الموسوعة العقدية

 الْوَجْهُ

صِفةٌ ذاتيَّةٌ لله عزَّ وجلَّ، ثابتةٌ بالكِتابِ والسُّنَّةِ.
الدَّليلُ مِن الكِتابِ:
1- قولُه تَعالَى: وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ [البقرة: 272] .
2- قَولُه: وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ [الرعد: 22] .
الدَّليلُ من السُّنَّةِ:
1- حديثُ سعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عنه مرفوعًا: ((... إنَّك لنْ تُخلَّفَ فتعملَ عملًا تَبتغي به وَجْهَ اللهِ، إلَّا ازددتَ به درجةً ورِفعةً... )) [3140] أخرجه البخاري (6733)، ومسلم (1628). .
2- حديثُ ابنِ عُمرَ رَضِيَ اللهُ عنهما مرفوعًا في الثلاثةِ الَّذين حُبِسُوا في الغارِ، فقال كُلُّ واحدٍ منهم: ((اللهمَّ إنْ كنتُ فعلتُ ذلك ابتغاءَ وجهِك؛ ففرِّجْ عنَّا ما نحنُ فيه... )) [3141] أخرجه البخاري (2272) واللفظ له، ومسلم (2743). .
3- حديثُ ابنِ مَسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: (قَسَم النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قَسْمًا، فقال رجلٌ: إنَّ هذه لَقِسمةٌ ما أُريدَ بها وجهُ اللهِ...) [3142] أخرجه البخاري (3405) واللفظ له، ومسلم (1062). .
قال الشافعيُّ: (للهِ تبارَك وتَعالى أسماءٌ وصِفاتٌ جاءَ بها كِتابُه، وأخْبَر بها نبيُّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمَّتَه... وأنَّ له وجهًا بقَولِه: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ، وقَولِه: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ...) [3143] يُنظر: ((طبقات الحنابلة)) لابن أبي يعلى (1/282). .
وقال ابنُ خُزيمةَ بعدَ أنْ أورد جملةً مِن الآياتِ تُثبتُ صِفةَ الوَجْهِ للهِ تعالى: (فنحنُ وجميعُ عُلمائِنا من أهلِ الحِجازِ وتِهامةَ واليَمَنِ والعِراقِ والشَّامِ ومِصرَ؛ مذهبُنا: أنَّا نُثبِتُ للهِ ما أثبتَه اللهُ لنَفْسِه، نُقرُّ بذلك بألْسنِتنا، ونُصدِّقُ ذلك بقُلوبِنا؛ مِن غيرِ أنْ نُشبِّهَ وَجْهَ خالِقِنا بوَجْهِ أحدٍ من المخلوقينَ، عزَّ ربُّنا أنْ يُشبِهَ المخلوقين، وجلَّ ربُّنا عن مقالةِ المُعطِّلين) [3144] يُنظر: ((كتاب التوحيد)) (1/25). .
وقال ابنُ مَندَه: (مِن صِفاتِ اللهِ عزَّ وجلَّ التي وصَفَ بها نفْسَه قَولُه: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ، وقال: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، وكان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَستعيذُ بوَجْهِ اللهِ من النَّارِ والفِتنِ كلِّها، ويَسألُ به...)، ثم سرَدَ أحاديثَ بسَنَدِه، ثمَّ قال: (بيانٌ آخَرُ يدلُّ على أنَّ العبادَ يَنظُرون إلى وَجْهِ ربِّهم عزَّ وجلَّ) [3145] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (3/36). ، وسرَد بسَنَدِه ما يدلُّ على ذلك.
وقال البزدوي الحنفي: (وكذلك إثباتُ اليَدِ والوَجهِ حَقٌّ عِندَنا) [3146])) يُنظر: ((كشف الأسرار شرح أصول البزدوي)) لعبد العزيز البخاري (1/ 60). .
وقال البَغَويُّ: (كُلُّ ما جاء به الكِتابُ أو السُّنَّةُ مِن هذا القَبيلِ في صِفاتِ اللهِ سُبحانَه وتعالى؛ كالنَّفْسِ، والوَجْهِ، والعَيْنِ، واليَدِ، والرِّجْلِ، والإتيانِ، والمجيءِ، والنُّزولِ إلى السَّماءِ الدُّنيا، والاستواءِ على العَرْشِ... فهذه ونظائِرُها صِفاتٌ لله عَزَّ وجَلَّ، ورد بها السَّمعُ، يجِبُ الإيمانُ بها، وإمرارُها على ظاهِرِها، مُعرِضًا فيها عن التَّأويلِ، مجتَنِبًا عن التَّشبيهِ، مُعتَقِدًا أنَّ الباريَ سُبحانَه وتعالى لا يُشبِهُ شَيءٌ مِن صِفاتِه صِفاتِ الخَلْقِ، كما لا تُشبِهُ ذاتُه ذواتِ الخَلْقِ؛ قال اللهُ سُبحانَه وتعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: 11]. وعلى هذا مضى سَلَفُ الأمَّةِ وعُلَماءُ السُّنَّةِ، تَلَقَّوها جميعًا بالإيمانِ والقَبولِ، وتجَنَّبوا فيها عن التَّمثيلِ والتَّأويلِ، ووكَلوا العِلمَ فيها إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، كما أخبَرَ اللهُ سُبحانَه وتعالى عن الرَّاسِخينَ في العِلمِ، فقال عَزَّ وجَلَّ: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا [آل عمران: 7] ) [3147] يُنظر: ((شرح السنة)) (1/ 168 - 171). .
وقال ابنُ رُشدٍ: (لا اختِلافَ بينهم أيضًا في جوازِ إطلاقِ القَولِ بأنَّ للهِ يَدَين ووَجهًا وعينينِ؛ لأنَّ اللهَ وصَفَ بذلك نَفْسَه بكتابِه، فوجب إطلاقُ القَولِ بذلك، والاعتقادُ بأنَّها صفاتُ ذاتِه من غيرِ تكييفٍ ولا تشبيهٍ ولا تحديدٍ؛ إذ لا يُشبِهُه شيءٌ من المخلوقاتِ، هذا قَولُ المحقِّقين من المتكَلِّمين، وتوقَّف كثيرٌ من الشُّيوخِ عن إثباتِ هذه الصِّفاتِ الخَمسِ، وقالوا: لا يجوزُ أن يَثبُت في صفاتِ اللهِ ما لم يُعلَمْ بضرورةِ العَقلِ ولا بدليلِه، وتأوَّلوها على غيرِ ظاهِرِها، فقالوا: المرادُ بالوَجهِ الذَّاتُ، كما يقالُ: وَجهُ الطَّريقِ، ووَجهُ الأمرِ ذاتُه ونَفْسُه، والمرادُ بالعينين إدراكُ المرئيَّاتِ، والمرادُ باليَدَين النِّعْمتان، وقَولُه تعالى: ((بِيَدَيَّ))، أي: لِيَدَيَّ؛ لأنَّ حُروفَ الخَفضِ يُبدَلُ بَعضُها من بعضٍ، والصَّوابُ قَولُ المحَقِّقين الذين أثبَتوها صفاتٍ لذاتِه تعالى، وهو الذي قاله مالكٌ في هذه الرِّوايةِ) [3148])) يُنظر: ((البيان والتحصيل)) (16/401). .
وقال أبو القاسِمِ الأصبهانيُّ: (ذِكْرُ إثباتِ وَجْهِ اللهِ عزَّ وجلَّ الذي وصَفَه بالجَلالِ والإكرامِ والبَقاءِ في قَولِه عزَّ وجلَّ: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ [الرحمن: 27]) [3149] يُنظر: ((الحجة في بيان المحجة)) (1/199). ويُنظر: ((أصول اعتقاد أهل السُّنَّة والجماعة)) للالكائي (3/412)، ((تفسير ابن جرير)) لقولِه تعالى: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ، وتفسير الآية نفْسها من ((أضواء البيان))، ويُنظر كلامُ البَغَويِّ في صِفة (الأصابع)، وكلامُ ابنِ كثيرٍ في صِفة (السمع). .
وقال المقدسِيُّ: (من الصِّفاتِ التي نَطَق بها القُرآنُ، وصَحَّت بها الأخبارُ: الوَجهُ.
قال اللهُ عَزَّ وجَلَّ: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ، وقال عَزَّ وجَلَّ: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ؛ فهذه صِفةٌ ثابتةٌ بنَصِّ الكِتابِ وخَبَر الصَّادقِ الأمينِ؛ فيجِبُ الإقرارُ بها والتسليمُ، كسائِرِ الصِّفاتِ الثَّابتةِ بواضِحِ الدَّلالاتِ) [3150] يُنظر: ((الاقتصاد في الاعتقاد)) (ص: 96، 98). .
وقال ابنُ باز: (واجِبٌ على المؤمِنِ أن يؤمِنَ بكُلِّ ما أخبَرَ اللهُ عنه ورسولُه من أسماءِ اللهِ وصِفاتِه، ويَعرِفُها كما جاءت؛ لا يغَيِّرُ ولا يبَدِّلُ، ولا يزيدُ ولا يَنقُصُ، بل يَعرِفُها كما جاءت من غيرِ تحريفٍ ولا تعطيلٍ، ولا تكييفٍ ولا تمثيلٍ، بل تُثبَتُ كما أثبَتَها السَّلَفُ الصَّالحُ؛ فمِن ذلك الاستواءُ، والنُّزولُ، والوَجهُ، واليَدُ، والرَّحمةُ، والعِلمُ، والغَضَبُ، والإرادةُ، وغيرُ ذلك من صِفاتِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ؛ فتُثبَت له سُبحانَه كما جاء في الكِتابِ العزيزِ، وكما جاء في السُّنَّةِ الصَّحيحةِ، نُثبِتُها له كما أثبَتَها السَّلَفُ الصَّالحُ مِن أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ، كما أثبتَتْها الرُّسُلُ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ) [3151] يُنظر: ((أصول الإيمان)) (ص: 59). .

انظر أيضا: