موسوعة اللغة العربية

المَطْلَبُ السَّابِعُ: التَّوْقيعاتُ


التَّوْقيعاتُ: فَنٌّ بَليغٌ مِن فُنونِ النَّثْرِ، وهو عِبارةٌ موجَزةٌ بَليغةٌ يَكتُبُها الخَليفةُ أو الأميرُ أو الوَزيرُ في أسْفَلِ الكُتُبِ الوارِدةِ إليه، بإبْداءِ الرَّأيِ فيما يُرفَعُ إليه مِن شَكْوى، أو يُقدَّمُ له مِن رَجاءٍ، أو يُسْتَشارُ فيه مِن أمْرٍ، وقد كانَ التَّوقيعُ أوَّلَ الأمْرِ خالِيًا مِن أيِّ لَمْسةٍ أدَبيَّةٍ؛ فكانَ يُكْتَفى فيه بمُجرَّدِ الإذْنِ أو المَنْعِ أو تَقْديمِ المَشورةِ، فكانَ الخَليفةُ يُوقِّعُ في الكِتابِ: يُنفَّذُ هذا إن شاءَ اللهُ، أو: هذا صَحيحٌ، أو: لِتُرَدَّ على هذا ظُلامتُه، أو نَحْوَ ذلك [679] يُنظر: ((الاقتضاب في شرح أدب الكتاب)) لابن السيد البطليوسي (1/ 195). .
وقد ارْتَبَطَ التَّوْقيعُ بالكِتابةِ؛ لِهذا لم يَعرِفِ العَربُ في الجاهِليَّةِ هذا النَّوْعَ مِن الأدَبِ، كما أنَّه لم يَصِلْنا شيءٌ مِن ذلك التَّوْقيعِ في زَمانِ النُّبوَّةِ، إلَّا أنَّه أوَّلُ ما يَصِلُنا مِن تلك التَّوْقيعات ما وَقَّعَ به أبو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ على كِتابِ خالِدِ بنِ الوَليدِ يَطلُبُ مَشورتَه في أمْرِ العَدُوِّ في دَومةِ الجَنْدَلِ، فكَتَبَ أبو بَكْرٍ: (ادْنُ مِن المَوْتِ تُوهَبْ لك الحَياةُ).
ثُمَّ تَوالَتِ التَّوْقيعاتُ بَعْدَ ذلك؛ فكَتَبَ سَعْدُ بنُ أبي وَقَّاصٍ إلى عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ يَسْتأذِنُه في بِناءِ دارِ الإمارةِ في الكوفةِ، فوَقَّعَ عُمَرُ: (ابنِ ما يَستُرُ مِن الشَّمْسِ ويَكِنُّ مِن المَطَرِ)، وتَظلَّمَ قَوْمٌ إلى عُثْمانَ مِن مَرْوانَ بنِ الحَكَمِ، وذَكَروا أنَّه أمَرَ بوَجْءِ أعْناقِهم، فوَقَّعَ: فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ [الشُّعَراء: 216] ، ووَقَّعَ عليٌّ إلى طَلْحةَ رَضيَ اللهُ عنهما: (في بَيْتِه يُؤْتى الحَكَمُ)، ووَقَّعَ في كِتابِ ابنِه الحَسَنِ أو الحُسَينِ في أمْرِ عُثْمانَ رَضيَ اللهُ عنه: (رأيُ الشَّيْخِ خَيْرٌ مِن مَشهَدِ الغُلامِ) [680] يُنظر: ((خاص الخاص)) لأبي منصور الثعالبي (ص: 86)، ((جمهرة رسائل العرب في عصور العربية)) لأحمد زكي صفوت (1/ 530). .
وقدْ أكْثَرَ الأُمَوِيُّونَ مِن اسْتِخدامِ التَّوْقيعاتِ، حتَّى إنَّهم صاروا يُوقِّعونَ بآيةٍ قُرآنيَّةٍ، أو حَديثٍ شَريفٍ، أو بَيْتٍ مِن الشِّعْرِ، أو مَثَلٍ سائِرٍ، أو حِكْمةٍ مَأثورةٍ؛ فمِن ذلك أنَّ مُعاوِيةَ رَضيَ اللهُ عنه وَقَّعَ في كِتابٍ: (نحن الزَّمانُ؛ مَن رَفَعْناه ارْتَفَع، ومَن وَضَعْناه اتَّضَع)، وهذا قُتَيْبةُ بنُ مُسلِمٍ أرْسَلَ إلى سُلَيْمانَ بنِ عبْدِ المَلِكِ يَتَهدَّدُه بالخَلْعِ، فوَقَّعَ إليه سُلَيْمانُ في كِتابِه:
زَعَم الفَرَزْدَقُ أن سَيقتُلُ مِرْبعًا
أبْشِرْ بطولِ سَلامةٍ يا مِرْبعُ
وكَتَبَ عبْدُ اللهِ بنُ جَعْفَرٍ إلى يَزيدَ بنِ مُعاوِيةَ يَسْتَوهبُه جَماعةً مِن أهْلِ المَدينةِ، فوَقَّعَ: (مَن عَرَفْتَ فهو آمِنٌ)، إلى غيْرِ هذا مِن التَّوْقيعاتِ الكَثيرةِ [681] يُنظر: ((خاص الخاص)) لأبي منصور الثعالبي (ص: 86). .
لكنْ لم يُكتَبْ للتَّوْقيعاتِ الأدَبيَّةِ ذلك الحَظُّ مِن الذُّيوعِ والانْتِشارِ إلَّا في العَصْرِ العبَّاسيِّ، حينَما ازْدَهَرَتِ الكِتابةُ الفنِّيَّةُ، وتَعدَّدَتْ أغْراضُها، وحلَّتْ مَحَلَّ الخَطابةِ في كَثيرٍ مِن شُؤونِ الدَّوْلةِ وقَضاياها، وأصْبَحَ الكاتِبُ البَليغُ مَطْلَبًا مِن مَطالِبِ الدَّوْلةِ تَحرِصُ عليه وتَبحَثُ عنه، بلْ أصْبَحَ لا يَحْظى بالوِزارةِ إلَّا ذَوو القَلَمِ السَّيَّالِ مِن الكُتَّابِ والفُصَحاءِ؛ فما كانَ البَرامِكةُ والفَضْلُ بنُ الرَّبيعِ والفَضْلُ والحَسَنُ ابنا سَهْلٍ إلَّا كُتَّابًا، بلْ إنَّ الخُلَفاءَ أنْفُسَهم كانوا يَطَّلِعونَ على ما يَرِدُ إليهم مِن الكُتُبِ، فيُوقِّعونَ عليها، ووَصَلَنا عنهم عَدَدٌ لا يُسْتهانُ به مِن التَّوْقيعاتِ الأدَبيَّةِ.
ثُمَّ عَهِدَ الخُلَفاءُ بعْدَ ذلك إلى الكُتَّابِ والوُزَراءِ المَشْهورينَ أمْرَ الرَّسائِلِ والتَّوْقيعاتِ، فصاروا يُوَقِّعونَ رَسائِلَ الخُلَفاءِ والأُمَراءِ نِيابةً عنهم، ثُمَّ لم يَلبَثْ أن أُنشِئَ ديوانٌ خاصٌّ بالتَّوْقيعاتِ بعْدَ ذلك، أُسنِدَ العَمَلُ فيه إلى بُلَغاءِ الكُتَّابِ والأدَباءِ ممَّن عُرِفوا ببَلاغةِ القَوْلِ وشِدَّةِ العارِضةِ وحُسْنِ التَّأتِّي للأمورِ؛ وفي هذا يقولُ ابنُ خَلْدونَ: (واعْلَمْ أنَّ صاحِبَ هذه الخُطَّةِ لا بُدَّ مِن أن يُتَخيَّرَ مِن أرْفَعِ طَبَقاتِ النَّاسِ، وأهْلِ المُروءةِ والحِشْمةِ مِنهم، وزِيادةِ العِلمِ وعارِضةِ البَلاغةِ؛ فإنَّه مُعرَّضٌ للنَّظَرِ في أُصولِ العِلمِ لِما يَعرِضُ في مَجالِسِ المُلوكِ ومَقاصِدِ أحْكامِهم مِن أمْثالِ ذلك ما تَدْعو إليه عِشْرةُ المُلوكِ مِن القِيامِ على الآدابِ والتَّخلُّقِ بالفَضائِلِ، معَ ما يُضْطَرُّ إليه في التَّرْسيلِ وتَطْبيقِ مَقاصِدِ الكَلامِ مِن البَلاغةِ وأسْرارِها) [682] يُنظر: ((تاريخ ابن خلدون)) (1/ 307). .
وقد لاقَتِ التَّوْقيعاتُ العبَّاسيَّةُ رَواجًا كَبيرًا وقَبولًا مُنْعدِمَ النَّظيرِ بَيْنَ النَّاشِئةِ والأُدَباءِ؛ فقدْ كانَ جَعْفَرُ بنُ يَحْيى البَرْمَكيُّ يُوقِّعُ القِصَصَ بَيْنَ يَدَيِ الرَّشيدِ، ويَرْمي بالقِصَّةِ إلى صاحِبِها، فكانت تَوْقيعاتُه يَتَنافَسُ البُلَغاءُ في تَحْصيلِها؛ للوُقوفِ على أساليبِ بَلاغتِها وفُنونِها، وقيلَ: كانت تُباعُ كلُّ قِصَّةٍ مِنها بدينارٍ! وكانَ جَعْفَرٌ يقولُ لكُتَّابِه: (إن اسْتَطَعْتُم أن يكونَ كَلامُكم كلُّه مِثلَ التَّوْقيعِ فافْعَلوا) [683] ((تاريخ ابن خلدون)) (1/ 307)، ((جمهرة رسائل العرب في عصور العربية)) لأحمد زكي صفوت (4/ 387). .
ومِن تَوْقيعاتِهم:
وَقَّعَ أبو العَبَّاسِ السَّفاحُ في كِتابٍ لأبي جَعْفَرٍ المَنْصورِ وهو يُحارِبُ ابنَ هُبَيْرةَ بواسِطٍ: (إنَّ ‌حِلْمَك ‌أفْسَدَ ‌عِلمَك، وتَراخيَك أثَّرَ في طاعتِك؛ فخُذْ لي مِنك، ولك مِن نفْسِك)، ووَقَّعَ أبو جَعْفَرٍ المَنْصورُ في كِتابٍ لأحَدِ عُمَّالِه: (كَثُرَ شاكوك وقَلَّ شاكِروك، فإمَّا اعْتَدَلْتَ وإمَّا اعْتَزَلْتَ)، ووَقَّعَ الرَّشيدُ على كِتابِ نِقْفُورَ مَلِكِ الرُّومِ: (الجَوابُ ما تَراه لا ما تَقْرَؤُه)، ووَقَّعَ يَحْيى بنُ خالِدٍ البَرْمَكِيُّ في كِتابِ رَجُلٍ مَحْبوسٍ يَلتَمِسُ مِنه الإطْلاقَ: لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ [الرعد: 38] ، ووَقَّعَ جَعْفَرُ بنُ يَحْيى على كِتابِ مُعْتذِرٍ مِن ذَنْبٍ: (قد تَقَدَّمَتْ طاعتُك وسَبَقَتْ نَصيحتُك، فإن بَدَرَتْ مِنك هَفْوةٌ فلن تَغلِبَ سَيِّئةٌ حَسَنتَينِ) [684] يُنظر: ((العقد الفريد)) لابن عبد ربه (4/294)، ((خاص الخاص)) لأبي منصور الثعالبي (ص: 88). .

انظر أيضا: