موسوعة اللغة العربية

المَبحَثُ التَّاسِعُ: بِناءُ القَصيدةِ الجاهِليَّةِ


عرَفَتِ القَصيدةُ الجاهِليَّةُ شَكلًا مُوَحَّدًا لا تَخرُجُ عنه، فكانَ الشَّاعِرُ إذا أرادَ أن يَكتُبَ قَصيدةً في الوَصْفِ أوِ الغَزَلِ أوِ المَدْحِ أوِ الهِجاءِ أو نَحْوِها مِن أغْراضِ الشِّعْرِ ومَوْضوعاتِه- لم يَسلُكْ إلى مَقصَدِه مُباشَرةً دونَ أن يَذكُرَ المُقدِّمةَ التَّقْليديَّةَ الَّتي شاعَتْ في جُلِّ القَصائِدِ الجاهِليَّةِ إن لم تكنْ كلَّها، فلا بدَّ للشَّاعِرِ أن يَقِفَ على الأطْلالِ وآثارِ بَيْتِ مَحْبوبتِه الَّتي رحَلَتْ عنه وتَرَكتْه قَفْرًا لا رُوحَ فيه ولا حَياةَ، فيَقِفُ الشَّاعِرُ على تلك الأطْلالِ باكيًا مُهَيِّجًا السَّامِعينَ على البُكاءِ، ويَسْتدعي ذلك الحَديثَ عن حَبيبتِه ووَصْفِها وجَمالِها وذِكْرَياتِهما معًا، وأنَّه لا يَسْتطيعُ نِسْيانَها رَغْمَ مُحاوَلاتِه الكَثيرةِ، ثُمَّ يُتبِعُ ذلك بوَصْفِ رِحْلتِه في الصَّحراءِ وتَحمُّلِه العَطَشَ والحَرَّ الشَّديدَ، ويَلزَمُ منه وَصْفُ ناقتِها وسُرعتِها، وصِفةِ مَشيِها وجَرْيِها، وضُمورِ بَطْنِها، ونَحْوِ ذلِك، إلى أن يَصِلَ إلى مَوْضوعِه الَّذي أرادَه، فيَعدِلَ إليه في حُسْنِ تَخلُّصٍ وانْسيابٍ لا يَشعُرُ به السَّامِعُ أنَّه انْتَقلَ مِن المُقدِّمةِ إلى المَوْضوعِ.
والمُعلَّقاتُ المَشْهورةُ شاهِدةٌ بذلِك؛ ففي كلِّها تلك المُقدِّمةُ الطَّلَلِيَّةُ، معَ اخْتِلافِ النَّزْعةِ والمَأخَذِ وطَريقةِ العَرْضِ؛ ففي مُعلَّقةِ امْرِئِ القَيْسِ أطْلالٌ لدِيارٍ عفَتْ وسَكَنَتْها الآرامُ، وظَعائِنُ تَسيرُ، والشَّاعِرُ يَقِفُ باكيًا حَزينًا، وفي مُعلَّقةِ طَرَفةَ أطْلالٌ تَكادُ آثارُها لا تُرى، والشَّاعِرُ واقِفٌ بها في أسًى ولَوعةٍ، والظَّعائِنُ تَسيرُ في مَوْكِبٍ ضَخْمٍ عَظيمٍ تَشُقُّ الوديانَ في سُرعةٍ ونَشاطٍ، وعنْدَ زُهَيْرٍ أطْلالٌ أصْبَحَتْ مَواطِنَ أمْنٍ واسْتِقرارٍ للبَقَرِ والظِّباءِ وأوْلادِها، فيُحيِّيها ويَدْعو لها بالخَيْرِ، وظَعائِنُ مُتْرَفاتٌ مُنعَّماتٌ يَصِلْنَ إلى مَكانٍ أمينٍ مُريحٍ، وعنْدَ لَبيدٍ ديارٌ تَخرَّبَتْ وأصْبَحَتْ مَرعًى لقُطعانِ الماشيةِ، فلا أمَلَ له مِنها يُرْتَجى، وظَعائِنُ فارَقْنَ وقَطَعْنَ الصِّلةَ، أمَّا عَنْتَرةُ فديارُ حَبيبتِه لها واجِبُ التَّحيَّةِ والوَفاءِ، والحَبيبةُ وإن بَعُدَتْ فلها كلُّ مَحبَّةٍ وإكرامٍ، وظَعينةُ عَمْرِو بنِ كُلْثومٍ يَسألُها عن حَقيقةِ شُعورِها نَحْوَه: قَطيعةٌ أم خِيانةٌ للعَهْدِ؟ أمَّا الحارِثُ بنُ حِلِّزةَ فقدْ أعْلَمَتْه الحَبيبةُ بالرَّحيلِ، وقد خلَتِ الدِّيارُ مِنها، فلا جَدوى مِن البُكاءِ عنْدَها، وذلِك يُوضِّحُ أنَّ الشَّاعِرَ وإنِ اتَّفَقَ معَ غيْرِه في الفِكرةِ فإنَّ جانِبَ الانْفِعالِ لديه كانَ يَخْتلِفُ.
وكانَ أيضًا مِن بيْنِ الافْتِتاحيَّاتِ الحَديثُ عنِ الصِّبا والشَّبابِ والشَّيْبِ والخَمْرِ والطَّيْفِ، يَصِفونَ رِحْلاتِهم في الصَّحراءِ وما يَرْكَبونَه مِن إبِلٍ وخَيْلٍ، وكَثيرًا ما يُشبِّهونَ النَّاقةَ في سُرْعتِها ببعضِ الحَيواناتِ الوَحْشيَّةِ، ويَمْضونَ في تَصْويرِها، ثُمَّ الحَديثُ عن ذِكرياتِ الحَبيبةِ وجَمالِها، ومُحاوَلةِ التَّسلِّي عنها، ثُمَّ يُحاوِلُ الشَّاعِرُ أن يَنفُذَ إلى غَرَضِه الَّذي إليه يَرمي، فإن كانَتِ المُقدِّمةُ تُشبِهُ المَوْضوعَ الرَّئيسَ، وكان بيْنَهما صِلةٌ عَقْليَّةٌ أو تَسَلْسُلٌ مَنْطِقيٌّ، انْتَقلَ الشَّاعِرُ مِنَ المُقدِّمةِ إلى المَوْضوعِ دونَ أن يُشعِرَ السَّامِعَ بِهذا الانْتِقالِ، وهذا يَرجِعُ إلى بَراعةِ الشَّاعِرِ وتَمكُّنِه مِن أدَواتِ الصِّياغةِ، وهذا ما يُسمَّى بحُسْنِ التَّخلُّصِ، أمَّا إذا كانَتْ هناك مُفارَقةٌ بيْنَ المُقدِّمةِ والمَوْضوعِ، ولم يَسْتطِعِ الشَّاعِرُ أن يَنفُذَ إلى مَوْضوعِه بلُطْفِ الحيلةِ وحُسْنِ التَّخلُّصِ؛ فإنَّه يَبدَأُ مَوْضوعَه بقَولِه: "دَعْ ذا" أو "عَدِّ عن ذا"، أو يَبدَأُ مَوْضوعَه ب(إنَّ) المُشدَّدةِ الَّتي لا تَقَعُ إلَّا في ابْتِداءِ الكَلامِ؛ كي يُعلِمَ السَّامِعَ أنَّه بدَأَ مَوْضوعَه، وهذا يُسمَّى ‌طَفرًا وانْقِطاعًا [139] يُنظر: ((العمدة)) لابن رشيق (1/239)، ((في تاريخ الأدب الجاهلي)) لعلي الجندي (ص: 335). .
وقد فسَّرَ ابنُ قُتَيْبةَ السَّببَ الَّذي حرَصَ لأجْلِه الشُّعَراءُ الجاهِليُّونَ على تلك المُقدِّمةِ الطَّلَليَّةِ فقالَ: (سمِعْتُ بعضَ أهْلِ الأدَبِ يَذكُرُ أنَّ مُقَصِّدَ القَصيدِ إنَّما ابْتَدأَ فيها بذِكْرِ الدِّيارِ والدِّمَنِ والآثارِ، فبَكى وشَكا، وخاطَبَ الرَّبْعَ، واسْتَوقَفَ الرَّفيقَ؛ ليَجعَلَ ذلك سَببًا لذِكْرِ أهْلِها الظَّاعِنينَ عنها، إذ كانَت نازِلةَ العَمَدِ في الحُلولِ والظَّعْنِ، على خِلافِ ما عليه نازِلةُ المَدَرِ؛ لانْتِقالِهم عن ماءٍ إلى ماءٍ، وانْتِجاعِهم الكَلَأَ، وتَتبُّعِهم مَساقِطَ الغَيْثِ حيثُ كانَ، ثُمَّ وصَلَ ذلك بالنَّسيبِ، فشَكا شِدَّةَ الوَجْدِ وألَمَ الفِراقِ، وفَرْطَ الصَّبابةِ والشَّوقِ، ليُميلَ نَحْوَه القُلوبَ، ويَصرِفَ إليه الوُجوهَ، وليَسْتدعيَ به إصْغاءَ الأسْماعِ إليه؛ لأنَّ التَّشْبيبَ قَريبٌ مِن النُّفوسِ، لائِطٌ بالقُلوبِ؛ لِما قد جعَلَ اللهُ في تَرْكيبِ العِبادِ مِن مَحبَّةِ الغَزَلِ وإلْفِ النِّساءِ، فليس يَكادُ أحَدٌ يَخْلو مِن أن يكونَ مُتعلِّقًا مِنه بسَبَبٍ، وضارِبًا فيه بسَهْمٍ، حَلالٍ أو حَرامٍ، فإذا علِمَ أنَّه قدِ اسْتَوثَقَ مِن الإصْغاءِ إليه، والاسْتِماعِ له، عقَّبَ بإيجابِ الحُقوقِ، فرَحَلَ في شِعْرِه، وشَكا النَّصَبَ والسَّهَرَ، وسُرى اللَّيلِ وحَرَّ الهَجير، وإنْضاءَ الرَّاحِلةِ والبَعير، فإذا علِمَ أنَّه قد أوْجَبَ على صاحِبِه حَقَّ الرَّجاءِ وذِمامةَ التَّأميل، وقرَّرَ عنْدَه ما نالَه مِن المَكارِهِ في المَسير، بدَأَ في المَديحِ، فبعَثَه على المُكافأةِ، وهزَّه للسَّماحِ، وفضَّلَه على الأشْباهِ، وصَغَّرَ في قَدْرِه الجَزيلَ) [140] يُنظر: ((الشعر والشعراء)) لابن قتيبة (1/ 75). .
فهذا هو التَّرْكيبُ الفنِّيُّ للقَصيدةِ الجاهِليَّةِ، وندَرَ أن يَشِذَّ أحَدٌ مِنهم عن هذه العادةِ المَألوفةِ في شِعْرِهم، وللقَصيدةِ مَهْما طالَتْ تَقْليدٌ ثابِتٌ في أوْزانِها وقَوافيها وطَريقةِ نَسْجِها، فهي تَتَألَّفُ مِن وَحَداتٍ مُوسيقيَّةٍ يُسمُّونها الأبْياتَ، وتَتَّحِدُ جَميعُ الأبْياتِ في وَزْنِها وقافيتِها، وما تَنْتهي به مِن رَوِيٍّ [141] ينظر: ((تاريخ الأدب العربي)) لشوقي ضيف (1/184). .

انظر أيضا: