الموسوعة العقدية

المَطلَبُ السَّابِعُ: مِن قواعِدِ صِفاتِ اللهِ: صِفاتُ اللهِ عزَّ وجلَّ تُثبَتُ على وجهِ التَّفصيلِ، وتُنفَى على وجهِ الإجمالِ

الإثباتُ المُفصَّلُ: كإثباتِ السَّمعِ والبصَرِ وسائرِ الصِّفاتِ، والنَّفيُ المُجمَلُ: كنَفْيِ المِثليَّةِ في قولِه تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: 11] [1311] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (6/37 ، 515). .
قال ابنُ تَيميَّةَ: (الرُّسُلُ جاؤوا بالإثباتِ المفَصَّلِ في صِفاتِ اللهِ، وبالنَّفيِ المجمَلِ؛ فوَصَفوه بالعِلْمِ والرَّحمةِ، والقُدرةِ والحِكمةِ، والكلامِ والعُلُوِّ، وغيرِ ذلك من الصِّفاتِ، وفي النَّفيِ: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: 11]، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص: 4]، وأمَّا الخارجونَ عن حقيقةِ الرِّسالةِ؛ مِنَ الصَّابئةِ والفَلاسِفةِ والمُشرِكينَ وغيرِهم، ومَن تَجَهَّمَ من أتباعِ الأنبياءِ؛ فطَريقتُهم النَّفيُ المفَصَّلُ، ليس كذا، ليس كذا، وفي الإثباتِ أمرٌ مُجمَلٌ) [1312] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (12/ 432). .
وقال ابنُ أبي العِزِّ: (النَّفيُ الصِّرفُ لا مَدْحَ فيه، ألَا ترى أنَّ قَولَ الشَّاعرِ:
قُبَيِّلةٌ لا يَغدِرونَ بذِمَّةٍ ... ولا يَظلِمونَ النَّاسَ حَبَّةَ خَرْدَلِ
لَمَّا اقتَرَن بنَفيِ الغَدرِ والظُّلمِ عنهم ما ذَكَرَه قبل هذا البَيتِ وبَعْدَه، وتصغيرِهم بقولِه: قُبَيِّلةٌ؛ عُلِمَ أنَّ المرادَ عَجزُهم وضَعْفُهم، لا كَمالُ قُدرتِهم. وقَولَ الآخَرِ:
لكِنَّ قَومي وإن كانوا ذَوِي عَدَدٍ ... ليسُوا مِنَ الشَّرِّ في شَيءٍ وإن هانَا
لَمَّا اقتَرَن بنَفيِ الشَّرِّ عنهم ما يَدُلُّ على ذَمِّهم، عُلِمَ أنَّ المرادَ عَجْزُهم وضَعْفُهم أيضًا.
ولهذا يأتي الإثباتُ للصِّفاتِ في كتابِ اللهِ مُفَصَّلًا، والنَّفيُ مُجمَلًا، عَكْسُ طريقةِ أهلِ الكلامِ المذمومِ؛ فإنَّهم يأتونَ بالنَّفيِ المفَصَّلِ والإثباتِ المجمَلِ، يَقولونَ: ليس بجِسمٍ، ولا شَبَحٍ، ولا جُثَّةٍ، ولا صورةٍ، ولا لحمٍ، ولا دَمٍ، ولا شَخصٍ، ولا جَوهَرٍ، ولا عَرَضٌ، ولا بذِي لَونٍ ولا رائحةٍ، ولا طَعْمٍ ولا مجسَّةٍ، ولا بذي حَرارةٍ ولا بُرودةٍ، ولا رُطوبةٍ ولا يُبُوسةٍ، ولا طُولٍ ولا عَرْضٍ ولا عُمقٍ، ولا اجتِماعٍ ولا افتِراقٍ، ولا يتحَرَّكُ، ولا يَسْكُنُ، ولا يتبعَّضُ، وليس بذي أبعاضٍ وأجزاءٍ وجوارِحَ وأعضاءٍ، وليس بذي جِهاتٍ، ولا بذي يمينٍ ولا شِمالٍ، وأمامٍ وخَلفٍ وفَوقٍ وتحتٍ، ولا يُحيطُ به مكانٌ، ولا يجري عليه زَمانٌ، ولا يجوزُ عليه المماسَّةُ ولا العُزلةُ ولا الحُلولُ في الأماكِنِ، ولا يُوصَفُ بشَيءٍ مِن صِفاتِ الخَلقِ الدَّالَّةِ على حُدوثِهم، ولا يُوصَفُ بأنَّه مُتناهٍ، ولا يُوصَفُ بمساحةٍ، ولا ذَهابٍ في الجِهاتِ، وليس بمحدودٍ، ولا والدٍ ولا مولودٍ، ولا تحيطُ به الأقدارُ، ولا تحجُبُه الأستارُ.. إلى آخِرِ ما نَقَله أبو الحَسَنِ الأشعريُّ رحمه الله عن المُعْتَزِلةِ.
وفي هذه الجُملةِ حَقٌّ وباطِلٌ، ويَظهَرُ ذلك لِمَن يَعرِفُ الكِتابَ والسُّنَّةَ، وهذا النَّفيُ المجَرَّدُ مع كونِه لا مَدْحَ فيه، فيه إساءةُ أدَبٍ؛ فإنَّك لو قُلتَ للسُّلطانِ: أنت لستَ بزَبَّالٍ ولا كَسَّاحٍ ولا حَجَّامٍ ولا حائِكٍ، لأدَّبَك على هذا الوَصفِ وإنْ كنتَ صادِقًا، وإنما تكونُ مادِحًا إذا أجمَلْتَ النَّفيَ فقُلتَ: أنت لستَ مِثلَ أحَدٍ مِن رعيَّتِك، أنت أعلى منهم وأشرَفُ وأجَلُّ، فإذا أجمَلْتَ في النَّفيِ أجمَلْتَ في الأدَبِ) [1313] يُنظر: ((شرح الطحاوية)) (1/ 69). .

انظر أيضا: