موسوعة اللغة العربية

تمهيدٌ: التَّعْريبُ في العَصْرِ الحَديثِ (التَّعْريبُ وقَراراتُ مَجمَعِ اللُّغةِ)


نَظْرةٌ تاريخيَّةٌ:
ظَهَرَتِ النَّهْضةُ العِلميَّةُ الحَديثةُ في مِصْرَ، ومِن المُرجَّحِ أنَّ بِدايتَها معَ الحَمْلةِ الفَرَنْسيَّةِ على مِصْرَ، تلك الأيَّامُ الَّتي بَدَأَ النَّاسُ يَشْعُرونَ فيها برُجْحانِ العُلومِ الحَديثةِ والقوَّةِ المادِّيَّةِ الَّتي حَصَلَتْ عليها الشُّعوبُ الأوْروبِّيَّةُ، فلمَّا جاءَ مُحمَّد علي إلى سُدَّةِ الحُكْمِ في مِصْرَ أدْرَكَ أنَّه لا يُمكِنُ إنْشاءُ دَوْلةٍ بالمَعْنى الحَديثِ إلَّا باقْتِباسِ أسْبابِ المَدَنيَّةِ الحَديثةِ، فكانَ إنْشاءُ المَدارِسِ وإرْسالُ البَعَثاتِ، وقدْ نَجَمَ عن ذلك نَقْلُ مُصْطلَحاتِ العُلومِ الحَديثةِ إلى اللُّغةِ العَربيَّةِ عن طَريقِ التَّرْجمةِ والتَّعْريبِ.
وقدْ تَوالَتِ الجُهودُ في نَقْلِ المُصْطلَحاتِ العِلميَّةِ بوَضْعِ المَعاجِمِ الثُّنائيَّةِ وقَوائِمِ المُصْطلَحاتِ، دونَ أن يكونَ ثَمَّةَ أساسٌ نَظَريٌّ لِهذه الحَرَكةِ، أو تَتَحدَّدَ أوْلَويَّاتُ الاخْتِيارِ أو الوَضْعِ.
وفي النِّصْفِ الثَّاني مِن القَرْنِ التَّاسِعَ عَشَرَ بَدَأَ الأساسُ النَّظَريُّ للتَّعْريبِ تَلوحُ بِداياتُه؛ فقدْ ألْمَحَ إليه أحْمَد فارِس الشِّدْياق، وكَتَبَ فيه جُرْجي زيدان مَقالَينِ؛ الأوَّلُ بعُنْوانِ: (المُجْتمَعُ اللُّغَويُّ) اقْتَرَحَ فيه مُرادِفاتٍ لبعضِ الألْفاظِ الأعْجَميَّةِ الشَّائِعةِ، والثَّاني بعُنْوانِ: (تاريخُ اللُّغةِ العَربيَّةِ والألْفاظِ المُولَّدةِ فيها)، وهو بمَنزِلةِ عَرْضٍ تاريخيٍّ موجَزٍ للألْفاظِ العَربيَّةِ والدَّخيلةِ وما حَدَثَ لها مِن تَغْييرٍ عَبْرَ العُصورِ، وكَتَبَ فيه أيضًا إبراهيم اليازجِي مَقالًا في مَجلَّةِ الضِّياءِ نَبَّهَ إلى خُطورةِ الاكْتِفاءِ باسْتِعمالِ المُصْطلَحاتِ الدَّخيلةِ، وأوْجَبَ أن نُنْشِئَ طَريقةً لوَضْعِ ألْفاظِ المُسْتحْدَثاتِ [326] يُنظر: ((التَّعْريب في القديم والحديث)) لمحمد حسن عبد العزيز (ص: 172، 173). .
حتَّى أُنْشِئَ مَجمَعُ اللُّغةِ العَربيَّةِ بالقاهرة الَّذي فاقَ الجَميعَ لا مِن حيثُ كَميَّةُ المُصْطلَحاتِ، وإنَّما مِن حيثُ دِقَّتُها وتَحْقيقُها [327] يُنظر: ((المصطلحات العلمية)) لمصطفى الشهابي (ص: 37 – 47). ، وأعْلَنَ أنَّ مِن أهَمِّ أغْراضِه جَعْلَ اللُّغةِ العَربيَّةِ وافيةً بمَطالِبِ الفُنونِ والعُلومِ [328] يُنظر: ((التَّعْريب في القديم والحديث)) لمحمد حسن عبد العزيز (ص: 291). .
ولا يَعني ذلك أنَّ المجامِعَ الأُخرى كانت خِلْوًا مِن الاهتمامِ بأمرِ التَّعريبِ؛ فقدْ شَغَل التَّعريبُ المجامِعَ العربيَّةَ كلَّها، وكانت لها قَراراتٌ وجُهودٌ مَشكورةٌ، وسيَتِمُّ تَناوُلُ جُهودِ مَجامعِ اللُّغةِ العربيَّةِ مِن خِلالِ مَجموعةٍ مِن القَضايا والفروعِ.

انظر أيضا: