الموسوعة العقدية

المَبحَثُ الثَّالِثُ: فِتنةُ القَبْرِ

قال اللهُ تعالى: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم: 27] .
أي: يثبِّتُ اللهُ المُؤمِنينَ بالقَولِ الصَّادقِ الحَقِّ، الذي ثبَتَ في قُلوبِهم، وتمكَّنَ فيها، واطمأنَّتْ إليه نفوسُهم -وهو شَهادةُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأنَّ مُحمَّدًا رَسولُ اللهِ- فيُثَبِّتُهم اللهُ في حياتِهم الدُّنيا على إيمانِهم باللهِ تعالى وبرَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ويُسلِّمُهم من الشَّهَواتِ والشُّبُهاتِ، ويُثَبِّتُهم أيضًا في قُبورِهم عندَ سؤالِ المَلَكينِ [1490] يُنظر: ((التفسير المحرر - سورة إبراهيم)) (ص: 335). .
وعن البَراءِ بنِ عازبٍ رَضِيَ الله عنهما أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((المُسلِمُ إذا سُئِلَ في القبرِ يشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأنَّ محمدًا رسولُ اللهِ. فذلك قولُه: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ)) [1491] أخرجه البخاري (4699) واللَّفظُ له، ومسلم (2871). .
وعن أبي سعيدٍ الخُدريِّ رَضِيَ الله عنه، قال: شَهِدتُ مع رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم جِنازةً، فقال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((أيُّها النَّاسُ، إنَّ هذه الأمَّةَ تُبتَلَى في قُبورِها، فإذا الإنسانُ دُفِنَ فتفَرَّقَ عنه أصحابُه، جاءه ملَكٌ في يَدِه مِطراقٌ فأقعَدَه، قال: ما تقولُ في هذا الرَّجُلِ؟ فإن كان مؤمِنًا قال: أشهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وأنَّ مُحمَّدًا عبدُه ورسولُه، فيقولُ: صَدَقتَ، ثمَّ يُفتَحُ له بابٌ إلى النَّارِ، فيقولُ: هذا كان مَنزِلَك لو كفَرْتَ برَبِّك، فأمَّا إذ آمنتَ فهذا مَنزِلُك، فيُفتَحُ له بابٌ إلى الجنَّةِ، فيريدُ أن ينهَضَ إليه، فيقولُ له: اسكُنْ، ويُفسَحُ له في قَبرِه. وإن كان كافِرًا أو مُنافِقًا يقولُ له: ما تقولُ في هذا الرَّجُلِ؟ فيقولُ: لا أدري، سَمِعتُ النَّاسَ يقولونَ شَيئًا! فيقولُ: لا دَرَيتَ، ولا تَلَيتَ [1492] قال علي القاري: ( ((لا دَرَيتَ)) أي: لا عَلِمْتَ ما هو الحَقُّ والصَّوابُ "ولا تَلَيتَ" أي: لا تَبِعْتَ الناجين، يعني: ما وقع منك التحقيقُ والتسديدُ، ولا صدر منك المتابعةُ والتقليدُ). ((مرقاة المفاتيح)) (1/205). ، ولا اهتَدَيتَ، ثمَّ يُفتَحُ له بابٌ إلى الجنَّةِ فيقولُ: هذا مَنزِلُك لو آمنْتَ برَبِّك، فأمَّا إذ كفَرْتَ به فإنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ أبدَلَك به هذا، ويُفتَحُ له بابٌ إلى النَّارِ، ثمَّ يَقمَعُه قَمعةً بالمِطراقِ يَسمَعُها خَلقُ اللهِ كُلُّهم غيرَ الثَّقَلينِ. فقال بعضُ القَومِ: يا رسولَ اللهِ، ما أحدٌ يقومُ عليه ملَكٌ في يَدِه مِطراقٌ إلَّا هِيلَ عند ذلك! فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ)) [1493] أخرجه أحمد (11000) واللَّفظُ له، وابن أبي عاصم في ((السنة)) (865) بلفظ: ((ذهل)) بدلًا من ((هيل))، والبزار كما في ((مجمع الزوائد)) للهيثمي (3/50). صحَّحه ابنُ القيِّم في ((إعلام الموقعين)) (1/164)، وشعيب الأرناؤوط في تخريج ((مسند أحمد)) (11000)، وصحَّح إسنادَه الألباني في ((سلسلة الأحاديث الصحيحة)) (3394)، وقال ابنُ كثيرٍ في ((تفسير القرآن)) (4/417): إسنادُه لا بأسَ به. .
قال ابنُ جَريرٍ: (الصَّوابُ مِنَ القَولِ في ذلك ما ثَبَتَ به الخَبَرُ عَن رَسولِ اللَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في ذلك، وهو أنَّ مَعناه: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذينَ آمَنوا بالقَولِ الثَّابتِ في الحَياةِ الدُّنيا، وذلك تَثبيتُه إيَّاهم في الحَياةِ الدُّنيا بالإيمانِ باللهِ وبرَسولِه مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وفي الآخِرةِ بمِثلِ الَّذي ثَبَّتَهم به في الحَياةِ الدُّنيا، وذلك في قُبورِهم حينَ يُسألونَ عَنِ الَّذي هم عليه مِنَ التَّوحيدِ والإيمانِ برَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. وأمَّا قَولُه: وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ فإنَّه يعني: أنَّ اللَّهَ لا يوفِّقُ المُنافِقَ والكافِرَ في الحَياةِ الدُّنيا وفي الآخِرةِ عِندَ المَسألةِ في القَبرِ لِما هُدِيَ لَه مِنَ الإيمانِ المُؤمِنُ باللهِ ورَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم)  [1494] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/ 667). .
وقال السَّمعانيُّ: (قَولُه تعالى: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ القَولُ الثَّابتُ: كَلِمةُ التَّوحيدِ، وهيَ لا إلَه إلَّا اللَّهُ، وقال: يُثَبِّتُ اللَّهُ؛ لِأنَّه هو المُثَبِّتُ لِلإيمانِ في قُلوبِ المُؤمِنينَ.
وقَولُه: فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا يعني: قَبلَ المَوتِ. وقَولُه وَفِي الْآخِرَةِ أي: في القَبرِ، وعليه أكثَرُ أهلِ التَّفسيرِ، وقَد ثَبَتَ ذلك عَنِ النَّبيِّ برِوايةِ البراءِ بْنِ عازِبٍ، وهو قَولُ عَبدِ اللَّهِ بنِ مَسعودٍ، وعَبدِ اللَّهِ بنِ عَبَّاسٍ، وجَماعةٍ مِنَ الصَّحابةِ.
واعلَمْ أنَّ سُؤالَ القَبرِ ثابتٌ في السُّنَّةِ، والإيمانُ به واجِبٌ، وقَد ورَدَت فيه الأخبارُ الكَثيرةُ... وفي الآيةِ قَولٌ آخَرُ: أنَّ الحَياةَ الدُّنيا هيَ القَبْرُ، وفي الآخِرةِ هيَ القيامةُ، والقَولُ الأوَّلُ أصَحُّ.
وقَولُه: وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ مَعناه: أنَّه لا يَهَدي المُشرِكينَ إلَى هَذا الجَوابِ، ولا يُلقِّنُهم إيَّاه. وقَولُه: وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ مِنَ التَّوفيقِ والخِذْلانِ والتَّثبيتِ وتَركِ التَّثبيتِ) [1495] يُنظر: ((تفسير السمعاني)) (3/ 115). .
وقال ابنُ كَثيرٍ: (مِنَ المَلائِكةِ المُسَمَّينَ في الحَديثِ: مُنكَرٌ ونَكِيرٌ عليهما السَّلامُ، وقَدِ استَفاضَ في الأحاديثِ ذِكرُهما في سُؤالِ القَبرِ. وقَد أورَدناها عِندَ قَولِه تعالى: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيَضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينِ ويَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشاءُ [إبراهيمَ: 27]. وهما فتَّانا القَبرِ، مُوكَلانِ بسُؤالِ المَيِّتِ في قَبرِه، عَن رَبِّه، ودينِه، ونَبيِّه، ويَمتَحِنانِ البَرَّ والفاجِرَ، وهما أزرَقانِ أفرَقانِ لَهما أنيابٌ وأشكالٌ مُزعِجةٌ وأصَواتٌ مُفزِعةٌ. أجارَنا اللَّهُ من عَذابِ القَبرِ، وثَبَّتَنا بالقَولِ الثَّابتِ. آمينَ) [1496] يُنظر: ((البداية والنهاية)) (1/ 110). .
وقال السَّعديُّ: (يُخبرُ تعالى أنَّه يُثبِّتُ عِبادَه المُؤمِنينَ، أي: الَّذينَ قاموا بما عليهم من إيمانِ القَلبِ التَّامِّ، الَّذي يَستَلزِمُ أعمالَ الجَوارِحِ ويُثَمِّرُها، فيُثبتُهمُ اللَّهُ في الحَياةِ الدُّنيا عِندَ وُرودِ الشُّبُهاتِ بالهدايةِ إلَى اليَقينِ، وعِندَ عُروضِ الشَّهَواتِ بالإرادةِ الجازِمةِ على تَقديمِ ما يُحِبُّه اللَّهُ على هوى النَّفسِ ومُراداتِها.
وفي الآخَرةِ عِندَ المَوتِ بالثَّباتِ على الدِّينِ الإسلاميِّ والخاتِمةِ الحَسَنةِ، وفي القَبرِ عِندَ سُؤالِ المَلَكينِ، لِلجَوابِ الصَّحيحِ، إذا قيلَ لِلمَيِّتِ «مَن رَبُّكَ؟ وما دينُكَ؟ ومَن نَبيُّكَ؟» هَداهم لِلجَوابِ الصَّحيحِ بأن يَقولَ المُؤمِنُ: «اللَّهُ رَبي، والإسلامُ ديني، ومُحَمَّدٌ نَبيِّي».
وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ عَنِ الصَّوابِ في الدُّنيا والآخِرةِ، وما ظَلمَهمُ اللَّهُ ولَكِنَّهم ظَلَموا أنفُسَهم، وفي هَذِه الآيةِ دَلالةٌ على فتنةِ القَبرِ وعَذابِه، ونَعيمِه، كَما تَواتَرت بذلك النُّصوصُ عَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في الفتنةِ وصِفَتِها، ونَعيمِ القَبرِ وعَذابِه)  [1497]يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 425). .
وعَن عائِشةَ رَضِيَ اللهُ عَنها قالت: ((دَخَلَ عليَّ رَسولُ اللَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وعِندي امرأةٌ مِنَ اليَهودِ، وهيَ تَقولُ: هَل شَعَرتُ أنَّكُم تُفتَنونَ في القُبورِ؟ قالت: فارتاعَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وقال: إنَّما تُفتَنُ اليَهودُ. قالت عائِشةُ: فلَبِثْنا لياليَ، ثُمَّ قال رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: هَل شَعَرتُ أنَّه أُوحِيَ إلَيَّ أنَّكُم تُفتَنونَ في القُبورِ؟!، قالت عائِشةُ: فسَمِعتُ رَسولَ اللَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَعدُ: يَستَعيذُ من عَذابِ القَبرِ)) [1498] أخرجه مسلم (584). .
قال ابنُ عَبدِ البَرِّ: (أمَّا قَولُه: ((أُوحِيَ إلَيَّ أنَّكُم تُفتَنونَ في قُبورِكُم)) فإنَّه أرادَ فتنةَ المَلَكينِ مُنكَرٍ ونَكيرٍ حينَ يَسألانِ العَبدَ: مَن رَبُّكَ وما دينُكَ ومَن نَبيُّكَ؟ والآثارُ في هَذا مُتَواتِرةٌ، وأهلُ السُّنَّةِ والجَمَاعةِ كُلُّهم على الإيمانِ بذلك، ولا يُنكِرُه إلَّا أهلُ البِدَعِ) [1499] يُنظر: ((التمهيد)) (22/ 247). .
وقال أبو العَبَّاسِ القُرطُبيُّ: (قَولُ اليَهوديَّةِ: إنَّكُم تُفتَنونَ في القُبورِ، أي: تُعَذَّبونَ. كَما قال اللَّهُ تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، أي: عَذَّبوهم. وقَد قَدَّمنا أنَّ الفتنةَ تَنصَرِفُ على وُجوهٍ، وأنَّ أصلَها الاختِبارُ.
وهَذا الحَديثُ وما في مَعناه يَدُلُّ على صِحَّةِ اعتِقادِ أهلِ السُّنَّةِ في عَذابِ القَبرِ، وأنَّه حَقٌّ، ويَرُدُّ على المُبتَدِعةِ المُخالِفينَ في ذلك، وسَيأتي إنْ شاءَ اللَّهُ.
وارتياعُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عِندَ إخبارِ اليَهوديَّةِ بعَذابِ القَبرِ إنَّما هو على جِهةِ استِبعادِ ذلك لِلمُؤمِنِ؛ إذ لَم يَكُن أوحِيَ إلَيه في ذلك شَيءٌ. ولِذلك حَقَّقَه على اليَهودِ، فقال: إنَّما تُفتَنُ يَهودُ، على ما كانَ عِندَه من عِلمِ ذلك، ثُمَّ أخبَرَ أنَّه أوحِيَ إلَيه بوُقوعِ ذلك، وحينَئِذٍ تَعَوَّذَ مِنه، ولَمَّا استَعظَمَ الأمرَ واستَهولَه، أكثَرَ الاستِعاذةَ مِنه، وعَلَّمَها، وأمَرَ بها، وبإيقاعِها في الصَّلاةِ) [1500] يُنظر: ((المفهم)) (2/ 207). .
وقال أبو العَبَّاسِ القُرطُبيُّ في دُعاءِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((اللَّهَمُ إنِّي أَعوذُ بكَ من فتنةِ النَّارِ وعَذابِ النَّارِ، وفتنةِ القَبرِ وعَذابِ القَبرِ... )) [1501] أخرجه مُطَوَّلًا البخاري (6377) واللَّفظُ له، ومسلم (589) من حديثِ عائِشةَ رَضِيَ اللهُ عنها. : (فِتنةُ القَبرِ: هيَ الضَّلالُ عَن صَوابِ إجابةِ المَلَكينِ فيه، وهما: مُنكَرٌ ونَكِيرٌ -كَما تَقَدَّمُ- وعَذابُ القَبرِ: هو ضَربُ مَن لَم يوفَّقْ لِلجَوابِ بمَطارِقِ الحَديدِ، وتَعذيبُه إلَى يَومِ القيامةِ)  [1502]يُنظر: ((المفهم)) (7/ 33). .
وقال ابنُ حَجَرٍ: (قَولُه: ((ومن فتنةِ القَبْرِ))، هي: سُؤالُ المَلَكينِ) [1503] يُنظر: ((فتح الباري)) (11/ 177). .
وعَن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عَنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((إذا قُبِرَ المَيِّتُ -أو قال: أحَدُكُم- أتاهَ مَلكانِ أسودانِ أزرَقانِ، يُقالُ لِأحَدِهما: المُنكَرُ، ولِلآخَرِ: النَّكيرُ، فيَقولانِ، ما كُنتَ تَقولُ في هَذا الرَّجُلِ؟ فيَقولُ: ما كانَ يَقولُ، هو عَبدُ اللَّهِ ورَسولُه، أشهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا عَبدُه ورَسولُه. وإن كانَ مُنافِقًا، قال: سَمِعتُ النَّاسَ يَقولونَ قَولًا، فقُلتُ مِثلَه، لا أدري... )) [1504] أخرجه مُطَوَّلًا الترمذي (1071) واللَّفظُ له، والبزار (8462)، وابن حبان (3117). صَحَّحه ابنُ حبان، وحسَّنه الألباني في ((صحيح الترمذي)) (1071)، وقوَّى إسناده شعيب الأرناؤوط في تخريج ((صحيح ابن حبان)) (3117). .
قال علي القاري: ( ((إذا قُبِرَ المَيِّتُ))، أي: دُفِن، وهو قَيدٌ غالِبيٌّ، وإلَّا فالسُّؤالُ يَشمَلُ الأمواتَ جَميعَها، حَتَّى إنَّ مَن مات وأكَلَتْه السِّباعُ، فإنَّ اللَّهَ تَبارك وتعالى يُعلِّقُ رُوحَه الَّذي فارَقَه بجُزئِه الأصليِّ الباقي من أوَّلِ عُمُرِه إلَى آخِرِه المُستَمِرِّ على حالِه... ((أتاهَ مَلَكانِ أسوَدانِ)): مَنظَرُهما ((أزرَقانِ)): أعيُنُهما، وإنَّما يَبعَثُهما اللَّهُ على هَذِه الصِّفةِ لِما في السَّوادِ وزُرقةِ العَينِ مِنَ الهولِ والوَحْشةِ، ويَكونُ خوفُهما على الكُفَّارِ أشَدَّ؛ ليَتَحَيَّروا في الجَواب، وأمَّا المُؤمِنونَ فلَهم في ذلك ابتِلاءٌ، فيُثبِّتُهمُ اللَّهُ فلا يَخافونَ، ويأمَنونَ جَزَاءً لِخوفِهم مِنه في الدُّنيا) [1505] يُنظر: ((مرقاة المفاتيح)) (1/ 209). .
وعن ابنِ شماسةَ المهريِّ قال: حَضَرْنا عَمْرَو بنَ العاصِ، وهو في سِياقَةِ المَوْتِ، يَبَكِي طَوِيلًا، وحَوَّلَ وجْهَهُ إلى الجِدارِ، فَجَعَلَ ابنُهُ يقولُ: يا أبَتاهُ، أما بَشَّرَكَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بكَذا؟ أما بَشَّرَكَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بكَذا؟ قالَ: فأقْبَلَ بوَجْهِهِ، فقالَ: إنَّ أفْضَلَ ما نُعِدُّ شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللهِ، إنِّي قدْ كُنْتُ علَى أطْباقٍ ثَلاثٍ؛ لقَدْ رَأَيْتُنِي وما أحَدٌ أشَدَّ بُغْضًا لِرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِنِّي، ولا أحَبَّ إلَيَّ أنْ أكُونَ قَدِ اسْتَمْكَنْتُ منه فَقَتَلْتُهُ، فلوْ مُتُّ علَى تِلكَ الحالِ لَكُنْتُ من أهْلِ النَّارِ، فَلَمَّا جَعَلَ اللَّهُ الإسْلامَ في قَلْبِي أتَيْتُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فَقُلتُ: ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلْأُبايِعْكَ، فَبَسَطَ يَمِينَهُ، قالَ: فَقَبَضْتُ يَدِي، قالَ: ما لكَ يا عَمْرُو؟ قالَ: قُلتُ: أرَدْتُ أنْ أشْتَرِطَ، قالَ: تَشْتَرِطُ بماذا؟ قُلتُ: أنْ يُغْفَرَ لِي، قالَ: أما عَلِمْتَ أنَّ الإسْلامَ يَهْدِمُ ما كانَ قَبْلَهُ؟ وأنَّ الهِجْرَةَ تَهْدِمُ ما كانَ قَبْلَها؟ وأنَّ الحَجَّ يَهْدِمُ ما كانَ قَبْلَهُ؟ وما كانَ أحَدٌ أحَبَّ إلَيَّ من رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولا أجَلَّ في عَيْنِي منه، وما كُنْتُ أُطِيقُ أنْ أمْلأَ عَيْنَيَّ منه إجْلالًا له، ولو سُئِلْتُ أنْ أصِفَهُ ما أطَقْتُ؛ لأَنِّي لَمْ أكُنْ أمْلأُ عَيْنَيَّ منه، ولو مُتُّ علَى تِلكَ الحالِ لَرَجَوْتُ أنْ أكُونَ من أهْلِ الجَنَّةِ، ثُمَّ ولِينا أشْياءَ ما أدْرِي ما حالِي فيها، فإذا أنا مُتُّ فلا تَصْحَبْنِي نائِحَةٌ، ولا نارٌ، فإذا دَفَنْتُمُونِي فَشُنُّوا عَلَيَّ التُّرابَ شَنًّا، ثُمَّ أقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِي قَدْرَ ما تُنْحَرُ جَزُورٌ ويُقْسَمُ لَحْمُها، حتَّى أسْتَأْنِسَ بكُمْ، وأَنْظُرَ ماذا أُراجِعُ به رُسُلَ رَبِّي [1506] أخرجه مسلم (121). .
وقال النَّوويُّ في قَولِ عَمْرِو بنِ العاصِ رَضيَ اللهُ عَنه (فإذا أنا مُتُّ فلا تَصْحَبْني نائِحةٌ ...): (فيه فوائِدُ، مِنها: إثباتُ فتنةِ القَبرِ وسُؤالِ المَلَكينِ، وهو مَذهَبُ أهلِ الحَقِّ) [1507] يُنظر: ((شرح مسلم)) (2/39). .
وعَن عائِشةَ رَضِيَ اللهُ عَنها أنَّ رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((إنِّي قَد رأيتُكُم تُفتَنونَ في القُبورِ كَفتنةِ الدَّجالِ))، قالت عائِشةُ: فكُنتُ أسمَعُ رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَعدَ ذلك، يَتَعَوَّذُ من عَذابِ النَّارِ، وعَذابِ القَبرِ [1508] أخرجه مسلم (903) واللَّفظُ له. .
قال النَّوويُّ: (قَولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((رأيتُكُم تُفتَنونَ في القُبورِ))، وفي آخِرِه يَتَعَوَّذُ من عَذابِ القَبرِ، فيه: إثباتُ عَذابِ القَبرِ وفتنَتِه، وهو مَذهَبُ أهلِ الحَقِّ، ومَعنَى ((تُفْتَنونَ)) تُمتَحَنونَ، فيُقالُ: ما عَلِمُكَ بهَذا الرَّجُلِ؟ فيَقولُ المُؤمِنُ: هو رَسولُ اللَّهِ؛ ويَقولُ المُنافِقُ: سَمِعتُ النَّاسَ يَقولونَ شَيئًا فقُلتُه، هَكَذا جاءَ مُفسَّرًا في الصَّحيحِ [1509] أخرجه البخاري (86)، ومسلم (905) من حَديثِ عائشة رَضِيَ اللهُ عنها. ولفظ البخاري: ((فأما المؤمِنُ أو -الموقِنُ لا أدري بأيِّهما قالت أسماء- فيقول: هو محمَّدٌ رسولُ اللهِ، جاءنا بالبيِّناتِ والهُدى، فأجَبْنا واتَّبَعْنا، هو محمَّدٌ. ثلاثًا، فيُقالُ: نَمْ صالحًا، قد عَلِمْنا إنْ كُنتَ لَمُوقِنًا به. وأمَّا المنافِقُ -أو المرتاب، لا أدري أىَّ ذلك قالت أسماءُ- فيقول: لا أدري، سمعتُ الناسَ يقولون شيئًا فقُلتُه)). . قَولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((كَفِتنةِ الدَّجَّالِ)) أي: فتنةً شَديدةً جِدًّا، وامتِحانًا هائِلًا، ولَكِنْ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذينَ آمَنوا بالقَولِ الثَّابتِ)  [1510]يُنظر: ((شرح مسلم)) (6/ 206). .
ومن أقوالِ أهلِ العِلْمِ في فِتنةِ القَبْرِ:
1- قال أبو حَنيفةَ: (سُؤالُ مُنكَرٍ ونَكيرٍ حَقٌّ؛ لِورودِ الأحاديثِ) [1511] يُنظر: ((شرح وصية الإمام أبي حنيفة)) للبابرتي (ص: 120). .
2- قال الشَّافِعيُّ: (إنَّ عَذابَ القَبرِ حَقٌّ، ومُساءَلةَ أهلِ القُبورِ حَقٌّ، والبَعثَ والحِسابَ والجَنَّةَ والنَّارَ وغَيرَ ذلك مِمَّا جاءَت به السُّنَنُ وظَهَرَت على ألسِنةِ العُلَماءِ وأتباعِهم من بلادِ المُسْلِمينَ حَقٌّ) [1512] يُنظر: ((الاعتقاد)) للبيهقي (ص: 260). .
3- قال أحمَدُ بنُ حَنبلٍ: (الإيمانُ بعَذابِ القَبرِ وأنَّ هَذِه الأمَّةَ تُفتَنُ في قُبورِها، وتُسأَلُ عَنِ الإيمانِ والإسلامِ، ومَن رَبُّه؟ ومَن نَبيُّه؟ ويأتيه مُنكَرٌ ونَكيرٌ كَيف شاءَ اللَّهُ، وكَيف أرادَ، والإيمانُ به، والتَّصديقُ به) [1513] يُنظر: ((أصول السنة)) (ص: 30). .
وقال حَنْبلُ بنُ إسحاقَ: سَمِعتُ أبَا عَبدِ اللهِ يَقولُ: (نُؤمِنُ بعَذابِ القَبرِ، وبمُنكَرٍ ونَكيرٍ، وأنَّ العَبدَ يُسأَلُ في قَبرِه، فـ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ: في القَبرِ) [1514] يُنظر: ((الروح)) لابن القيم (1/ 166)، ((تسلية أهل المصائب)) للمنبجي (ص: 223). .
4- قال أبو حاتمٍ الرَّازيُّ: (نُؤمِنُ بالمُساءَلةِ في القَبْرِ) [1515] يُنظر: ((شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة)) للالكائي (1/ 203). .
5- قال حَربُ بنُ إسماعيلَ الكرمانيُّ: (ومُنكَرٌ ونَكيرٌ حَقٌّ، وهما فتَّانا القبورِ. نسألُ اللهَ الثَّباتَ) [1516] يُنظر: ((إجماع السلف في الاعتقاد)) (ص: 49). .
6- قال ابنُ جَريرٍ: (والمَسألةُ على مَن أنكَرَ مُنكَرًا ونَكيرًا، ودَفعَ صِحَّةَ الخَبَرِ الَّذي رُوي عَن رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه قال: ((إنَّ المَيِّتَ ليَسمَعُ خَفْقَ نِعالِهم ))، يعني: نِعالَ من حَضَرَ قَبْرَه، إذا وَلَّوا مُدْبِرينَ...وما أشبَه ذلك مِنَ الأخبارِ الوارِدةِ عَن رَسولِ اللَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في المَوتَى، كالمَسألةِ على مَن أنكَرِ عَذابَ القَبرِ سَواءً؛ لِأنَّ عِلَّتَهم في جَميعِ إنكارِ ذلك عِلَّةٌ واحِدةٌ، وعَلَّتُنا في الإيمانِ بجَميعِه والتَّصديقِ به عِلَّةٌ واحِدةٌ، وهو تَظاهرُ الأخبارِ عَن رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم به، مَعَ جَوازِه في العَقلِ وصِحَّتِه فيه؛ وذلك أنَّ الحَياةَ مَعنًى، والآلامَ واللِّذاتِ والمَعلومَ مَعانٍ غَيرُه، وغَيرُ مُستَحيلٍ وُجودُ الحَياةِ مَعَ فقدِ هَذِه المَعاني، ووُجودُ هَذِه المَعاني مَعَ فقدِ الحَياةِ، لا فرقَ بينَ ذلك) [1517] يُنظر: ((التبصير في معالم الدين)) (ص: 212). .
7- قال الطَّحاويُّ: (نُؤمِنُ بمَلَكِ المَوتِ الموكَّلِ بقَبضِ أرواحِ العالَمينَ، وبعَذابِ القَبرِ لِمَن كانَ لَه أهلًا، وسُؤالِ مُنكَرٍ ونَكيرٍ في قَبرِه عَن رَبِّه ودينِه ونَبيِّه، على ما جاءَت به الأخبارُ عَن رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وعَنِ الصَّحابةِ رِضوانُ اللَّهِ عليهم) [1518] يُنظر: ((متن الطحاوية)) (ص: 71). .
8- قال أبو الحَسَنِ الأشعَريُّ: (أجمَعوا على أنَّ عَذابَ القَبرِ حَقٌّ، وأنَّ النَّاسَ يُفتَنونَ في قُبورِهم بَعدَ أن يَحيَوا فيها، ويُسأَلون، فيُثَبِّتُ اللَّهُ مَن أحَبَّ تَثبيتَه) [1519] يُنظر: ((رسالة إلى أهل الثغر بباب الأبواب)) (ص: 159). .
9- قال أبو بَكرٍ الإسماعيليُّ: (اعلَموا رَحِمنا اللَّهُ وإيَّاكُم أنَّ مَذهَبَ أهلِ الحَديثِ أهلِ السُّنَّةِ والجَمَاعةِ... ويُؤمِنونَ بمَسألةِ مُنكَرٍ ونَكيرٍ على ما ثَبَتَ به الخَبَرُ عَن رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، مَعَ قَولِ اللَّهِ تعالى: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشاءُ [إبراهيم: 27] وما ورَدَ تَفسيرُه عَنِ النَّبيِّ) [1520] يُنظر: ((اعتقاد أئمة الحديث)) (ص: 49-70). .
10- قال ابنُ أبي زَيدٍ في ذِكرِ اعتِقادِ أهلِ السُّنَّةِ: (وأنَّ المُؤمنينَ يُفتَنونَ في قُبورِهم ويُضغَطونَ ويُبْلَونَ، ويُثَبِّتُ اللَّهُ مَنطِقَ مَن أحَبَّ تَثبيتَه) [1521] يُنظر: ((الجامع في السنن والآداب والمغازي والتاريخ)) (ص: 112). .
11- قال ابنُ عَبدِ البَرِّ: (أهلُ السُّنَّةِ والجَمَاعةِ مُصَدِّقونَ بفتنةِ القَبرِ وعَذابِ القَبرِ؛ لِتَوافُرِ الأخبارِ بذلك عَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) [1522] يُنظر: ((الاستذكار)) (2/ 421). .
12- قال أبو اليَسرِ البَزدَويُّ: (وسُؤالُ مُنكَرٍ ونَكيرٍ في القَبرِ حَقٌّ عِندَ أهلِ السُّنَّةِ والجَمَاعةِ، وهما مَلَكانِ يَسألانِ مَن مات بَعدَ ما حَيِىَ: مَن رَبُّكَ؟ وما دينُكَ؟ ومَن نَبيُّكَ؟ فيَقْدِرُ المُؤمِنُ على الجَوابِ، ولا يَقْدِرُ الكافِرُ، وفيه أحاديثُ كَثيرةٌ عَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) [1523] يُنظر: ((أصول الدين)) (ص: 169). .
13- قال ابنُ تيميَّةَ: (ما أخبَرَ به النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من أمرِ الجَنةِ والنَّارِ والبَعثِ والحِسابِ وفتنةِ القَبرِ والحَوضِ وشَفَاعةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في أهلِ الكَبائِرِ؛ فإنَّ هَذِه الأُصولَ كُلَّها مُتَّفَقٌ عليها بينَ أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ) [1524] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (11/ 486). .
وقال أيضًا: (أمَّا الفِتْنةُ في القُبورِ فهيَ الامتِحانُ والاختِبارُ لِلمَيِّتِ حينَ يَسألُه المَلَكانُ فيَقولانِ لَه: ما كُنتَ تَقولُ في هَذا الرَّجُلِ الَّذي بُعِثَ فيكُم «مُحَمَّدٌ»؟ فيُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذينَ آمَنوا بالقَولِ الثَّابتِ... وقَد تَواتَرَتِ الأحاديثُ عَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في هَذِه الفتنةِ من حَديثِ البراءِ بن عازِبٍ وأنسِ بنِ مالِكٍ وأبي هُرَيرةَ وغَيرِهم رَضِيَ اللَّهُ عَنهم، وهيَ عامَّةٌ لِلمُكَلَّفينَ، إلَّا النَّبيِّينَ فقَدِ اختُلِفَ فيهم. وكَذلك اختُلِفَ في غَيرِ المُكَلَّفينَ، كالصِّبيانِ والمَجَانِينِ. فقيلَ: لا يُفتَنونَ؛ لِأنَّ المَحنةَ إنَّما تَكونُ لِلمُكَلَّفينَ، وهَذا قَولُ القاضي وابنِ عَقيلٍ. وعلى هَذا فلا يُلَقَّنونَ بَعدَ المَوتِ. وقيلَ: يُلَقَّنونَ ويُفتَنونَ أيضًا. وهَذا قَولُ أبي حَكيمٍ وأبي الحَسَنِ بنِ عَبْدوسٍ، ونَقَلَه عَن أصحابِه، وهو مُطابقٌ لِقَولِ مَن يَقولُ: إنَّهم يُكلَّفونَ يَومَ القيامةِ كَما هو قَولُ أكثَرِ أهْلِ العِلمِ وأهْلِ السُّنَّةِ من أهلِ الحَديثِ والكَلامِ. وهو الَّذي ذَكرَه أبو الحَسَنِ الأشعَريُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنه، عَن أهلِ السُّنَّةِ، واختارَه، وهو مُقتَضَى نُصوصِ الإمامِ أحمَدَ) [1525] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (4/ 257). .
وقال أيضًا: (مِنَ الإيمانِ باليَومِ الآخِرِ: الإيمانُ بكُلِّ ما أخبَرَ به النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِمَّا يَكونُ بَعدَ المَوتِ؛ فيُؤمِنونَ بفتنةِ القَبرِ وبعَذابِ القَبرِ وبنَعيمِه. فأمَّا الفِتنةُ: فإنَّ النَّاسَ يُفتَنونَ في قُبورِهم، فيُقالُ لِلرَّجُلِ: مَن رَبُّكَ؟ وما دينُكَ؟ ومَن نَبيُّكَ؟ فـ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثَّابِتِ [إبراهيم: 27] ) [1526] يُنظر: ((العقيدة الواسطية)) (ص: 95). .
14- قال الكَمالُ ابنُ الهُمامِ: (سُؤالُ مُنكَرٍ ونَكيرٍ وعَذابُ القَبرِ ونَعيمُه: ورَدَ بهما الأخبارُ وتَعَدَّدَتْ طُرُقُها ...) [1527] يُنظر: ((المسايرة في علم الكلام)) (ص: 146). .
15- قال ابنُ عُثَيمين: (قَولَه يعني ابنَ تيميَّةَ: «فيُؤمِنونَ بفتنةِ القَبرِ وبعَذابِ القَبرِ ونَعيمِه»: الفتنةُ هنا الاختِبارُ، والمُرادُ بفتنةِ القَبرِ: سُؤالُ المَيِّتِ إذا دُفِنَ: عَن رَبِّه ودينِه ونَبيِّه. والضَّميرُ في «يُؤمِنونَ»: يَعودُ على أهلِ السُّنَّةِ، أي: أنَّ أهلَ السُّنَّةِ والجَماعةِ يُؤمِنونَ بفتنةِ القَبرِ، وذلك لِدَلالةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ عليها.
- أمَّا الكِتابُ؛ ففي قَولِه تعالى: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ [إبراهيم: 27] ؛ فإنَّ هَذا في فتنةِ القَبرِ، كَما ثَبَتَ في الصَّحيحينِ وغَيرِهما من حَديثِ البراءِ بنِ عازِبٍ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللَّه عليه وعلى آلِه وسَلَّمَ.
- وأمَّا السُّنَّةُ؛ فقَد تَضافرَت بأنَّ الإنسانَ يُفتَنُ في قَبرِه، وهيَ فِتنةٌ قال فيها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إنَّه قَد أُوحِيَ إلَيَّ أنَّكُم تُفتَنونَ في قُبورِكُم مِثلَ -أو: قَريبًا مِن- فتنةِ الدَّجَّالِ ))... وما أعظَمَها من فتنةٍ! لِأنَّ الإنسانَ يَتَلَقَّى فيها السُّؤالَ الَّذي لا يُمكِنُ الجَوابُ عليه إلَّا على أساسٍ مَتينٍ مِنَ العَقيدةِ والعَمَلِ الصَّالِحِ.
 قَولُه: «فأمَّا الفِتنةُ فإنَّ النَّاسَ يُفتَنونَ في قُبورِهم»: هَذا شُروعٌ في بَيانِ كَيفيَّةِ فتنةِ المَيِّتِ في قَبرِه. وكَلِمةُ «النَّاسِ» عامَّةٌ، وظاهرُ كَلامِ المُؤَلِّفِ أنَّ كُلَّ أحَدٍ حَتَّى الأنبياءَ والصِّدِّيقينَ والشُّهَداءَ والمُرابطينَ وغَيرَ المُكَلَّفينَ مِنَ الصِّغارِ والمَجانينِ يُفتَنونَ في قُبورِهم، وفي هَذا تَفصيلٌ؛ فنَقولُ:
أوَّلًا: أمَّا الأنبياءُ فلا تَشمَلُهمُ الفِتنةُ، ولا يُسأَلونَ؛ وذلك لِوجهَينِ:
الأوَّلُ: أنَّ الأنبياءَ أفضَلُ مِنَ الشُّهداءِ، وقَد أخبَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّ الشَّهيدَ يوقَى فتنةَ القَبرِ، وقال: ((كَفى ببارِقةِ السُّيُوفِ على رأسِه فِتنةً )). أخرَجَه النَّسائيُّ [1528] أخرجه النسائي (2053)، وأبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) (7211) من حَديثِ رجل من الصحابة. حسَّنه ابن القطان في ((الوهم والإيهام)) (5/743)، وصَحَّحه الألباني في ((صحيح سنن النسائي)) (2053). .
الثَّاني: أنَّ الأنبياءَ يُسألُ عَنهم؛ فيُقالُ لِلمَيِّتِ: مَن نَبيُّكَ؟ فهمُ مَسؤولٌ عَنهم، ولَيسوا مَسؤولينَ؛ ولِهَذا قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إنَّه أوحيَ إلَيَّ أنَّكُم تُفتَنونَ في قُبورِكُم ))، والخِطابُ لِلأمَّةِ المُرْسَلِ إلَيهم؛ فلا يَكونُ الرَّسولُ داخِلًا فيهم.
ثانيًا: وأمَّا الصِّدِّيقونَ فلا يُسأَلونَ؛ لِأنَّ مَرتَبةَ الصِّدِّيقينَ أعلَى من مَرتَبةِ الشُّهداءِ؛ فإذا كانَ الشُّهداءُ لا يُسأَلونَ؛ فالصِّدِّيقونَ من بابِ أَولَى، ولِأنَّ الصِّدِّيقَ على وصفِه مُصَدِّقٌ وصادِقٌ؛ فهو قَد عُلِمَ صِدْقُه؛ فلا حاجةَ إلَى اختِبارِه؛ لِأنَّ الاختِبارَ لِمَن يُشَكُّ فيه: هَل هو صادِقٌ أو كاذِبٌ، أمَّا إذا كانَ صادِقًا فلا حاجةَ تَدعو لِسُؤالِه، وذَهَبَ بَعضُ العُلَماءِ إلَى أنَّهم يُسأَلونَ؛ لِعُمومِ الأدِلَّةِ. واللَّهُ أعلَمُ.
ثالِثًا: وأمَّا الشُّهَداءُ الَّذينَ قُتِلوا في سَبيلِ اللَّهِ؛ فإنَّهم لا يُسأَلونَ؛ لِظُهورِ صِدْقِ إيمانِهم بجِهادِهم. قال اللَّهُ تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ الآيةَ [التوبة: 111] ، وقال: وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران: 169] ، وقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((كَفى ببارِقةِ السُّيوفِ على رأسِه فِتنةً))، وإذا كانَ المُرابطُ؛إذا مات أمنَ الفَتَّانَ؛ لِظُهورِ صِدْقِه، فهَذا الَّذي قُتِلَ في المَعرَكةِ مِثلُه أو أَولَى مِنه؛ لِأنَّه بَذلَ وعَرَضَ رَقبَتَه لِعَدُوِّ اللَّهِ؛ إعلاءً لِكَلِمةِ اللَّهِ، وانتِصارًا لدينِه، وهَذا من أكبَرِ الأدِلَّةِ على صِدْقِ إيمانِه.
رابعًا: وأمَّا المُرابطونُ فإنَّهم لا يُفتَنونَ؛ ففي صَحيح مُسلم أنَّ رَسولَ اللَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((رِباطُ يَومٍ ولَيلةٍ خَيرٌ من صيامِ شَهرٍ وقيامِه، وإن مات جَرَى عليه عَمَلُه الَّذي كانَ يَعمَلُه، وأُجريَ عليه رِزقُه، وأمِنَ الفَتَّانَ ))  [1529]أخرجه مسلم (1913) من حَديثِ سلمان رَضِيَ اللهُ عنه. .
خامِسًا: الصِّغارُ والمَجَانينُ؛ هَلْ يُفتَنونَ أو لا يُفتَنونَ؟ قال بَعضُ العُلَماءِ: إنَّهم يُفتَنونَ؛ لِدُخولِهم في العُمومِ، ولِأنَّهم إذا سَقَطَ التَّكليفُ عَنهم في حالِ الحَياةِ، فإنَّ حالَ المَمَاتِ تُخالِفُ حالَ الحَياةِ. وقال بَعضُ العُلَماءِ: إنَّ المَجَانينَ والصِّغارَ لا يُسأَلونَ؛ لِأنَّهم غَيرُ مُكَلَّفينَ، وإذا كانوا غَيرَ مُكَلَّفينَ، فإنَّه لا حِسابَ عليهم؛ إذ لا حِسابَ إلَّا على مَن كانَ مُكَلَّفًا يُعاقَبُ على المَعاصي، وهَؤُلاءِ لا يُعاقَبونَ، ولَيسَ لَهم إلَّا الثَّوابُ؛ إنْ عَمِلوا عَمَلًا صالِحًا يُثابونَ عليه.
إذًا خَرَجَ من قَولِ المُؤَلِّفِ: «فإنَّ النَّاسَ»: خَمسةُ أصنافٍ: الأنبياءُ، والصِّدِّيقونَ، والشُّهَداءُ، والمُرابِطونَ، ومَن لا عَقْلَ لَه، كالمَجَانينِ والصِّبيانِ.
تَنبيهٌ: النَّاسُ ثَلاثةُ أقسامٍ: مُؤمِنونَ خُلَّصٌ، ومُنافِقونَ، وهَذانِ القِسمانِ يُفتَنونَ، والثَّالِثُ كُفَّارٌ خُلَّصٌ؛ ففي فتنَتِهم خِلافٌ، وقَد رَجَّحَ ابنُ القيِّمِ في كِتابِ الرُّوحِ أنَّهم يُفتَنونَ.
وهل تُسأَلُ الأمَمُ السَّابقةُ؟ ذَهَبَ بَعضُ العُلَماءِ -وهو الصَّحيحُ- إلَى أنَّهم يُسأَلونَ؛ لِأنَّه إذا كانَت هَذِه الأمَّةُ -وهيَ أشرَفُ الأُمَمِ- تُسأَلُ، فمَن دونَها من بابِ أَولَى.
قَولُه: «في قُبورِهم»: جَمعُ قَبرٍ، وهيَ مَدفَنُ الأمواتِ، والمُرادُ ما هو أعَمُّ، فيَشمَلُ البَرزَخَ، وهو ما بينَ مَوتِ الإنسانِ وقيامِ السَّاعةِ، سَواءٌ دُفِنَ المَيِّتُ أو أكَلَتْه السِّباعُ في البَرِّ أوِ الحِيتانُ في البَحرِ أو أتلَفَتْه الرِّياحُ.
والظَّاهِرُ أنَّ الفِتنةَ لا تَكونُ إلَّا إذا انتَهَتِ الأحوالُ الدُّنيويَّةُ، وسُلِّمَ إلَى عالَمِ الآخِرةِ، فإذا تأخَّرَ دَفنُه يَومًا أو أكثَرَ، لَم يَكُنِ السُّؤالُ حَتَّى يُدفَنَ.
قَولُه: «فيُقالُ لِلرَّجُلِ»: القائِلُ مَلَكانِ يأتيانِ إلَى الإنسانِ في قَبرِه، ويُجلِسانِه، ويَسألانِه، حَتَّى إنَّه ليَسمَعُ قَرْعَ نِعالِ المُنصَرِفينَ عَنه، وهما يَسألانِه؛ ولِهَذا كانَ من هَدَيِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه إذا دُفِنَ المَيِّتُ وقَف عليه وقال: «استَغفِروا لِأخيكُم، واسألُوا لَه التَّثبيتَ؛ فإنَّه الآنَ يُسأَلُ»  [1530]أخرجه أبو داود (3221)، والحاكم (1372)، والبيهقي في ((إثبات عذاب القبر)) (212) واللَّفظُ له من حَديثِ عثمان بن عفان رَضِيَ اللهُ عنه. صَحَّحه الألباني في ((صحيح سنن أبي داود)) (3221)، وحسَّنه الوادعي في ((الصحيح المسند)) (933)، وحسَّن إسنادَه النووي في ((الأذكار)) (212)، وشعيب الأرناؤوط في تخريج ((سنن أبي داود)) (3221).  [1531]يُنظر: ((شرح العقيدة الواسطية)) (2/ 108-113). .
وقال ابنُ عُثَيمين أيضًا: (أوَّلُ شَيءٍ يَكونُ بَعدَ المَوتِ فتنةُ القَبرِ؛ فإنَّ النَّاسَ يُفتَنونَ -أي: يُختَبرونَ- في قُبورِهم، فما من إنسانٍ يَموتُ سَواءٌ دُفِنَ في الأرضِ، أو رُميَ في البَرِّ، أو أكَلَتْه السِّبَاعُ، أو ذَرَتْه الرِّياحُ، إلَّا ويُفتَنُ هَذِه الفِتنةَ، فيُسألُ عَن ثَلاثةِ أمورٍ: مَن رَبُّكَ؟ وما دينُكَ؟ ومَن نَبيُّكَ؟
فأمَّا المُؤمِنُ فيَقولُ: رَبِّيَ اللَّهُ -جَعَلَنا اللَّهُ مِنهم- وديني الإسلامُ، ونَبيِّي مُحَمَّدٌ، فيُنادِي مَنادٍ مِنَ السَّماءِ أنْ صَدَقَ عَبدي، وحينَئِذٍ يُفسَحُ لَه في قَبرِه مَدَّ البَصَرِ، ويُفرَشُ لَه فِراشٌ مِنَ الجَنَّةِ، ويُفتَحُ لَه بابٌ إلَى الجَنَّةِ فيأتيه من رَوحِها ونَعيمِها، وهَذِه الحالُ بلا شَكٍّ أكمَلُ من حالِ الدُّنيا.
أمَّا إذا كانَ كافِرًا أو مُنافِقًا فإنَّه إذا سُئِلَ مَن رَبُّكَ؟ ما دينُكَ؟ ومَن نَبيُّكَ؟ فيَقولُ: هاه هاه لا أدري. سَمِعتُ النَّاسَ يَقولونَ شَيئًا فقُلْتُه.
وتأمَّلْ ماذا تَدُلُّ عليه كَلِمةُ «هاه هاه»، فإنَّها تَدُلُّ على أنَّ هَذا المُجيبَ كأنَّه يَتَذَكَّرُ شَيئًا يَبحَثُ عَنه، ولَكِن يَعجِزُ عَنِ استِحضارِه، وكَونُ الإنسانِ يَتَذَكَّرُ شَيئًا ويَعجِزُ عَنِ استِحضارِه أشَدُّ ألَمًا من كَونِه لا يَدري عَنه بالكُلِّيةِ، فلَو سُئِلتَ عَن شَيءٍ وأنتَ لا تَعلَمُ عَنه، فقُلتَ: لا أدري. فهَذا نَقْصٌ بلا شَكٍّ، لَكِن لا يوجِبُ حَسرةً، لَكِن لَو أنتَ سُئِلتَ عَن شَيءٍ وكُنتَ تَعلَمُه ثُمَّ عَجَزتَ عَنه، فإنَّ ذلك حَسرةٌ؛ ولِهَذا يَقولُ: «هاه هاه» كأنَّه يَتَذَكَّرُ شَيئًا «لا أدري، سَمِعتُ النَّاسَ يَقولونَ شَيئًا فقُلتُه»...
هَذِه الفتنةُ يَجِبُ الإيمانُ بها؛ لِأنَّ الإيمانَ بها مِنَ الإيمانِ باليَومِ الآخِرِ، فإن قُلتَ: كَيف يَكونُ الإيمانُ بها مِنَ الإيمانِ باليَومِ الآخِرِ وهيَ في الدُّنيا؟ فالجَوابُ: أنَّ الإنسانَ إذا مات فقَد قامَت قيامَتُه) [1532] يُنظر: ((مجموع فتاوى ابن عثيمين)) (3/ 169). .

انظر أيضا: