الموسوعة العقدية

المَبحَثُ الرَّابِعُ: التشَبُّهُ بالكُفَّارِ

حَرَص الإسلامُ على تميُّزِ المسلِمينَ عن غَيرِهم حتَّى في المظهَرِ العامِّ، سواءٌ على مستوى الفَردِ أو المجتَمَعِ ككُلٍّ، فحَفَل الكِتابُ والسُّنَّةُ بأدِلَّةٍ كثيرةٍ حَولَ مَسألةِ النَّهيِ عن التشَبُّهِ بالكُفَّارِ ومُسايَرتِهم، فهذا التشَبُّهُ الظَّاهِريُّ له أثَرُه الذي قد يمتَدُّ إلى مُوافَقتِهم فيما هو أشَدُّ مِن اعتِقاداتٍ وتَشريعاتٍ ونحوِ ذلك.
قال اللهُ تعالى: وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يونس: 104، 105].
قال الغزِّيُّ: (هذه الآيةُ أصلٌ عَظيمٌ في الأمرِ بالتشَبُّهِ بالمؤمِنينَ، والنَّهيِ عن التشَبُّهِ بالمُشرِكينَ، والشِّرْكُ المتَّصِفونَ به شامِلٌ للشِّركِ الأكبَرِ، والشِّرْكِ الأصغَرِ الشَّامِلِ لسائِرِ المعاصي) [887] يُنظر: ((حسن التنبه لما ورد في التشبه)) (5/ 395). .
وقال أيضًا: (التشَبُّهُ عِبارةٌ عن مُحاوَلةِ الإنسانِ أن يكونَ شَبَهَ المتشَبَّهِ به، وعلى هَيئتِه وحِلْيَتِه، ونَعْتِه وصِفَتِه، أو هو عِبارةٌ عن تكَلُّفِ ذلك وتقَصُّدِه وتعَمُّلِه) [888] يُنظر: ((حسن التنبه لما ورد في التشبه)) (1/ 15). .
وقال ابنُ تَيميَّةَ: (المشارَكةُ في الهَدْيِ الظَّاهِرِ تُورِثُ تناسُبًا وتَشاكُلًا بيْن المتشابهِينَ، يقودُ إلى موافَقةِ ما في الأخلاقِ والأعمالِ، وهذا أمرٌ مَحسوسٌ... المشابَهةُ في الظَّاهِرِ تُورِثُ نَوعَ مَودَّةٍ ومَحَبَّةٍ ومُوالاةٍ في الباطِنِ، كما أنَّ المَحَبَّةَ في الباطِنِ تُورِثُ المُشابَهةَ في الظَّاهِرِ، وهذا أمرٌ يَشهَدُ به الحِسُّ والتَّجرِبةُ) [889] يُنظر: ((اقتضاء الصراط المستقيم)) (1/ 93، 549). .
قال محمَّدُ بنُ إبراهيمَ آل الشيخ: (اعلَمْ أنَّ التشَبُّهَ بالكُفَّارِ يكونُ بمُجَرَّدِ عَمَلِ ما يَعمَلونَ، قَصَدَ المشابهةَ أوْ لا. قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّينِ ابنُ تَيميَّةَ رحمه اللهُ: وقد نهى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن الصَّلاةِ عِندَ طُلوعِ الشَّمسِ وعِندَ غُروبِها مُعَلِّلًا ذلك النَّهيَ بأنَّها تَطلُعُ وتَغرُبُ بيْن قَرْنَيْ شَيطانٍ، وحينَئذٍ يَسجُدُ لها الكُفَّارُ. [890] أخرجه مسلم (832) عن عمرو بن عبسة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((..ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس حتى ترتفع، فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار))   ومعلومٌ أنَّ المؤمِنَ لا يَقصِدُ السُّجودَ إلَّا للهِ، وأكثَرُ النَّاسِ قد لا يَعلَمونَ أنَّ طُلوعَها وغُروبَها بَيْنَ قَرْنَي شَيطانٍ، ولا أنَّ الكُفَّارَ يَسجُدونَ لها، ثمَّ إنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نهى عن الصَّلاةِ في ذلك؛ حَسْمًا لمادَّةِ المُشابَهةِ مِن كُلِّ طَريقٍ) [891] يُنظر: ((فتاوى ورسائل محمد بن إبراهيم)) (4/ 80). .
وقال ابنُ باز: (الواجِبُ على المؤمِنينَ والمُسلِمينَ أن يَبتَعِدوا عن التشَبُّهِ بأعداءِ اللهِ في جميعِ الأُمورِ، وأن يَستَقِلُّوا بأنفُسِهم في جميعِ أُمورِهم؛ حتَّى يتمَيَّزوا عن عَدُوِّهم، وحتَّى يُعرَفوا أينما كانوا بزِيِّهم وطرائِقِهم وعاداتِهم الإسلاميَّةِ، وأعمالِهم الإسلاميَّةِ.
لكِنْ لو وُجِدَ شَيءٌ مُشتَرَكٌ، فعَلَه المسلِمونَ والكافِرونَ، فلا يُسَمَّى هذا تشَبُّهًا... فالأمورُ التي للمسلِمينَ فيها نَفعٌ يجوزُ لهم أن يأخُذوها مِن عَدُوِّهم، ولا يُسَمَّى تشَبُّهًا؛ لِما فيه من الإعدادِ والنَّفعِ العامِّ للمُسلِمينَ، وهكذا الأشياءُ التي اشتَرَك فيها المُسلِمونَ، وصارت من عادةِ الجَميعِ لا يكونُ فيها تشَبُّهٌ، وإنَّما التَّشَبُّهُ يكونُ فيما اختَصُّوا به، وصار من زِيِّهم الخاصِّ، المقصودُ أنَّ الأشياءَ التي فيها نَفعٌ لنا، ولا يختَصُّ فيها المُشرِكونَ، أمَّا ما كان خاصًّا بالمُشرِكينَ، ليس لنا فيه نَفعٌ، لا نتزَيَّنُ به، لكِنَّ الذي فيه نَفعٌ نأخُذُه منهم، ونحتَجُّ بقَولِه تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّة [الأنفال: 60]، والله سُبحانَه يَقولُ: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ [الأعراف: 32] ، والحَذَر مِن أُمورِ الدِّينِ التي هي من زِيِّهم وأخلاقِهم، وليست من دِينِنا، وإذا كان مِن دِينِنا نَستَعمِلُه، ولو تشَبَّهوا بنا فيه، ولو شارَكونا، كما لو أجمَعوا على إرخاءِ اللِّحَى، نُرخِيها نحن، ولو أَرْخَوها، لا نخالِفُهم في ذلك، بل نُرْخِيها؛ لأنَّنا مأمورونَ بإرخائِها، وهكذا لو بَنَوا المساجِدَ، وصَلَّوا في المساجِدِ، لا نَهدِمُ مَساجِدَنا، ما كان مِن دينِنا نَلزَمُه ولو شاركونا فيه، وكذلك الأنظِمةُ التي تنفَعُنا نأخُذُ بها، كنِظامِ المرورِ والشُّرطةِ، ونظامِ كذا وكذا، الذي ينفَعُ الأُمَّةَ) [892] يُنظر: ((فتاوى نور على الدرب)) (1/ 200 - 202). .
وقال ابنُ عثيمين: (التَّشَبُّهُ أن يأتيَ الإنسانُ بما هو من خَصائِصِهم بحيثُ لا يشارِكُهم فيه أحَدٌ، كلِباسٍ لا يَلبَسُه إلَّا الكُفَّارُ، فإن كان اللِّباسُ شائِعًا بيْن الكُفَّارِ والمُسلِمينَ فليس تشَبُّهًا، لكِنْ إذا كان لباسًا خاصًّا بالكُفَّارِ، سواءٌ كان يَرمُزُ إلى شَيءٍ دِينيٍّ، كلِباسِ الرُّهبانِ، أو إلى شَيءٍ عاديٍّ لكِنْ مَن رآه قال: هذا كافِرٌ بناءً على لباسِه، فهذا حرامٌ) [893] يُنظر: ((الشرح الممتع)) (5/ 29). .
وهناك عددٌ مِن الأدِلَّةِ التي يمكِنُ الاستِدلالُ بها على النَّهيِ عن التَّشَبُّهِ بالكُفَّارِ.
فمِنَ القُرآنِ:
1- قَولُ اللهِ تعالى: ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيئًا وإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ [الجاثية: 18-19].
2- قَولُ اللهِ سُبحانَه: وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ [المائدة: 49] .
ومِنَ السُّنَّةِ:
1- ما جاء عن أبي سَعيدٍ الخُدْريِّ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَن كانَ قَبْلَكم، شِبْرًا شِبْرًا وذِراعًا بذِراعٍ، حتَّى لو دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُموهم))، قُلْنا: يا رَسولَ اللَّهِ، اليَهُودُ والنَّصارَى؟ قال: ((فمَن؟)) [894] أخرجه البخاري (7320) واللَّفظُ له، ومسلم (2669). .
2- عن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((لا تَقُومُ السَّاعَةُ حتَّى تَأخُذَ أُمَّتي بأَخْذِ القُرُونِ قَبْلَها، شِبْرًا بشِبْرٍ وذِراعًا بذِراعٍ))، فقِيلَ: يا رَسولَ اللَّهِ، كَفارِسَ والرُّومِ؟ فقالَ: (( ومَنِ النَّاسُ إلَّا أُولَئِكَ؟ )) [895] أخرجه البخاري (7319). .
قال المناويُّ: (أي: لتتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَن قَبلَكم اتِّباعًا شِبرًا مُتلَبِّسًا بشِبرٍ، وذِراعًا متلَبِّسًا بذراعٍ، وهو كنايةٌ عن شِدَّةِ الموافَقةِ لهم في المخالَفاتِ والمعاصي لا الكُفْرِ، ثمَّ إنَّ هذا لَفظٌ خَبَرٌ مَعناه النَّهيُ عن اتِّباعِهم، ومَنْعُهم من الالتِفاتِ لغيرِ دِينِ الإسلامِ؛ لأنَّ نُورَه قد بَهَر الأنوارَ، وشِرعَتَه نسَخَت الشَّرائِعَ، وذا مِن مُعجِزاتِه، فقد اتَّبَع كثيرٌ مِن أمَّتِه سَنَنَ فارِسَ في شِيَمِهم ومَراكِبِهم ومَلابِسِهم، وإقامةِ شِعارِهم في الحُروبِ وغَيرِها، وأهلِ الكِتابَينِ في زَخْرفةِ المساجِدِ، وتعظيمِ القُبورِ، حتَّى كاد أن يَعبُدَها العوامُّ، وقَبولِ الرِّشَا، وإقامةِ الحُدودِ على الضُّعَفاءِ دونَ الأقوياءِ، وتَرْكِ العَمَلِ يومَ الجُمُعةِ، والتَّسليمِ بالأصابِعِ... إلى غيرِ ذلك ممَّا هو أشنَعُ وأبشَعُ) [896] يُنظر: ((فيض القدير)) (5/ 261). .
3- عن أبي واقِدٍ اللَّيثيِّ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّهم خَرَجوا عن مكَّةَ مع رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى حُنَينٍ، وكان للكُفَّارِ سِدرةٌ يَعكُفونَ عِندَها، ويُعَلِّقونَ بها أسلِحَتَهم، يُقالُ لها: ذاتُ أنواطٍ، فمَرَرْنا بسِدرةٍ خَضْراءَ عظيمةٍ، فقُلْنا: يا رَسولَ اللهِ، اجعَلْ لنا ذاتَ أنواطٍ كما لهم ذاتُ أنواطٍ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((قُلْتُم -والذي نفسي بيَدِه- كما قال قَومُ موسى: اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [الأعراف: 138] ، إنَّها السُّنَنُ، لتَرْكَبُنَّ سُنَنَ مَن كان قَبْلَكم سُنَّةً سُنَّةً)) [897] أخرجه الترمذي (2180)، وأحمد (21897) واللَّفظُ له. صححه الترمذي، وابنُ حِبَّانَ في ((صحيحه)) (6702)، وصَحَّح إسناده ابن باز في ((مجموع الفتاوى)) (3/337)، والألباني في ((صحيح سنن الترمذي)) (2180)، وشعيب الأرناؤوط على شرطِ الشَّيخَينِ في تخريج ((مسند أحمد)) (21897)، وذَكَر ثُبوتَه ابنُ القيم في ((إغاثة اللهفان)) (2/418). .
قال نَجمُ الدِّينِ الغزِّيُّ ذاكِرًا أخلاقَ الجاهليَّةِ: (منها: تعظيمُ شَجَرةٍ مخصوصةٍ، أو بُقعةٍ مَخصوصةٍ، أو حَجَرٍ مَخصوصٍ لم يعظِّمْه الشَّرعُ الشَّريفُ. وهذا يتَّفِقُ لعوامِّ المُسلِمينَ في سائرِ البِلادِ، فرُبَّما تَبَرَّكوا بشَجَرةٍ فعلَّقوا عليها خِرَقًا من أثوابِهم، وربَّما طافوا بها وتمَسَّحوا، وربَّما عَظَّموا بعضَ القُبورِ والمَشاهِدِ، وعَكَفوا عليها في بَعضِ الأيَّامِ واللَّيالي، ورُبَّما تمَسَّحوا بالسُّتورِ المعَلَّقةِ عليها) [898] يُنظر: ((حسن التنبه لما ورد في التشبه)) (8/ 511). .
والأحاديثُ الوارِدةُ في الإخبارِ عن اتِّباعِ كثيرٍ مِنَ الأمَّةِ سُنَنَ الأُمَمِ الماضيةِ خرَجَتَ مخرجَ الخَبَرِ عن وقوعِ ذلك، وذَمًّا لمُشابَهةِ اليَهودِ والنَّصارى، وفارِسَ والرُّومِ، وذلك قد ورد مُفَصَّلًا في عدَدٍ مِن الأبوابِ الاعتِقاديَّةِ والعَمَليَّةِ.
ومن ذلك الرَّهبانيَّةُ التي ابتَدَعَها النَّصارى:
قال اللهُ تعالى: ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [الحديد: 27].
قال علي القاري في شَرحِ هذا الحَديثِ: ( ... (ورهبانيَّةً): نُصِبَ بفِعلٍ يُفَسِّرُه ما بَعْدَه، أي: ابتَدَعوا رهبانيَّةً (ابتَدَعوها) يُقالُ: ابتَدَع: إذا أتى بشَيءٍ بَديعٍ، أي: جديدٍ لم يفعَلْه قَبْلَه أحدٌ، (ما كتَبْناها) أي: ما فرَضْنا تلك الرَّهبانيَّةَ (عليهم): مِن تَرْكِ التلَذُّذِ بالأطعِمةِ، وتَرْكِ التزَوُّجِ، والاعتزالِ عن النَّاسِ، والتوطُّنِ في رُؤوسِ الجِبالِ، والمواضِعِ البَعيدةِ عن العُمرانِ... قال تعالى: فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا [الحديد: 27] أي: لم يَرْعَوا الرَّهبانيَّةَ حَقَّ رِعايتِها، وضَيَّعوا وكَفَروا بدينِ عيسى... ودَخَلوا في دينِ مُلوكِهم، وتركُوا الترَهُّبَ، وأقام منهم أناسٌ على دينِ عيسى عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، حتَّى أدركوا محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فآمَنوا به، فذلك قَولُه عزَّ وجَلَّ: فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [الحديد: 27]) [899] يُنظر: ((مرقاة المفاتيح)) (1/ 266) باختصار. .
وعن أبي هُريرةَ رَضِي اللهُ عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، ولَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أحَدٌ إلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وقَارِبُوا، وأَبْشِرُوا، واسْتَعِينُوا بالغَدْوَةِ والرَّوْحَةِ وشيءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ)) [900] رواه البخاري (39).
ومن الأَمثِلةِ على ذلك أيضًا المَنهِيَّاتُ الواردةُ في شأنِ الصَّلاةِ مِن أجْلِ تحقيقِ مُخالَفةِ الكُفَّارِ والمُشرِكينَ.
- فمِنها ما يتعَلَّقُ بالنِّداءِ للصَّلاةِ، كما جاء عن أبي عُمَيرِ بنِ أنَسٍ عن عُمومةٍ له من الأنصارِ قالوا: ((اهتَمَّ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم للصَّلاةِ كيف يَجمَعُ النَّاسَ لها؟ فقيل له: انصِبْ رايةً عند حُضورِ الصَّلاةِ، فإذا رأوها آذَنَ بَعضُهم بعضًا، فلم يُعِجْبه ذلك، قال: فذُكِرَ له القُنْعُ -شَبُّورُ اليهودِ-، فلم يُعجِبْه ذلك، وقال: هو مِن أمرِ اليَهودِ، فذُكِرَ له النَّاقوسُ، قال: هو مِن أمرِ النَّصارى، فانصرف عبدُ اللهِ بنُ زيدِ بنِ عبدِ رَبِّه، وهو مهتَمٌّ لِهَمِّ رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فأُرِيَ الأذانَ في مَنامِه، فغدا على رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فأخبَرَه، فقال: يا رَسولَ اللهِ: إنِّي لبَيْنَ نائمٍ ويَقْظانَ، إذ أتاني آتٍ، فأَراني الأذانَ، قال: وكان عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه قد رآه قبل ذلك، فكتَمَه عِشرينَ يومًا، ثمَّ أخبَرَ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال له: ما منَعَك أن تخبِرَني؟! فقال: سبَقَني عبدُ اللهِ بنُ زَيدٍ، فاستحيَيْتُ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: يا بِلاُل، قمْ فانظُرْ ما يأمُرُك به عبدُ اللهِ بنُ زَيدٍ فافعَلْه. قال: فأذَّنَ بلِالٌ)) [901] أخرجه أبو داود (498)، والبيهقي (1908). حسَّنه ابن عبد البر في ((التمهيد)) (24/21)، والألباني في ((صحيح سنن أبي داود)) (498)، والوادعي في ((الصحيح المسند)) (1529)، وصَحَّح إسناده ابن حجر في ((فتح الباري)) (2/97)، وشعيبٌ الأرناؤوط في تخريج ((سنن أبي داود)) (498). .
قال ابنُ تَيميَّةَ: (هذا يقتضي كراهةَ هذا النَّوعِ مِنَ الأصواتِ مُطلَقًا في غيرِ الصَّلاةِ أيضًا؛ لأنَّه مِن أمْرِ اليَهودِ والنَّصارى؛ فإنَّ النَّصارى يَضرِبونَ بالنَّواقيسِ في أوقاتٍ مُتعَدِّدةٍ، غيرِ أوقاتِ عِباداتِهم، وإنَّما شِعارُ الدِّينِ الحَنيفِ الأذانُ المتضَمِّنُ للإعلانِ بذِكرِ اللهِ، الذي به تُفتَحُ أبوابُ السَّماءِ، فتَهرُبُ الشَّياطينُ، وتَنزِلُ الرَّحمةُ) [902] يُنظر: ((اقتضاء الصراط المستقيم)) (1/356). .
- ومنها ما يتعَلَّقُ بهَيئةِ الصَّلاةِ:
فعن جابِرِ بنِ عبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عنهما أنَّه قال: اشْتَكَى رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فَصَلَّينا ورَاءَه وهو قَاعِدٌ، وأبو بَكْرٍ يُسْمِعُ النَّاسَ تَكْبِيرَه، فَالْتَفَتَ إلينا فَرَآنَا قِيَامًا، فأشَارَ إلينا فَقَعَدْنَا، فَصَلَّينا بصَلَاتِه قُعُودًا، فلَمَّا سَلَّمَ قال: ((إنْ كِدْتُم آنِفًا لَتَفْعَلونَ فِعْلَ فَارِسَ والرُّومِ؛ يَقُومونَ على مُلُوكِهم وهم قُعودٌ، فلا تَفعَلوا، ائْتَمُّوا بأئِمَّتِكم؛ إنْ صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وإنْ صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا)) [903] أخرجه مسلم (413). .
في هذا الحَديثِ: أنَّه أمَرَهم بتَرْكِ القيامِ الذي هو فَرضٌ في الصَّلاةِ، وعَلَّل ذلك بأنَّ قيامَ المأمومِينَ مع قعودِ الإمامِ يُشبِهُ فِعلَ فارِسَ والرُّومِ بعُظَمائِهم في قيامِهم وهم قُعودٌ.
وفي هذا الحَديثِ أيضًا أنَّه نهى عمَّا يُشبِهُ فِعلَ فارِسَ والرُّومِ، مع أنَّ نِيَّتَنا غيرُ نيَّتِهم؛ لقَولِه: ((فلا تَفعَلوا))؛ مما يَدُلُّ على أنَّ النَّهيَ وارِدٌ حتَّى في مجَرَّدِ مُشابَهتِهم في الصُّورةِ [904] يُنظر: ((اقتضاء الصراط المستقيم)) لابن تيمية (1/226). .
وعن أبي هُرَيرةَ رَضِي اللهُ عنه عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه نهى أن يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مُختَصِرًا [905] أخرجه البخاري (1220)، ومسلم (545). .
وعن عائِشةَ رَضِيَ اللهُ عنها أنَّها كانت تَكرَهُ أن يَجعَلَ المصَلِّي يَدَه في خاصِرتِه، وتقولُ: (إنَّ اليَهودَ تَفعَلُه) [906] أخرجه البخاري (3458). .
وجاء النَّهيُ عن مُشابَهةِ الكُفَّارِ كذلك في مَسائِلَ تتعَلَّقُ بأحكامِ الصِّيامِ.
ومن ذلك:
- التسَحُّرُ؛ فعن عَمرِو بنِ العاصِ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: (( فَصْلُ ما بيْنَ صِيَامِنا وَصِيامِ أَهْلِ الكِتابِ أُكْلَةُ السَّحَرِ )) [907] أخرجه مسلم (1096). .
- ومِن ذلك صيامُ اليَومِ التَّاسِعِ مِن شَهرِ اللهِ المحَرَّمِ مع العاشِرِ منه؛ مخالَفةً لليَهودِ الذين كانوا يَصومونَ اليَومَ العاشِرَ فقط.
فعن عبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما قال: حِينَ صَامَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَومَ عَاشُورَاءَ وأَمَرَ بصِيَامِه، قالوا: يا رَسولَ اللهِ، إنَّه يَومٌ تُعَظِّمُه اليَهُودُ وَالنَّصَارى، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((فإذا كانَ العامُ المُقْبِلُ إنْ شَاءَ اللَّهُ صُمْنَا اليومَ التَّاسِعَ))، قال: فلم يَأتِ العامُ المُقْبِلُ حتَّى تُوُفِّيَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم [908] أخرجه مسلم (1134). .
قال ابنُ تَيميَّةَ: (فتدَبَّرْ هذا، يومُ عاشَوراءَ يَومٌ فاضِلٌ، يُكَفِّرُ سَنةً ماضِيةً، صامه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأمَرَ بصِيامِه، ورَغَّب فيه، ثمَّ لَمَّا قِيلَ له قُبَيلَ وَفاتِه: إنَّه يومٌ تُعَظِّمُه اليَهودُ والنَّصارى، أمَرَ بمخالفتِهم بضَمِّ يَومٍ آخَرَ إليه، وعَزَم على ذلك؛ ولهذا استحَبَّ العُلَماءُ -منهم الإمامُ أحمدُ- أن يصومَ تاسُوعاءَ وعاشُوراءَ، وبذلك عَلَّلَت الصِّحابةُ رَضِيَ اللهُ عنهم) [909] يُنظر: ((اقتضاء الصراط المستقيم)) (1/284). .
- ومِن أحكامِ الصِّيامِ المقَرَّرةِ في الشَّرعِ مُخالَفةً لليَهودِ والنَّصارى: تعجيلُ الفِطرِ للصَّائِمِ.
فعن أبي هُرَيرةَ رَضِي اللهُ عنه عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((لا يَزالُ الدِّينُ ظاهِرًا ما عَجَّلَ النَّاسُ الفِطرَ؛ لأنَّ اليَهودَ والنَّصارى يؤخِّرونَ)) [910] أخرجه أبو داود (2353) واللَّفظُ له، وأحمد (9810). صَحَّحه ابن حبان في ((صحيحه)) (3503)، والحاكم على شرط مسلم في ((المستدرك)) (1573)، وصَحَّحه لغيره شعيبٌ الأرناؤوط في تخريج ((سنن أبي داود)) (2353) دونَ قَولِه: ((لأنَّ اليهودَ والنصارى يُؤخِّرون))، وحَسَّنه الألباني في ((صحيح سنن أبي داود)) (2353)، وصَحَّح إسناده النووي في ((المجموع)) (6/359). .
قال ابنُ تَيميَّةَ: (هذا نَصٌّ في أنَّ ظُهورَ الدِّينِ الحاصِلَ بتَعجيلِ الفِطْرِ؛ لأجْلِ مخالَفةِ اليَهودِ والنَّصارى، وإذا كان مُخالفتُهم سَبَبًا لظُهورِ الدِّينِ -فإنَّما المقصودُ بإرسالِ الرُّسُلِ أن يَظهَرَ دِينُ اللهِ على الدِّينِ كُلِّه- فيكونُ نَفسُ مخالفَتِهم مِن أكبَرِ مَقاصِدِ البَعْثةِ) [911] يُنظر: ((اقتضاء الصراط المستقيم)) (1/209). .
وفي أحكامِ الحَجِّ جاء النَّهيُ عن مُخالَفةِ أهلِ الجاهِليَّةِ كذلك.
فعن قَيسِ بنِ أبي حازمٍ، قال: (دَخَلَ أبو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ علَى امْرَأَةٍ مِن أحْمَسَ يُقالُ لها: زَيْنَبُ، فَرَآها لا تَكَلَّمُ، فقال: ما لها لا تَكَلَّمُ؟ قالوا: حَجَّتْ مُصْمِتةً، قال لها: تَكَلَّمِي؛ فإنَّ هذا لا يَحِلُّ، هذا مِن عَمَلِ الجَاهِلِيَّةِ، فَتَكَلَّمَتْ، فقالت: مَن أنتَ؟ قال: امرُؤٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ، قالت: أيُّ المُهَاجِرينَ؟ قال: مِن قُرَيشٍ، قالت: مِن أيِّ قُرَيشٍ أنْتَ؟ قالَ: إنَّكِ لَسَؤولٌ! أنَا أبو بَكْرٍ، قالَتْ: ما بَقَاؤُنَا على هذا الأمْرِ الصَّالِحِ الذي جَاءَ اللَّهُ به بَعْدَ الجَاهِلِيَّةِ؟ قال: بَقَاؤُكم عليه ما استَقَامَتْ بكم أئِمَّتُكم، قالتْ: وما الأئِمَّةُ؟ قالَ: أمَا كانَ لِقَوْمِكِ رُؤُوسٌ وأشْرافٌ يَأمُرُونَهم فيُطِيعُونَهم؟ قالت: بَلَى، قالَ: فَهم أُولَئِكِ على النَّاسِ) [912] أخرجه البخاري (3834). .
قال ابنُ تَيميَّةَ: (فأخبَرَ أبو بكرٍ أنَّ الصَّمتَ المُطلَقَ لا يَحِلُّ، وعقَّب ذلك بقَولِه: هذا مِن عَمَلِ الجاهليَّةِ، قاصِدًا بذلك عَيْبَ هذا العَمَلِ وذَمَّه. وتَعقيبُ الحُكمِ بالوَصْفِ: دليلٌ على أنَّ الوَصفَ عِلَّةٌ، ولم يُشرَعْ في الإسلامِ، فيَدخُلُ في هذا: كُلُّ ما اتُّخِذَ من عِبادةٍ مِمَّا كان أهلُ الجاهِليَّةِ يتعَبَّدونَ به، ولم يَشرَعِ اللهُ التعَبُّدَ به في الإسلامِ، وإنْ لم يَنَوَّهْ عنه بعَيْنِه، كالمُكَاءِ والتَّصْديةِ؛ فإنَّ اللهَ تعالى قال عن الكافِرينَ: وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً [الأنفال: 35] . والمُكاءُ: الصَّفيرُ ونَحوُه. والتَّصْديةُ: التَّصفيقُ؛ فاتخاذُ هذا قُربةً وطاعةً: مِن عَمَلِ الجاهليَّةِ الذي لم يُشرَعْ في الإسلامِ، وكذلك: بُروزُ المُحرِمِ وغَيرِه للشَّمسِ، حتَّى لا يَستَظِلَّ بظِلٍّ، أو تَرْكُ الطَّوافِ بالثِّيابِ المتقَدِّمةِ، أو تَرْكُ كُلِّ ما عُمِلَ في غيرِ الحَرَمِ، ونحوُ ذلك من أُمورِ الجاهِليَّةِ التي كانوا يتَّخِذونَها عِباداتٍ) [913] يُنظر: ((اقتضاء الصراط المستقيم)) (1/371). .
وجاء النَّهيُ أيضًا عن مُشابَهةِ المُشرِكينَ في أعيادِهم.
فعن أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قَدِمَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المدينةَ ولهم يومانِ يَلعَبونَ فيهما، فقال: ((ما هذانِ اليومانِ؟ قالوا: كنَّا نَلعَبُ فيهما في الجاهليَّةِ، فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّ اللَّهَ قد أبدلَكم بِهما خيرًا منهما: يومَ الأَضْحى ويومَ الفِطْرِ)) [914] أخرجه أبو داود (1134) واللَّفظُ له، والنسائي (1556)، وأحمد (13622). صَحَّحه الحاكِمُ في ((المستدرك)) (1091) وقال: على شرطِ مُسلم، والبغوي في ((شرح السنة)) (2/598)، والألباني في ((صحيح سنن أبي داود)) (1134)، وصَحَّح إسنادَه النووي في ((الخلاصة)) (2/819)، وابنُ الملَقِّنِ في ((شرح البخاري)) (8/52)، وابن حجر في ((فتح الباري)) (2/513)، وشعيب الأرناؤوط في تخريج ((سنن أبي داود)) (1134)، وقال ابن تيمية في ((اقتضاء الصراط المستقيم)) (1/485): إسنادُه على شرط مسلم. .
فلم يُقِرَّ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هذينِ اليَومَينِ، ولا تَرَك أصحابَه يَلعَبونَ فيهما على عادةِ النَّاسِ، بل قال: ((إنَّ اللهَ قد أبدَلَكم بهما خيرًا منهما...))، والإبدالُ مِنَ الشَّيءِ يَقتَضي تَرْكَ المبدَلِ منه. وقَولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((خيرًا منهما)) يقتضي الاعتياضَ بما شُرِعَ لنا عمَّا كان في الجاهِليَّةِ.
والمحذورُ في أعيادِ أهلِ الكِتابَينِ أشَدُّ مِنَ المحذورِ في أعيادِ الجاهليَّةِ؛ فإنَّ الأُمَّةَ قد حُذِّروا مِن مُشابَهةِ اليَهودِ والنَّصارى، وأُخبِروا أنَّه سيَفعَلُ قَومٌ منهم هذا المحذورَ، بخِلافِ دينِ الجاهليَّةِ الذي لا يعودُ إلَّا في آخِرِ الدَّهرِ عندَ اختِرامِ أنفُسِ المؤمِنينَ عُمومًا [915] يُنظر: ((اقتضاء الصراط المستقيم)) لابن تيمية (1/488). .
ومِن الأحكامِ الشَّرعيَّةِ التي ورد فيها النَّهيُ عن مُشابَهةِ اليَهودِ: تَرْكُ مُؤاكَلةِ المَرأةِ حالَ حَيضِها.
فعن أنَسٍ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ اليَهُودَ كانوا إذَا حَاضَتِ المَرْأةُ فيهم لم يُؤَاكِلُوها، ولم يُجَامِعُوهُنَّ في البُيُوتِ، فَسَأَلَ أصْحَابُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ في الْمَحِيضِ[البقرة: 222] إلى آخِرِ الآيَةِ، فَقالَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((اصنَعُوا كُلَّ شَيءٍ إلَّا النِّكاحَ)) فَبَلَغَ ذلكَ اليَهُودَ، فَقالوا: ما يُرِيدُ هذا الرَّجُلُ أنْ يَدَعَ مِن أمْرِنَا شيئًا إلَّا خَالَفَنا فِيهِ! فَجَاءَ أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ، وعَبَّادُ بنُ بِشْرٍ فَقالَا: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ اليَهُودَ تَقُولُ: كَذَا وكَذَا، فلا نُجَامِعُهُنَّ؟ فَتَغَيَّرَ وجْهُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى ظَنَنَّا أنْ قدْ وجَدَ عليهما، فَخَرَجَا فَاسْتقْبلَهما هَدِيَّةٌ مِن لَبَنٍ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فأرْسَلَ في آثَارِهما فَسَقَاهما، فَعَرَفَا أنْ لم يَجِدْ عليهما [916] أخرجه مسلم (302). .
هذا الحَديثُ يَدُلُّ على كَثرةِ ما شرَعَه اللهُ لنبيِّه مِن مخالفةِ اليَهودِ، وأنَّه خالَفَهم في عامَّةِ أُمورِهم، حتَّى قالوا: ما يريدُ أن يدَعَ مِن أمْرِنا شَيئًا إلَّا خالَفَنا فيه [917] يُنظر: ((اقتضاء الصراط المستقيم)) لابن تيمية (1/215). .
قال ابنُ تَيميَّةَ عن مُخالَفةِ الكُفَّارِ: (تارةً تَكونُ في أصلِ الحُكمِ، وتارةً في وَصْفِه. ومجانبةُ الحائِضِ: لم يُخالَفوا أي: اليَهودُ في أصلِه، بل خُولِفوا في وَصْفِه؛ حيث شَرَع اللهُ مُقارَبةَ الحائِضِ في غيرِ مَحَلِّ الأذى، فلمَّا أراد بَعضُ الصَّحابةِ أن يعتَدِيَ في المخالَفةِ إلى تَرْكِ ما شَرَعه اللهُ، تغَيَّرَ وَجهُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) [918] يُنظر: ((اقتضاء الصراط المستقيم)) (1/215). .
وجاء النَّهيُ أيضًا في مَسائِلَ تتعَلَّقُ بمَظهَرِ المُسلِمِ مِن لبِاسٍ وزِينةٍ ونَحوِ ذلك.
فعن ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((خالِفُوا المُشْرِكِينَ، أحْفُوا الشَّوارِبَ، وأَوْفُوا اللِّحَى)) [919] أخرجه البخاري (5892) ومسلم (259)، واللَّفظُ له. .
وعن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((جُزُّوا الشَّوارِبَ، وأرْخُوا اللِّحَى، خالِفوا المجوسَ)) [920] أخرجه مسلم (260). .
وعن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((مَن تَشَبَّهَ بقَومٍ فهو مِنهم)) [921]  أخرجه أبو داود (4031) واللفظ له، وأحمد (5114) مطولاً. صحَّحه ابنُ حبان كما في ((بلوغ المرام)) لابن حجر (437)، وابن باز في ((مجموع الفتاوى)) (4/358)، والألباني في ((صحيح سنن أبي داود)) (4031)، وجوَّده ابنُ تيمية في ((مجموع الفتاوى)) (25/331). .
قال ابنُ عُثَيمين: (يَحرُمُ على الإنسانِ أن يتشَبَّهَ بالكُفَّارِ، قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ في كِتابِه اقتِضاءِ الصِّراطِ المُستَقيمِ: أقَلُّ أحوالِ هذا الحديثِ التَّحريمُ، وإن كان ظاهِرًا يقتضي كُفرَ المتشَبِّهِ بهم. ومن فوائِدِ الحديثِ: أنَّه متى حَصَل الشَّبَهُ ثَبَت الحُكمُ، سواءٌ كان بإرادةٍ أم بغيرِ إرادةٍ. فلو قال قائِلٌ: إنَّه لَبِسَ ثيابَ الكُفَّارِ، لكِنْ لم يقصِدِ التَّشَبُّهَ، قُلْنا: ولكِنْ حَصَل الشَّبَهُ، والنيَّةُ محَلُّها القَلبُ، فنُنكِرُ عليه ما أظهَرَه مِنَ المُشابَهةِ، وأمَّا فيما بيْنه وبيْن رَبِّه، فهذا ليس إلينا) [922] يُنظر: ((فتح ذي الجلال والإكرام)) (6/ 337). .
فمخالَفةُ المُشرِكينَ -ومنهم المجوسُ- أمرٌ مَقصودٌ للشَّارِعِ، وقد فَهِمَ السَّلَفُ كراهةَ التَّشَبُّهِ بالمجوسِ في هذا وغَيرِه، فكَرِهوا أشياءَ غَيرَ مَنصوصةٍ بعَينِها عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولكِنَّها من هَدْيِ المجوسِ، منها: حَلْقُ القَفَا.
قال المَروزيُّ: سألتُ أبا عبدِ اللهِ -يعني: أحمدَ بنَ حَنبَلٍ- عن حَلْقِ القَفَا، فقال: (هو مِن فِعلِ المجوسِ، ومَن تَشَبَّه بقَومٍ فهو منهم) [923] يُنظر: ((الورع)) لأحمد بن حنبل رواية المروزي (ص: 189)، ((الوقوف والترجل من مسائل الإمام أحمد)) للخلال (ص: 125). .
وعن المعتَمِرِ بنِ سُلَيمانَ التَّيميِّ قال: كان أبي إذا جَزَّ شَعرَه لم يحلِقْ قَفاه، قيل له: لمَ؟ قال: كان يَكرَهُ أن يتشَبَّهَ بالعَجَمِ [924] يُنظر: ((البيان والتحصيل)) لابن رشد (17/ 389)، ((المغني)) لابن قدامة (1/ 125)، ((اقتضاء الصراط المستقيم)) لابن تيمية (1/204)، ((حسن التنبه لما ورد في التشبه)) للغزي (8/ 454). .
وعن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إنَّ اليَهودَ والنَّصارى لا يَصبُغونَ، فخالِفوهم)) [925] أخرجه البخاري (3462)، ومسلم (2103). .
وعن عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو رَضِيَ اللهُ عنهما قال: رَأَى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَلَيَّ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ، فقال: ((أأُمُّكَ أَمَرَتْكَ بهذا؟)) قُلتُ: أَغْسِلُهما، قال: ((بَلْ أَحْرِقْهما)). وفي روايةٍ: رَأَى رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَلَيَّ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ، فقال: ((إنَّ هذِه مِن ثِيَابِ الكُفَّارِ؛ فلا تَلْبَسْهَا)) [926] أخرجه مسلم (2077). .
وعن أبي عُثمانَ النَّهديِّ قال: كتَبَ إلينا عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنه ونحن بأذربيجان: (... وإيَّاكُمْ والتنَعُّمَ، وزِيَّ أهلِ الشِّرْكِ، ولَبُوسَ الحَرِيرِ) [927] أخرجه مسلم (2069). .
فمخالَفةُ المُشرِكينَ أصلٌ في دينِ اللهِ تعالى وأحكامِ شَريعتِه، وعليه عَمَلُ الصَّحابةِ فمَن بَعْدَهم من الأئِمَّةِ، وقد حكى ابنُ تَيميَّةَ إجماعَ الأُمَّةِ في الجُملةِ على النَّهيِ عن التَّشَبُّهِ بأهلِ الكِتابِ والأعاجِمِ [928] يُنظر: ((اقتضاء الصراط المستقيم)) (1/406). .
ولا تعارُضَ بيْن النَّهيِ عن التَّشَبُّهِ بالكُفَّارِ وبيْن قاعِدةِ أنَّ شَرعَ مَن قَبْلَنا شَرعٌ لنا، ما لم يَرِدْ شَرعُنا بخِلافِه؛ فتلك القاعدةُ مَبنيَّةٌ على شَيئَينِ مُنتَفِيَينِ في مَسألةِ التَّشَبُّهِ بهم:
الأوَّلُ: أن يَثبُتَ أنَّ ذلك شَرعٌ لهم، بنَقلٍ موثوقٍ به، مِثلُ أن يُخبِرَنا اللهُ في كِتابِه، أو بما صَحَّ على لسانِ رَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فأمَّا مُجَرَّدُ الرُّجوعِ إلى قَولِهم، أو إلى ما في كُتُبِهم، فلا يجوزُ بالاتِّفاقِ.
الثَّاني: ألَّا يَكونَ في شَرْعِنا بيانٌ خاصٌّ حَولَ ذلك بالموافَقةِ أو بالمُخالَفةِ، فقد أَمَرَنا نَبيُّنا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يكونَ هَدْيُنا مخالِفًا لهَدْيِ اليَهودِ والنَّصارى، وإنَّما تجيءُ الموافَقةُ في بعضِ الأحكامِ العارِضةِ، لا في الهَدْيِ الرَّاتِبِ، والشِّعارِ الدَّائِمِ.
- وقد تَشتَبِهُ مَسألةُ التَّشَبُّه أيضًا مع ما رواه ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما قال: (كانَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أهْلِ الكِتاب فِيما لم يُؤْمَرْ فيه، وكان أهْلُ الكِتابِ يَسْدِلُونَ أشْعَارَهم، وكانَ المُشْرِكُونَ يَفْرُقُونَ رُؤُوسَهم، فَسَدَلَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ناصِيَتَه، ثُمَّ فَرَقَ بَعْدُ) [929] أخرجه البخاري (5971) واللَّفظُ له، ومسلم (2336). .
فالجوابُ على ذلك مِن عِدَّةِ وُجوهٍ:
منها: أنَّ هذا كان مُتقَدِّمًا، ثمَّ نَسَخ اللهُ ذلك، وشَرَع لنَبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مخالفةَ أهلِ الكِتابِ، وأمَرَه بذلك، وفي مَتنِ الحَديثِ: أنَّه سَدَلَ شَعرَه مُوافَقةً لهم، ثمَّ فَرَق شَعرَه بَعْدُ؛ وصار الفَرْقُ شِعارًا للمُسلِمينَ، وكان مِن الشُّروطِ على أهلِ الذِّمَّةِ ألَّا يَفرُقوا شُعورَهم.
وممَّا يُوضِّحُ ذلك أنَّ اللهَ تعالى شَرَع له في أوَّلِ الأمرِ استِقبالَ بَيتِ المَقدِسِ مُوافقةً لأهلِ الكِتابِ، ثمَّ نَسَخَ ذلك، وأمَرَه باستِقبالِ الكَعبةِ، وأخبَرَه عن اليَهودِ وغَيرِهم مِنَ السُّفَهاءِ أنَّهم سيَقولونَ: مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا [البقرة: 142] ، وأخبَرَه أنَّهم لا يَرضَونَ عنه حتَّى يتَّبِعَ قِبلتَهم، وأنَّه إنِ اتَّبَع أهواءَهم مِن بَعدِ ما جاءه مِنَ العِلمِ، فما له مِنَ اللهِ مِن وَلِيٍّ ولا نصيرٍ.
وممَّا يوضِّحُ ذلك أيضًا أنَّ يومَ عاشُوراءَ الذي صامه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وقال: ((نحن أحَقُّ بموسى منكم)) قد شَرَعَ قُبَيلَ مَوتِه مخالفةَ اليَهودِ في صَومِه، وأمَرَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بذلك؛ ولهذا فابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما الذي قال: (كان يُعجِبُه مُوافَقةُ أهلِ الكِتابِ فيما لم يُؤمَرْ فيه بشَيءٍ) هو الذي روى أيضًا شَرْعَ المخالَفةِ في صَومِ عاشُوراءَ، وكان أشَدَّ الصَّحابةِ رَضِيَ اللهُ عنهم أمرًا بمخالَفةِ اليَهودِ في صَومِ عاشُوراءَ.
ومن الأوجُهِ: أنَّه على فَرْضِ أنَّ ذلك لم يُنسَخْ، فالنَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هو الذي كان له أن يُوافِقَهم؛ لأنَّه يَعلَمُ حَقَّهم مِن باطِلِهم، بما يُعَلِّمُه اللهُ إيَّاه، ونحن نتَّبِعُه، فأمَّا نحن فلا يجوزُ لنا أن نأخُذَ شيئًا من الدِّينِ عنهم، لا مِن أقوالِهم، ولا مِن أفعالِهم، بإجماعِ المُسلِمينَ المعلومِ بالاضطرارِ مِن دِينِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولو قال رجُلٌ: يُستحَبُّ لنا مُوافَقةُ أهلِ الكِتابِ الموجودينَ في زَمانِنا، لكان قد خَرَج عن دِينِ الأُمَّةِ.
ومن الأوجُهِ: أنَّنا مَنهيُّونَ عن التَّشَبُّهِ بهم فيما لم نُؤمَر به، فأمَّا ما أُمرنا به فلا رَيبَ في اتِّباعِه، سواءٌ فَعَلَه الكُفَّارُ أو تَرَكوه؛ فلا ينبغي تَرْكُ ما أمَرَ اللهُ به لأجْلِ أنَّ الكُفَّارَ تَفعَلُه، مع ملاحَظةِ أنَّ اللهَ لم يَأمُرْنا بشَيءٍ يوُافِقوننا عليه إلَّا ولا بُدَّ فيه مِن نَوعِ مُغايرةٍ يتمَيَّزُ بها دينُ اللهِ المحكَمُ عن غَيرِه [930] يُنظر: ((اقتضاء الصراط المستقيم)) لابن تيمية (1/462)، ((الولاء والبراء)) للقحطاني (ص: 344). .

انظر أيضا: