الموسوعة العقدية

 الاسْتِدْرَاجُ

صفةٌ فِعليَّةٌ ثابتةٌ للهِ عزَّ وجلَّ بالكِتابِ والسُّنَّةِ.
الدَّليلُ مِن الكِتابِ:
1- قولُه تعالى: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ [الأعراف: 182] .
2- قَولُه: فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ [القلم: 44].
قال ابنُ جَريرٍ: (يَقولُ تعالى ذِكْرُه: والذين كَذَّبوا بأدِلَّتِنا وأعلامِنا، فجَحَدوها ولم يتذَكَّروا بها، سنُمهِلُه بغِرَّتِه ونُزَيِّنُ له سوءَ عَمَلِه، حتى يَحسَبَ أنَّه هو فيما عليه مِن تكذيبِه بآياتِ اللهِ إلى نفسِه محسِنٌ، وحتى يَبلُغَ الغايةَ التي كَتَبَ له من المَهلِ، ثم يأخُذَه بأعمالِه السَّيِّئةِ، فيُجازيَه بها مِن العُقوبةِ ما قد أعَدَّ له، وذلك استدراجُ اللهِ إيَّاه. وأصلُ الاستدراجِ اغتِرارُ المُستَدرَجِ بلُطفٍ مِن حيثُ يرى المستَدرَجُ أنَّ المُستَدرِجَ إليه محسِنٌ، حتى يُوَرِّطَه مَكروهًا!) [1547] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/ 600). .
وقال الشِّنقيطيُّ: (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ [الأعراف: 182] هذا وعيدُ اللهِ. والسِّينُ: حرفُ تنفيسٍ، وقَولُه: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ أصلُه: (نَستَفعِلُهم)، ومنه: الاستِدراجُ، والاستدراجُ: استِفعالٌ من الدَّرَجةِ، والدَّرَجةُ: واحِدةُ طَبَقاتِ السُّلَّمِ على أصَحِّ الأقوالِ. والمعنى: أنَّه يَستَنزِلُهم درجةً درجةً ومَرتبةً مَرتبةً، حتى يُدنِيَهم إلى ما يشاءُ من إهلاكِهم! فالعَرَبُ تقولُ: استدرَجَه: إذا أنزَلَه درجةً درجةً إلى أن وَصَل إلى ما يَقصِدُه منه، أو استَعْلاه درجةً درجةً، وهذا معروفٌ في كلامِ العَرَبِ أنَّ الاستدراجَ هو الاستِنزالُ دَرَجةً بعْدَ دَرَجةٍ حتى يَصِلَ الإنسانُ إلى السُّوءِ الذي يُرادُ منه؛ لأنَّ الكُفَّارَ أراد اللهُ جَلَّ وعلا أن يُهلِكَهم بعَذابِه المُستأصِلِ، ويُدخِلَهم النَّارَ لَمَّا كَذَّبوا بآياتِه، فمعنى استدراجِه لهم: أنَّه يُرسِلُ عليهم هذه النِّعمةَ فيُكثِّرُ خِصْبَ بِلادِهم وأرزاقَهم وعافِيَتَهم، وتَلِدُ نِساؤُهم ذُكورًا، وتتزايدُ عليهم النِّعَمُ وتتواتَرُ؛ فعند ذلك يزدادون بَطَرًا وكُفرًا، فيَقرُبون من الهلاكِ دَرَجةً، ثمَّ إنَّ اللهَ جَلَّ وعلا يُغدِقُ عليهم نِعَمًا أُخرى فتَزيدُهم بَطَرًا إلى بَطَرِهم، وكُفرًا إلى كُفْرِهم، وغَفلةً إلى غَفلتِهم، فيَقرُبونَ درجةً أخرى إلى هلاكِهم، حتى إذا انتَهَت تلك الدَّرَجاتُ التي يَسْتدنيهم اللهُ فيها لِما يُريدُ منهم، جاءهم عذابُ اللهِ فأهلَكَهم وصاروا منه إلى الخُلودِ في النَّارِ، كما قال جَلَّ وعلا: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ [الأنعام: 44] ) [1548] يُنظر: ((العذب النمير)) (4/ 362). .
الدَّليلُ من السُّنَّةِ:
حديثُ عُقبةَ بنِ عامرٍ رَضِيَ اللهُ عنه مرفوعًا: ((إذا رأَيْتَ اللهَ يُعطي العبدَ مِن الدُّنيا على معاصيه ما يُحبُّ، فإنَّما هو استدراجٌ)) [1549] [ضعيف] .
قال البَغَويُّ: (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ، قال عطاءٌ: سنمكُرُ بهم مِن حيث لا يعلَمونَ، وقيل: نأتيهم مِن مأمَنِهم، كما قال: فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا [الحشر: 2]، قال الكَلبيُّ: نُزَيِّنُ لهم أعمالَهم فنُهلِكُهم بها. وقال الضَّحَّاكُ: كلَّما جدَّدوا معصيةً جدَّدْنا لهم نعمةً، قال سُفيانُ الثَّوريُّ: نُسبِغُ عليهم النِّعمةَ، ونُنسِيهم الشُّكرَ، قال أهلُ المعاني: الاستدراجُ: أن يتدرَّجَ إلى الشَّيءِ في خُفيةٍ قليلًا قليلًا، فلا يباغِتَ ولا يُجاهِرَ، ومنه: درَجَ الصَّبيُّ: إذا قارَبُ بيْن خُطاهُ في المشيِ، ومنه: درَجَ الكِتابَ: إذا طَواه شيئًا بعد شيءٍ) [1550] يُنظر: ((تفسير البغوي)) (2/ 255) .

انظر أيضا: