قال ابن حجر: (وأمَّا سُنَّة الجمعة التي قبلها فلم يثبُتْ فيها شيء). ((فتح الباري)) (2/410).
الأدلَّة:
أوَّلًا: من السُّنَّة
عنِ ابنِ عُمرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهما، قال: (صليتُ مع النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سجدتينِ قبلَ الظُّهرِ، وسجدتينِ بعد المغربِ، وسجدتينِ بعدَ العِشاءِ، وسجدتينِ بعدَ الجُمُعةِ) رواه البخاري (1172)، ومسلم (729).
وَجْهُ الدَّلالَةِ:
أنَّه لم يذكر لها سُنَّة إلَّا بعدَها؛ فدلَّ على أنَّه لا سُنَّة قبلَها ((الباعث على إنكار البدع والحوادث)) لأبي شامة المقدسي (ص: 99).
ثانيًا: أنَّ المرادَ من الصَّلاةِ المسنونة أنَّها منقولةٌ عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قولًا وفعلًا، والصلاة قبل الجُمُعة لم يأتِ منها شيءٌ عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يدلُّ على أنَّه سُنَّة، ولا يجوزُ القياسُ في شرعيَّة الصلواتِ ((الباعث على إنكار البدع والحوادث)) لأبي شامة المقدسي (ص96).
ثالثًا: أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان يخرج من بيته يومَ الجُمُعة فيصعَدُ مِنبَرَه ثم يؤذِّنُ المؤذنُ، فإذا فرغ أخذَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في خُطبتِه، ولو كان للجُمُعةِ سُنَّةٌ قَبْلَها لأمَرَهم بعدَ الأذانِ بصلاةِ السُّنَّة، وفعَلَها هو صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولم يكُن في زمنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم غيرُ هذا الأذانِ الذي بين يدي الخَطيبِ ((الباعث على إنكار البدع والحوادث)) لأبي شامة المقدسي (ص97).
رابعًا: لو كان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُصلِّي في بيتِه قبلَ خُروجِه إلى الجُمُعة لضُبِط ذلك، كما ضُبِطتْ صلاتُه بعدَها، وكما ضُبِطتْ صلاتُه قبل الظُّهر، ولنَقَل ذلك أزواجُه رَضِيَ اللهُ عَنْهنَّ، كما نقَلْنَ سائرَ صلواته في بيتِه ليلًا ونهارًا، وكيفيَّة تهجُّده وقِيامة بالليل، وحيث لم يُنقَلْ شيءٌ من ذلك، فالأصلُ عدمُه، ودلَّ على أنه لم يقعْ، وأنَّه غيرُ مشروعٍ ((الباعث على إنكار البدع والحوادث)) لأبي شامة المقدسي (ص97، 98)، ((طرح التثريب)) للعراقي (3/41).
خامسًا: أنَّ السُّنَّة الراتبة إنْ كانت بعدَ دخول الوقت فلا يصحُّ؛ لأنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان يخرجُ إذا زالتِ الشمسُ فيشتغِلُ بالخُطبةِ، ثم بصلاةِ الجُمُعة، وإنْ كان المرادُ قبلَ دخولِ الوقتِ، فذلك مطلَقُ نافلةٍ لا صلاةٌ راتبةٌ ((عون المعبود)) للعظيم آبادي، مع ((حاشية ابن القيم)) (3/337).
الفَرْعُ الرابع: سُنَّةُ الجُمُعةِ البَعديَّة
اختَلف أهلُ العِلمِ في عددِ ركَعاتِ سُنَّةِ الجُمُعةِ البَعديَّة على ثلاثةِ أقوال:
القول الأوّل: أنَّ سُنَّة الجُمعةِ البعديَّة أربعُ ركَعات، وهذا مذهبُ الحنفيَّة ((العناية)) للبابرتي (2/395)، وينظر: ((درر الحكام)) لملا خسرو (1/115). ، والشافعيَّة يُسنُّ عند الشافعيَّة أربعُ ركعات بعدَ الجُمُعة؛ اثنتان منها مؤكَّدتان. ينظر: ((المجموع)) للنووي (4/9، 592)، ((نهاية المحتاج)) للرملي (2/111). ، وبه قالتْ طائفةٌ من السَّلَف قال الترمذيُّ: (رُوي عن عبد الله بن مسعود، أنَّه كان يُصلِّي قبل الجمعة أربعًا، وبعدها أربعًا، وقد رُوي عن عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه، أنَّه أمَرَ أن يُصلِّي بعد الجُمُعة ركعتين ثم أربعًا، وذهب سفيانُ الثوريُّ، وابنُ المباركِ إلى قولِ ابنِ مسعود) ((سنن الترمذي)) (2/401). وقال الحسنُ بن حيٍّ: (يُصلِّي أربعًا). ((التمهيد)) لابن عبد البرِّ (14/172). ، واختارَه ابنُ المنذرِ قال ابنُ المنذر: (والجُمُعة جائزةٌ خلفَ كلِّ إمام، ويُصلِّي بعدَ الجمعة أربعًا، وتُجزئه ركعتان) ((الإقناع)) (1/107). ، والصنعانيُّ قال الصنعانيُّ: (والأربع أفضلُ من الاثنتين؛ لوقوع الأمْر بذلك، وكثرةِ فِعله لها صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) ((سبل السلام)) (2/53).
الأدلَّة:
أوَّلًا: من السُّنَّة 
عن سُهيلٍ، عن أبيه، عن أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عَنْه، عنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: ((مَن كان منكم مصلِّيًا بعدَ الجُمُعةِ، فليصلِّ أربعًا))، وفي رواية: قال سُهيلٌ: ((فإنْ عجِل بكَ شيءٌ فصلِّ ركعتينِ في المسجِدِ، وركعتينِ إذا رجعتَ )) رواه مسلم (881).
وَجْهُ الدَّلالَةِ:
أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمَرَ بالأربعِ؛ فدلَّ على أنَّها أفضلُ من الركعتينِ ((سبل السلام)) للصنعاني (2/53).
القول الثاني: أنَّه مُخيَّرٌ بين أن يُصلِّي ركعتينِ أو أربعًا، وهذا روايةٌ عن أحمدَ ((فتح الباري)) لابن رجب (5/534)، ((الإنصاف)) للمرداوي (2/284). ، وهو قولُ ابنِ باز قال ابنُ باز: (أمَّا بعدَها فلها سُنَّة راتبة، أقلُّها ركعتان وأكثرُها أربع؛ لقول النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «مَن كان منكم مصليًا بعدَ الجمعة فليصلِّ بعدَها أربعًا»، وكان صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُصلِّي ركعتينِ بعدَ الجمعة في بيتِه) ((مجموع فتاوى ابن باز)) (12/387). ، والألبانيِّ قال الألبانيُّ: (فإذا صلَّى بعد الجمعة ركعتينِ أو أربعًا في المسجد جاز، أو في البيت؛ فهو أفضلُ). ((تمام المنة)) (ص 341). ؛ وذلك جمعًا بين حديثِ أبي هريرةَ رَضِيَ اللهُ عَنْه، عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((مَن كان منكم مُصلِّيًا بعدَ الجُمُعةِ، فليصلِّ أربعًا)) رواه مسلم (881). ، وبينَ حديثِ ابنِ عُمرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهما: ((أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كانَ لا يُصلِّي بعدَ الجمُعةِ حتى يَنصَرِفَ، فيُصلِّي ركعتَينِ )) ((فتح الباري)) لابن رجب (5/534). والحديث أخرجه البخاريُّ (937)، ومسلم (882).
القول الثالث: إنْ صلَّى في المسجدِ صلَّى أربعًا، وإنْ صلَّى في بيته صلَّى ركعتينِ، وهو قولُ إسحاقَ بنِ راهَويهِ قال الترمذيُّ: (قال إسحاق: إنْ صلَّى في المسجد يوم الجمعة صلَّى أربعًا، وإنْ صلَّى في بيته صلى ركعتين، واحتجَّ بأنَّ النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان يُصلِّي بعد الجمعة ركعتين في بيته، وحديث النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «مَن كان منكم مصليًا بعد الجمعة فليصلِّ أربعًا») ((سنن الترمذي)) (2/401)، وينظر: ((فتح الباري)) لابن رجب (5/534). ، واختاره ابنُ تيميَّة قال ابنُ تيميَّة: (إنْ صلَّى في المسجد صلَّى أربعًا، وإنْ صلَّى في بيته صلَّى ركعتين) ((المستدرك على مجموع الفتاوى)) (3/129). ، وابنُ القيِّمِ قال ابنُ القيِّم: (قال شيخنا أبو العباس ابن تيميَّة: إنْ صلَّى في المسجد صلى أربعًا، وإنْ صلَّى في بيته صلَّى ركعتين. قلتُ: وعلى هذا تدلُّ الأحاديث، وقد ذكر أبو داود عن ابن عمر أنَّه كان إذا صلَّى في المسجد صلى أربعًا، وإذا صلى في بيته صلَّى ركعتين). ((زاد المعاد)) (1/440). ، وبه أفتت اللَّجنة الدَّائمة في فتاوى اللجنة الدائمة: (سُنَّة الجمعة بعدها إنْ صلَّاها في المسجد صلَّى أربعًا، وإن صلَّاها في البيت صلَّى ركعتين). ((فتاوى اللجنة الدائمة - المجموعة الثانية)) (6/131).
وذلك جمعًا بين حَديثي أبي هُرَيرَة وابنِ عُمرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهم؛ فحديثُ ابنِ عُمرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهما نصَّ فيه أنه كان يُصلِّي الركعتينِ في بيتِه، وحديثُ أبي هُرَيرَة رضي الله في الصَّلاةِ أربعًا يُحمل على الصلاةِ في المسجد؛ جمعًا بين الحديثين ((سنن الترمذي)) (2/401).

انظر أيضا: