الموسوعة العقدية

المَبحَثُ الثَّالِثُ: أنواعُ الحِكَمِ الحاصِلةِ مِنَ الشَّرائعِ

الحِكَمُ الحاصِلةُ مِنَ الشَّرائعِ ثلاثةُ أنواعٍ:
النوع الأوَّلُ: أن يكونَ الفِعلُ مُشتَمِلًا على مَصلَحةٍ أو مَفسَدةٍ، ولو لم يَرِدِ الشَّرعُ بذلك.
فمثلًا معلومٌ أنَّ العَدْلَ مُشتَمِلٌ على مصلحةِ العالَم، والظُّلمَ مُشتَمِلٌ على فسادِه، وقد يُعلَمُ بالعَقلِ والشَّرعِ حُسنُ ذلك وقبحُه، لكِنْ لا يلزَمُ في العقلِ مَعرفةُ أنَّ الإنسانَ مُعاقَبٌ على فِعلِ القبيحِ في الآخرةِ إن لم يَرِدِ الشَّرعُ بذلك، ومن ادَّعى أنَّ اللهَ يُمكِنُ أن يعاقِبَ العِبادَ على أفعالهم القبيحةِ مِنَ الشِّركِ والكُفرِ وغيرِ ذلك من غيرِ إرسالِ رَسولٍ، فقد أخطأ.
قال ابنُ تيميَّةَ: (هذا النَّوعُ هو حَسَنٌ وقبيحٌ، وقد يُعلَمُ بالعَقلِ والشَّرعِ قُبحُ ذلك لا أنَّه أثبت للفِعلِ صِفةً لم تكُنْ، لكن لا يلزَمُ من حصولِ هذا القُبحِ أن يكونَ فاعِلُه مُعاقَبًا في الآخرةِ إذا لم يَرِدْ شَرعٌ بذلك، وهذا مما غَلِط فيه غُلاةُ القائلين بالتحسينِ والتقبيحِ؛ فإنهم قالوا: إنَّ العِبادَ يعاقَبون على أفعالهم القبيحةِ ولو لم يَبعَثْ إليهم رسولًا، وهذا خلافُ النصِّ؛ قال تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا، وقال تعالى: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء: 165] ، وقال تعالى: وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ [القصص: 59] ، وقال تعالى: كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ * وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ [الملك: 8-10]، وفي الصَّحيحينِ عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه قال: ((ما أحدٌ أحَبَّ إليه العُذرُ مِنَ اللهِ؛ من أجْلِ ذلك أرسل الرُّسُلَ مُبَشِّرينَ ومُنذِرينَ ))( أخرجه البخاري (7416)، ومسلم (1499) مُطَوَّلًا باختِلافٍ يسيرٍ من حديثِ المغيرةِ بنِ شُعبةَ رَضِيَ اللهُ عنه. . والنصوصُ الدَّالَّةُ على أنَّ اللهَ لا يُعَذِّبُ إلَّا بعد الرِّسالةِ كثيرةٌ تَرُدُّ على من قال من أهلِ التحسينِ والتقبيحِ: إنَّ الخَلْقَ يُعَذَّبون في الأرضِ بدُونِ رَسولٍ أُرسِلَ إليهم) ( يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (8/ 434). .
النوعُ الثَّاني: إذا أمر الشَّارعُ بشَيءٍ صار حَسَنًا، وإذا نهى عن شيءٍ صار قبيحًا.
فيَكتسِبُ الفِعلُ صِفةَ الحُسنِ والقُبحِ بخِطابِ الشَّرعِ.
قال ابنُ تيميَّةَ: (لا رَيبَ أنَّ من أنواعِه أي: الحَسَنِ والقبيحِ ما لا يُعلَمُ إلَّا بالشَّرعِ)( يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (8/ 309). .
النوع الثَّالِثُ: أن يأمُرَ الشَّارعُ بشَيءٍ امتحانًا واختبارًا.
كما أمر اللهُ تعالى إبراهيمَ عليه السَّلامُ بأن يذبَحَ ابنَه ابتلاءً واختبارًا منه.
قال ابنُ تيميَّةَ عن هذا النوعِ: (أن يأمُرَ الشَّارعُ بشَيءٍ ليمتَحِنَ العبدَ: هل يطيعُه أم يعصيه، ولا يكونُ المرادُ فِعلَ المأمورِ به كما أُمِرَ إبراهيمُ بذَبحِ ابنِه، فلمَّا أسلما وتَلَّه للجبينِ حصل المقصودُ ففداه بالذِّبْحِ، وكذلك حديثُ أبرَص وأقرَع وأعمى، لَمَّا بعث اللهُ إليهم من سألهم الصَّدَقةَ، فلمَّا أجاب الأعمى قال الملَكُ: أمسِكْ عليك مالَكَ فإنما ابتُلِيتُم؛ فرَضِيَ عنك وسَخِط على صاحِبَيك( أخرجه البخاري (3464)، ومسلم (2964) مُطَوَّلًا باختِلافٍ يسيرٍ من حديثِ أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه. )( يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (8/ 436). .
وجمهورُ أهلِ العِلْم أثبتوا تلك الأقسامَ الثَّلاثةَ، فيَرَون أنَّ أفعالَ اللهِ مُعَلَّلةٌ، وأنَّ العقلَ بإمكانِه أن يُدرِكَ ما في الأفعالِ مِن حُسْنٍ وقُبحٍ، وهذا يفتَحُ البابَ أمامَ العُقولِ السَّليمةِ للبَحثِ في الحِكَمِ الباهِرةِ التي خلق اللهُ من أجْلِها المخلوقاتِ، وشَرع من أجْلِها الأحكامَ، وهذا ممَّا يُثبِّت الإيمانَ، ويزيدُ اليقينَ( يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (8/ 436)، ((الإيمان بالقضاء والقدر)) لعمر الأشقر (ص: 49). .


انظر أيضا: