الموسوعة العقدية

الفَرعُ الأوَّلُ: مِن آثارِ التبَرُّكِ الممنوعِ: الوقوعُ في الشِّرْكِ الأكبَرِ

الشِّرْكُ الأكبَرُ هو أعظمُ آثارِ التبَرُّكِ الممنوعِ وأشَدُّها خَطَرًا؛ فهو مخرِجٌ من الإسلامِ، ومحبِطٌ لجميعِ الأعمالِ، ومُوجِبٌ لِمن مات عليه الخلودَ في النَّارِ.
والتبَرُّكُ الممنوعُ مُتعَلِّقٌ بالشِّرْكِ بأحَدِ وَجهَينِ:
الوَجهُ الأوَّلُ: أن يكونَ التبَرُّكُ الممنوعُ في ذاتِه شِرْكًا.
وذلك كالتبَرُّكِ بالأمواتِ مِن الأنبياءِ والصَّالحين وغيرِهم، بدعائِهم لقَضاءِ الحاجاتِ الدِّينيَّةِ أو الدُّنيويَّةِ، وتفريجِ الكُرُباتِ والاستغاثةِ بهم، والتقَرُّبِ إليهم بالذَّبحِ أو النَّذرِ لهم، والطَّوافِ على قُبورِهم، فهذا ونحوُه من الشِّرْكِ الأكبَرِ؛ لأنَّهم قد اعتَقَدوا فيهم ما لا يجوزُ أن يُعتَقَدَ إلَّا في اللهِ، فأنزلوهم منزلةَ الرُّبوبيَّةِ، أو صَرَفوا لهم من العباداتِ ما لا يجوزُ أن يُصرَفَ إلَّا للهِ تبارك وتعالى، فأنزَلوهم منزلةَ الألوهيَّةِ، وهذا بسَبَبِ المبالغةِ في تعظيمِهم، والافتِتانِ فيهم، والتعَلُّقِ بهم. ووَصَل الأمرُ في اعتقادِ بَعضِ المُشرِكين ببعضِ أصحابِ القُبورِ إلى أن قالوا: إنَّ البلاءَ يندَفِعُ عن أهلِ البَلَدِ بمن هو مَدفونٌ عندهم من الأنبياءِ والصَّالحينَ، وكُلُّ هذه الأمورِ الشِّرْكيةِ تُفعَلُ باسمِ التبَرُّكِ، وأحيانًا باسمِ التوَسُّلِ والتشَفُّعِ [681] يُنظر: ((البداية والنهاية)) لابن كثير (14/172)، ((تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد)) للصنعاني (ص: 60)، ((شرح الصدور بتحريم رفع القبور)) للشوكاني (ص: 18)، ((التبرك أنواعه وأحكامه)) لناصر الجديع (ص: 483). .
قال السيوطيُّ: (تجِدُ أقوامًا كثيرةً مِن الضَّالِّينَ يتضَرَّعون عند قبرِ الصَّالحينَ، ويخشَعون ويتذَلَّلون، ويَعبُدونَهم بقُلوبِهم عبادةً لا يَفعَلونَها في بُيوتِ اللهِ المساجِدِ، بل ولا في الأسحارِ بين يدَيِ اللهِ تعالى، ويَرجُون من الصَّلاةِ عندها والدُّعاءِ ما لا يرجونَه في المساجِدِ التي تُشَدُّ إليها الرِّحالُ! فهذه المفسَدةُ هي التي حَسَم النَّبيُّ مادَّتَها، حتَّى نهى عن الصَّلاةِ في المقبرةِ مُطلَقًا، وإن لم يَقصِدِ المصلِّي بركةَ البُقعةِ ولا ذلك المكانَ؛ سَدًّا للذَّريعةِ إلى تلك المفسَدةِ التي من أجْلِها عُبِدَت الأوثانِ) [682] يُنظر: ((الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع)) (ص: 118). .
الوَجهُ الثَّاني: أن يؤَدِّيَ التبَرُّكُ الممنوعُ إلى الوُقوعِ في الشِّركِ.
فالتبَرُّكُ الممنوعُ قد يؤدِّي إلى الوُقوعِ في الشِّركِ، ولأجْلِ ذلك جاء المنعُ مِن بعضِ أنواعِ التبَرُّكِ؛ سَدًّا لذَريعةِ الشِّركِ، وذلك كالنَّهيِ عن الصَّلاةِ عند القُبورِ، أو بناءِ المساجِدِ أو القِبابِ عليها، أو الدُّعاءِ عندها، والتبَرُّكِ بأمكِنَةِ وآثارِ الأنبياِء والصَّالِحين، وتَعظيمِها وتقديسِها، فتلك الأمورُ مِن أعظَمِ الذَّرائعِ والأسبابِ المؤدَّيةِ إلى وُقوعِ الشِّرْكِ بأصحابِ القُبورِ والآثارِ مع مُرورِ الوَقتِ وتطاوُلِ الأيَّامِ [683] يُنظر: ((مجموع فتاوى ابن باز)) (4/354)، ((القول المفيد)) لابن عثيمين (1/411)، ((التبرك أنواعه وأحكامه)) لناصر الجديع (ص: 484). .
قال ابنُ تيميَّةَ: (فهذه المفسَدةُ -التي هي مَفسَدةُ الشِّركِ؛ كبيرِه وصَغيرِه- هي التي حَسَم النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مادَّتَها، حتى نهى عن الصَّلاةِ في المقبرةِ مُطلَقًا، وإن لم يَقصِدِ المصَلِّي بَرَكةَ البُقعةِ بصَلاتِه، كما يَقصِدُ بصَلاتِه بركةَ المساجدِ الثَّلاثةِ، ونحوَ ذلك، كما نهى عن الصَّلاةِ وَقتَ طُلوعِ الشَّمسِ واستوائِها وغُروبِها؛ لأنَّها الأوقاتُ التي يَقصِدُ المُشرِكون بركةَ الصَّلاةِ للشَّمسِ فيها، فيُنهى المسلِمُ عن الصَّلاةِ حينَئذٍ -وإن لم يَقصِدْ ذلك-؛ سَدًّا للذَّريعةِ) [684] يُنظر: ((اقتضاء الصراط المستقيم)) (2/192). .
وأصلُ حُصولِ الشِّرْكِ وعبادةِ الأصنامِ في الأرضِ إنَّما وقع بسَبَبِ تعظيمِ الموتى الصَّالحينَ.
قال اللهُ تعالى عن قَومِ نوحٍ: وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا [نوح: 23].
قال ابنُ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما عن الأسماءِ المذكورةِ في الآيةِ الكريمةِ: (أسماءُ رِجالٍ صالحينَ مِن قَومِ نُوحٍ، فلمَّا هَلَكوا أوحى الشَّيطانُ إلى قَومِهم أنِ انصِبوا إلى مجالِسِهم التي كانوا يجلِسون أنصابًا وسَمُّوها بأسمائِهم، ففَعَلوا، فلم تُعبَدْ، حتى إذا هَلَك أولئك وتَنَسَّخَ العِلمُ عُبِدَت) [685] أخرجه البخاري (4920). .
قال ابنُ تيميَّةَ: (المُشرِكون الذين وصَفَهم اللهُ ورَسولُه بالشِّركِ، أصلُهم صِنفانِ: قَومُ نوحٍ وقَومُ إبراهيمَ.
فقَومُ نوحٍ كان أصلُ شِرْكِهم العُكوفَ على قُبورِ الصَّالحينَ، ثمَّ صَوَّروا تماثيلَهم، ثمَّ عَبَدوهم.
وقومُ إبراهيمَ كان أصلُ شِرْكِهم عبادةَ الكواكِبِ والشَّمسِ والقَمَرِ) [686] يُنظر: ((قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة)) (ص: 22). .
و(اللَّاتُ) التي هي من أكبَرِ أوثانِ العَرَبِ في الجاهِليَّةِ، ذُكِرَ أنَّه كان في الأصلِ رجلًا صالحًا يَلُتُّ السَّوِيقَ للحَجيجِ، فلمَّا مات عكَفوا على قبرِه مُدَّةً، ثمَّ اتَّخَذوا تمثالَه ثمَّ بَنَوا عليه بُنيانًا [687] يُنظر: ((الأصنام)) لابن الكلبي (ص: 16)، ((اقتضاء الصراط المستقيم)) لابن تيمية (2/156). .
عن ابنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما في تفسيرِ اللَّاتِ قال: (كان يَلُتُّ السَّويقَ للحاجِّ) [688] أخرجه البخاري (4859) باختلاف يسير ولفظه: عن ابن عباس رضى الله عنهما في قوله: اللات والعزى [النجم: 19] (كان اللات رجلا يلت سويق الحاج) .
وعن مجاهدٍ قال: (كان يَلُتُّ السَّوِيقَ فمات، فعَكَفوا على قَبْرِه) [689] أخرجه الطبري في ((التفسير)) (22/523). .
وعن أبي صالحٍ في قَولِه: اللَّاتَ قال: (اللَّاتُ: الذي كان يقومُ على آلهتِهم، يَلُتُّ لهم السَّوِيقَ، وكان بالطَّائِفِ) [690] أخرجه الطبري في ((التفسير)) (22/523). .
قال ابنُ تيميَّةَ: (فإنَّ اللَّاتَ كان سَبَبُ عبادتِها تعظيمَ قَبرِ رجُلٍ صالحٍ كان هناك...وهذه العِلَّةُ التي لأجْلِها نهى الشَّارعُ هي التي أوقَعَت كثيرًا من الأُمَمِ، إمَّا في الشِّرْكِ الأكبَرِ، أو فيما دونَه مِنَ الشِّركِ؛ فإنَّ النُّفوسَ قد أشركَت بتماثيلِ القَومِ الصَّالحين، وبتماثيلَ يَزعُمونَ أنَّها طلاسِمُ للكواكبِ ونحوُ ذلك، فإنْ يُشرَكْ بقَبرِ الرَّجُلِ الذي يُعتَقَدُ نبُوَّتُه أو صلاحُه: أعظَمُ مِن أن يُشرَكَ بخَشَبةٍ أو حَجَرٍ على تمثالِه؛ ولهذا نجِدُ أقوامًا كثيرين يتضَرَّعون عندها، ويخشَعون، ويَعبُدون بقُلوبِهم عِبادةً لا يَفعَلونَها في المسجِدِ، بل ولا في السَّحَرِ، ومنهم من يسجُدُ لها، وأكثَرُهم يَرجُونَ مِن بَرَكةِ الصَّلاةِ عِندَها والدُّعاءِ ما لا يَرجُونَه في المساجِدِ التي تُشَدُّ إليها الرِّحالُ!) [691] يُنظر: ((اقتضاء الصراط المستقيم)) (2/191). .
وقال السيوطيُّ: (إنْ قصَد الإنسانُ الصَّلاةَ عِندَها أي: القُبورِ أو الدُّعاءَ لنَفْسِه في مُهِمَّاتِه وحَوائِجِه، متبَرِّكًا بها راجيًا للإجابةِ عِندَها، فهذا عَينُ المحادَّةِ للهِ ولرَسولِه، والمخالفةِ لدينِه وشَرْعِه، وابتِداعِ دينٍ لم يأذَنْ به اللهُ ولا رَسولُه ولا أئمَّةُ المسلِمين المتَّبِعينَ آثارَه وسُنَنَه، فإنْ قَصَدَ القُبورَ للدُّعاءِ رَجاءَ الإجابةِ فمَنهيٌّ عنه، وهو إلى التَّحريمِ أقرَبُ، والصَّحابةُ رَضِيَ اللهُ عنهم، وقد أجدَبوا مرَّاتٍ، ودهَمَتْهم نوائبُ بعد موتِه، فهلَّا جاؤوا فاستَسْقَوا واستغاثوا عند قبرِ النَّبيِّ، وهو أكرَمُ الخَلْقِ على اللهِ عَزَّ وجَلَّ! بل خَرَج فيهم سَيِّدُنا عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه بالعبَّاسِ عَمِّ النَّبيِّ إلى المصَلَّى، فاستسقى به، ولم يَسْتَسْقوا عند قبرِ النَّبيِّ. فاقتَدِ أيُّها المسلِمُ إن كنتَ عبدَ اللهِ بسَلَفِك الصَّالحِ، وتحَقَّقِ التَّوحيدَ الخالِصَ؛ فلا تعبُدْ إلَّا اللهَ، ولا تُشرِكْ برَبِّك أحَدًا، كما أمَرَ اللهُ تعالى بقَولِه: فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ، وقال تعالى: فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف: 110] . فلا تعبُدْ إلَّا إيَّاه ولا تَدْعُ إلا هو، ولا تستَعِنْ إلَّا به؛ فإنَّه لا مانِعَ ولا معطيَ ولا ضارَّ ولا نافِعَ إلَّا هو سُبحانَه وتعالى) [692] يُنظر: ((الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع)) (ص: 118).
وقال حُمُودُ بنُ عبدِ اللهِ التُّوَيجريُّ: (التبرُّكُ بالقُبورِ والدُّعاءُ عِندَها من أعظَمِ الأسبابِ للإشراكِ بأصحابِها، وقد نهى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن اتخاذِ قَبْرِه عِيدًا، ونهيُه عن ذلك يدُلُّ بطريقِ الأَولى على النَّهيِ عن اتخاذِ قُبورِ الصَّالحين أعيادًا، والعيدُ اسمٌ لِما يُعتادُ مجيئُه وقَصدُه من زمانٍ ومكانٍ، مأخوذٌ من المعاودةِ والاعتيادِ، ومنه اعتيادُ المجيءِ إلى القُبورِ للتبَرُّكِ بها، والدُّعاءِ عندها) [693] يُنظر: ((الإجابة الجلية على الأسئلة الكويتية)) (ص: 10). .
ومن الأمثِلةِ على النَّهيِ عن بَعضِ أنواعِ التبَرُّكِ سَدًّا لذريعةِ الوُقوعِ في الشِّرْكِ: النَّهيُ عن التبَرُّكِ بالأشجارِ والأحجارِ وبعضِ البُقَعِ، وتعظيمِها؛ فإنَّ هذا التبَرُّكَ قد يؤَدِّي إلى الشِّرْكِ مع مرورِ الزَّمانِ.
وقد روى هِشامُ بنُ محمَّدٍ الكَلبيُّ عن أبيه وغيرِه (أنَّ إسماعيلَ بنَ إبراهيمَ صَلَّى اللهُ عليهما لَمَّا سَكَن مكَّةَ ووُلِدَ له بها أولادٌ كثيرٌ حتى ملؤوا مكَّةَ، ونَفَوا من كان بها من العماليقِ، ضاقت عليهم مكَّةُ، ووقعت بينهم الحُروبُ والعداواتُ، وأخرج بعضُهم بعضًا، فتفَسَّحوا في البلادِ والتِماسِ المعاشِ، وكان الذي سَلَخ بهم إلى عبادةِ الأوثانِ والحِجارةِ أنَّه كان لا يَظعَنُ مِن مكَّةَ ظاعِنٌ إلَّا احتَمَل معه حجَرًا من حجارةِ الحَرَمِ؛ تعظيمًا للحَرَمِ، وصبابةً بمكَّةَ، فحيثُما حَلُّوا وَضَعوه، وطافوا به كطَوافِهم بالكَعبةِ؛ تيمُّنًا منهم بها، وصبابةً بالحَرَمِ، وحُبًّا بها، وهم بَعْدُ يُعَظِّمونَ الكَعبةَ ومكَّةَ، ويحُجُّون ويعتَمِرونَ على إرثِ إبراهيمَ وإسماعيلَ عليهما السَّلامُ، ثمَّ سَلَخ ذلك بهم إلى أن عَبَدوا ما استحَبُّوا، ونَسُوا ما كانوا عليه، واستَبدَلوا بدِينِ إبراهيمَ وإسماعيلَ غَيرَه، فعَبَدوا الأوثانَ، وصاروا إلى ما كانت عليه الأُمَمُ من قَبْلِهم) [694] يُنظر: ((الأصنام)) (ص: 6). .

انظر أيضا: