الموسوعة العقدية

الفَرعُ الثَّاني: خَمرُ أهلِ الجَنَّةِ

مِنَ الشَّرابِ الَّذي يَتَفَضَّلُ اللهُ تعالى به على أهلِ الجَنَّةِ الخَمرُ.
قال اللهُ تعالى: وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ [محمد: 18].
وقال اللهُ سُبحانَه: يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ [الصافات: 45-47] .
وقال اللهُ عَزَّ وجَلَّ: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ [الواقعة: 17-19].
قال ابنُ كَثيرٍ: (وصَفَ اللهُ خَمرَ الجَنَّةِ بصِفاتٍ جَميلةٍ حَسَنةٍ ليسَت في خُمُورِ الدُّنيا القَذِرةِ، فذَكَرَ أنَّها أنهارٌ جاريةٌ، كَما قال تعالى: وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبّينَ [محمد: 15] فهي أنهارٌ جاريةٌ مُستَمَدَّةٌ مِن عُيُونٍ تَنبعُ مِن تَحتِ جِبالِ المِسْكِ، وليسَت مُعتَصَرةً بأرجُلِ الرِّجالِ الأراذِلِ في أسوأِ الأحوالِ. وذَكَرَ أنَّها لَذَّةٌ لِلشَّارِبينَ، وليسَت كخَمرِ الدُّنيا مِن كَراهةِ الطَّعمِ، وسُوءِ الفِعلِ في العَقلِ، ومَغصِ البَطنِ، وصُداعِ الرَّأسِ، فقَد نَزَّه اللهُ أهلَ الجَنَّةِ عَن ذَلِكَ كُلِّه، ونَزَّه خَمرَها أن يَكُونَ فيه شيءٌ مِن ذَلِكَ، كَما قال تعالى: يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ * لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ [الصافات: 45] بَيْضَاءَ: أي: حَسنةِ المَنظَرِ لَذَّةٍ: طيبةِ الطَّعمِ لَا فِيهَا غَوْلٌ الغَولُ: وجَعُ البَطنِ، وَلَا ُهْم عَنْهَا يُنْزَفُونَ [الصَّافَّات: 47] أي: لا تَذهَبُ عُقُولُهم، وذَلِكَ أنَّ المَقصُودَ مِنَ الخَمرِ إنَّما هو اللَّذَّةُ المُطْرِبةُ، وهي الحالةُ المُبهِجةُ الَّتي يَحصُلُ بها سُرُورُ النَّفسِ، وهذا حاصِلٌ كامِلٌ تامٌّ في خَمرِ الجَنَّةِ، فأمَّا ذَهابُ العَقلِ بحيثُ يَبقى شارِبُها كالحيَوانِ والمَجنُونِ، فهذا نَقصُ إنَّما يَنشَأُ عَن خَمْرِ الدُّنيا، فأمَّا خَمرُ الجَنَّةِ فلا تُحدِثُ لِشارِبها شيئًا مِن هذا، وإنَّما تُحدِثُ السُّرُورَ والِابتِهاجَ؛ ولِهذا قال تعالى: لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ [الصَّافَّاتِ: 47] أي: تُنزَفُ عُقُولُهم، فتَذهَبُ بالكُلِّيَّةِ بسَبَب شُربِها.
وقال في الآيةِ الأُخرى: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُون [الواقِعةِ: 17 - 19]. أي: لا تُورِثُ لَهم صُداعًا في رُءُوسِهم، ولا تُنزِفُ عُقُولَهم) [4800] يُنظر: ((البداية والنهاية)) (20/ 325). .
وقال ابنُ عُثيمين: (خَمْرُ الدُّنيا فيه رائِحةٌ كَريهةٌ ثُمَّ إنَّه يَقلِبُ العاقِلَ إلى مَجنُونٍ، وفيه أيضًا الصُّداعُ، وفيه فسادُ المَعِدةِ، لَكِنَّه في الجَنةِ أنهارٌ مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبينَ) [4801] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الحجرات والحديد)) (ص: 185). .
وقال اللهُ سُبحانَه: يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ [المطففين: 25-26].
قال ابنُ جُزَيٍّ: (يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ الرَّحيقُ: الخَمرُ الصَّافيةُ، والمَختُومُ فسَّرَه اللهُ بأنَّ خِتامَه مِسْكٌ، وقُرِئَ خِتَامُهُ بألفٍ بَعدَ التَّاءِ، وخَاتُمُهُ بألفٍ بَعدَ الخاءِ، وبفَتحِ التَّاءِ وكَسرِها، وفي مَعناه ثَلاثةُ أقوالٍ: أحَدُها: أنَّه مِنَ الخَتمِ على الشَّيءِ، بمَعنى جَعلِ الطَّابعِ عليه، فالمَعنى أنَّه خُتِمَ على فمِ الإناءِ الَّذي هو فيه بالمِسْكِ، كَما يُختَمُ على أفواهِ آنيةِ الدُّنيا بالطِّينِ إذا قُصِدَ حِفظُها وصيانَتُها، الثَّاني: أنَّه مِن خَتْمِ الشَّيءِ، أي: تَمامِه، فمَعناه: خاتُمٌ شُربِه مِسْكٌ، أي: يَجِدُ الشَّارِبُ عِندَ آخِرِ شُربِه رائِحةَ المِسْكِ ولَذَّتِه، الثَّالِثُ: أنَّ مَعناه مِزاجُه مِسْكٌ، أي: مُزِجَ الشَّرابُ بالمِسكِ، وهذا خارِجٌ عَنِ اشتِقاقِ اللَّفظِ) [4802] يُنظر: ((تفسير ابن جزي)) (2/ 462). .

انظر أيضا: