الموسوعة العقدية

 الأوَّلِيَّةُ

صِفةٌ ذاتيَّةٌ للهِ عزَّ وجلَّ، وذلك مِن اسمِه: (الأوَّلِ) الثَّابتِ في الكِتابِ والسُّنَّةِ، ومعناه: الَّذي ليس قبْلَه شيءٌ.
الدَّليلُ مِن الكِتابِ:
قولُه تعالى: هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الحديد: 3].
قال ابنُ جَريرٍ: (يَقولُ تعالى ذِكْرُه: هُوَ الْأَوَّلُ قبلَ كُلِّ شَيءٍ بغيرِ حَدٍّ وَالْآخِرُ يَقولُ: والآخِرُ بعد كُلِّ شَيءٍ بغيرِ نهايةٍ، وإنَّما قيل ذلك كذلك؛ لأنَّه كان ولا شَيءَ موجودٌ سِواه، وهو كائِنٌ بعد فَناءِ الأشياءِ كُلِّها، كما قال جَلَّ ثناؤُه: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص: 88] .
وقَولُه: وَالظَّاهِرُ يَقولُ: وهو الظَّاهِرُ على كُلِّ شَيءٍ دونَه، وهو العالي فوق كُلِّ شيءٍ؛ فلا شَيءَ أعلى منه، وَالْبَاطِنُ يَقولُ: وهو الباطِنُ جميعَ الأشياءِ؛ فلا شَيءَ أقرَبُ إلى شَيءٍ منه، كما قال: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق: 16]) [1640] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (22/ 385). .
وقال البَغَويُّ: (يعني: هو الأوَّلُ قبلَ كُلِّ شَيءٍ بلا ابتداءٍ، بل كان هو، ولم يكُنْ شَيءٌ موجودًا، والآخِرُ بعد فناءِ كُلِّ شَيءٍ بلا انتهاءٍ، تفنى الأشياءُ ويبقى هو، والظَّاهِرُ: الغالِبُ العالي على كُلِّ شَيءٍ، والباطِنُ: العالِمُ بكُلِّ شَيءٍ) [1641] يُنظر: ((تفسير البغوي)) (5/ 26). .
الدَّليلُ من السُّنَّةِ:
حديثُ أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه مرفوعًا: ((... اللَّهمَّ أنتَ الأوَّلُ؛ فليس قبْلَك شَيءٌ ...)) [1642] أخرجه مسلم (2713). .
قال الزَّجَّاجُ: (معنى وَصْفِنا اللهَ تعالى بأنَّه أوَّلٌ: هو مُتقَدِّمٌ للحوادِثِ بأوقاتٍ لا نهايةَ لها، فالأشياءُ كُلُّها وُجِدَت بَعْدَه، وقد سبَقَها كُلَّها، وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَقولُ في دعائِه: ((أنت الأوَّلُ فليس قَبْلَك شَيءٌ، وأنت الآخِرُ فليس بَعْدَك شيءٌ ))، الآخِرُ هو المتأخِّرُ عن الأشياءِ كُلِّها ويبقى بَعْدَها) [1643] يُنظر: ((تفسير أسماء الله الحسنى)) (ص: 59). .
وقال ابنُ القيِّمِ: (فأوَّليَّةُ اللهِ عزَّ وجلَّ سابقةٌ على أوَّليَّةِ كُلِّ ما سِواه، وآخِريَّتُه ثابتةٌ بعد آخِريَّةِ كُلِّ ما سِواه؛ فأوَّليَّتُه: سَبْقُه لكلِّ شيءٍ، وآخِريَّتُه: بقاؤُه بعد كُلِّ شيءٍ، وظاهريَّتُه سُبحانَه: فوقيَّتُه وعُلوُّه على كُلِّ شَيءٍ، ومعنى الظُّهورِ يقتضي العُلوَّ، وظاهرُ الشَّيءِ: هو ما علا منه وأحاطَ بباطنِه، وبُطونُه سُبحانَه: إحاطتُه بكلِّ شيءٍ، بحيث يكونُ أقرَبَ إليه مِن نفسِه، وهذا قُربٌ غيرُ قُربِ المُحبِّ مِن حبيبِه، هذا لونٌ، وهذا لونٌ؛ فمدارُ هذه الأسماءِ الأربعةِ على الإحاطةِ، وهي إحاطتانِ: زمانيَّةٌ، ومكانيَّةٌ؛ فأحاطت أوَّليَّتُه وآخِريَّتُه بالقَبْلِ والبَعْدِ؛ فكلُّ سابقٍ انتهى إلى أوَّليَّتِه، وكلُّ آخرٍ انتهى إلى آخِريَّتِه؛ فأحاطَتْ أوَّليَّتُه وآخِريَّتُه بالأوائلِ والأواخِرِ، وأحاطَتْ ظاهريَّتُه وباطنيَّتُه بكلِّ ظاهرٍ وباطنٍ، فما مِن ظاهرٍ إلَّا واللهُ فوقَه، وما مِن باطنٍ إلَّا واللهُ دونَه، وما مِن أوَّلٍ إلَّا واللهُ قبْلَه، وما مِن آخِرٍ إلَّا واللهُ بعدَه؛ فالأوَّل:ُ قِدَمُه، والآخِرُ: دوامُه وبقاؤُه، والظَّاهرُ: عُلوُّه وعَظَمتُه، والباطنُ: قُربُه ودُنُوُّه؛ فسبَقَ كُلَّ شيءٍ بأوَّليَّتِه، وبقِيَ بعد كُلِّ شيءٍ بآخِريَّتِه، وعلا على كُلِّ شَيءٍ بظُهورِه، ودنا مِن كُلِّ شيءٍ ببطونِه، فلا تُوارِي منه سماءٌ سماءً، ولا أرضٌ أرضًا، ولا يحجُبُ عنه ظاهرٌ باطنًا، بل الباطنُ له ظاهرٌ، والغيبُ عنده شَهادةٌ، والبعيدُ منه قريبٌ، والسِّرُّ عنده علانيَةٌ؛ فهذه الأسماءُ الأربعةُ تشتملُ على أركانِ التَّوحيدِ؛ فهو الأوَّلُ في آخِريَّتِه، والآخِرُ في أوَّليَّتِه، والظَّاهرُ في بُطونِه، والباطنُ في ظُهورِه، لم يزَلْ أوَّلًا وآخِرًا، وظاهرًا وباطنًا) [1644] يُنظر: ((طريق الهجرتين)) (ص: 24). .

انظر أيضا: