الموسوعة العقدية

المَطلَبُ الثَّاني: التَّفاضُلُ بينَ الأولياءِ في وَلايةِ اللهِ تعالى

تَمهيدٌ
إذا كانَ أولياءُ اللهِ هم المُؤمِنونَ المُتَّقونَ فبِحَسَبِ إيمانِ العَبدِ وتَقواه تَكونُ وَلايَتُه للهِ تعالى، فمَن كانَ أكمَلَ إيمانًا وتَقوى كانَ أكمَلَ وَلايةً للهِ، فالنَّاسُ مُتَفاضِلونَ في وَلايةِ اللهِ عزَّ وجَلَّ بحَسَبِ تَفاضُلِهم في الإيمانِ والتَّقوى [1130] يُنظر: ((الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان)) لابن تيمية (ص: 28). .
قال اللهُ تعالى: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ [محمد: 17].
 قال ابنُ جَريرٍ: (يَقولُ تعالى ذِكرُه: وأمَّا الذينَ وفَّقَهم اللهُ لاتِّباعِ الحَقِّ، وشَرحَ صُدورَهم للإيمانِ به وبِرَسولِه من الذينَ استَمَعوا إليك يا مُحَمَّدُ، فإنَّ ما تَلَوتَه عليهم، وسَمِعوه مِنك زادَهم هُدًى يَقولُ: زادَهم اللهُ بذلك إيمانًا إلى إيمانِهم، وبيانًا لحَقيقةِ ما جِئتَهم به من عِندِ اللهِ إلى البيانِ الذي كانَ عِندَهم) [1131] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (21/ 205). .
وقال اللهُ سُبحانَه: وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا [المدثر: 31].
 قال الشِّنقيطيُّ: (الحَقُّ الذي لا شَكَّ فيه أنَّ الإيمانَ يَزيدُ ويَنقُصُ، كما عليه أهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ، وقد دَلَّ عليه الوَحيُ من الكِتابِ والسُّنَّةِ) [1132] يُنظر: ((أضواء البيان)) (7/ 394). .
وقال ابنُ تَيميَّةَ: (مِنَ النَّاسِ مَن يُؤمِنُ بالرُّسُلِ إيمانًا عامًّا مُجمَلًا، وأمَّا الإيمانُ المُفصَّلُ فيَكونُ قد بَلَغَه كثيرٌ مِمَّا جاءَت به الرُّسلُ، ولم يَبلُغْه بَعضُ ذلك، فيُؤمِنُ بما بَلَغَه عَنِ الرُّسلِ، وما لم يَبلُغْه لم يَعرِفْه ولَو بَلَغَه لآمَنَ به، ولَكِن آمَنَ بما جاءَت به الرُّسلُ إيمانًا مُجمَلًا، فهَذا إذا عَمِلَ بما عَلِمَ أنَّ اللهَ أمرَه به مَعَ إيمانِه وتَقواه، فهو من أولياءِ اللهِ تعالى، له من وَلايةِ اللهِ بحَسَبِ إيمانِه وتَقواه، وما لم تَقُمْ عليه الحُجَّةُ به فإنَّ اللهَ تعالى لم يُكلِّفْه مَعرِفَتَه والإيمانَ المُفصَّلَ به، فلا يَعَذِّبُه على تَركِه، لكِن يَفوتُه من كمالِ وَلايةِ اللهِ بحَسَبِ ما فاتَه من ذلك، فمَن عَلِمَ بما جاءَ به الرَّسولُ وآمَنَ به إيمانًا مُفصَّلًا، وعَمِلَ به، فهو أكمَلُ إيمانًا ووَلايةً للهِ مِمَّن لم يَعلَمْ ذلك مُفصَّلًا ولم يَعمَلْ به، وكِلاهما وليُّ اللهِ تعالى، والجَنَّةُ دَرَجاتٌ مُتَفاضِلةٌ تَفاضُلًا عَظيمًا، وأولياءُ اللهِ المُؤمِنونَ المُتَّقونَ في تلك الدَّرَجاتِ بحَسَبِ إيمانِهم وتَقواهم) [1133] يُنظر: ((الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان)) (ص: 43). .
وقال أيضًا: (اتَّفقَ سَلَفُ الأمَّةِ وأئِمَّتُها وسائِرُ أولياءِ اللهِ تعالى على أنَّ الأنبياءَ أفضَلُ من الأولياءِ الذينَ ليسوا بأنبياءَ، وقد رَتَّبَ اللهُ عِبادَه السُّعَداءَ المُنعَمَ عليهم أربَعَ مَراتِبَ، فقال تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم من النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا [النساء:69] ... وأفضَلُ أولياءِ اللهِ تعالى أعظَمُهم مَعرِفةً بما جاءَ به الرَّسولُ صَلَّى اللهُ تعالى عليه وسَلَّم، واتِّباعًا له، كالصَّحابةِ الذينَ هم أكمَلُ الأمَّةِ في مَعرِفةِ دينِه واتِّباعِه، وأبو بَكرٍ الصِّدِّيقُ أكمَلُ مَعرِفةً بما جاءَ به وعَمَلًا به، فهو أفضَلُ أولياءِ اللهِ؛ إذ كانَت أمَّةُ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أفضَلَ الأمَمِ، وأفضَلُها أصحابُ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأفضَلُهم أبو بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه) [1134] يُنظر: ((الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان)) (ص: 92). .
قال المُزنيُّ عَن أبي بَكرٍ الصِّدِّيقِ رَضيَ اللهُ عنه: (هو أفضَلُ الخَلقِ وأخيَرُهم بَعدَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) [1135] يُنظر: ((شرح السنة)) (ص: 85). .
وقال ابنُ قُدامةَ في النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (أمَّتُه خيرُ الأُمَمِ وأصحابُه خيرُ أصحابِ الأنبياءِ عليهم السَّلامُ، وأفضَلُ أمَّتِه أبو بَكرٍ الصِّدِّيقُ) [1136] يُنظر: ((لمعة الاعتقاد)) (ص: 35). .
وقال ابنُ كثيرٍ: (حالُ الشَّيخينِ أبي بَكِرٍ وعُمرَ، رَضيَ اللهُ عَنهما، هو الواجِبُ على كُلِّ أحَدِ أن يَكونَ كذلك؛ ولِهَذا كانا أفضَلَ المُؤمِنينَ بَعدَ النَّبيِّينَ والمُرسَلينَ، رَضيَ اللهُ عَنهما، وعَن سائِرِ الصَّحابةِ أجمَعينَ) [1137] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (7/ 202). .
وقال السَّفارينيُّ: (أفضَلُ خَلقِ اللهِ تعالى نَبيُّنا مُحَمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ثُمَّ بَقيَّةُ أُولي العَزمِ، ثُمَّ الرُّسُلُ، ثُمَّ الأنبياءُ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ، ثُمَّ بَعدَ الأنبياءِ أفضَلُ البَشَرِ الصَّحابةُ رَضِيَ الله عَنهم... أفضَلُهم الإمامُ على التَّحقيقِ، وخَليفةُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالتَّصديقِ: الصِّدِّيقُ الأعظَمُ أبو بَكرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنه) [1138] يُنظر: ((لوامع الأنوار البهية)) (2/ 310). .
المَبحَثُ الرَّابِعُ: الشَّهادةُ لمُعيَّنٍ بالوَلايةِ
الشَّهادةُ لشَخصٍ مُعيَّنٍ بالوَلايةِ فيها ثَلاثةُ أقوالٍ:
القَولُ الأوَّلُ: لا يُشهَدُ بذلك لغيرِ الأنبياءِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ.
القَولُ الثَّاني: يُشهَدُ به لِمِن جاءَ به نَصٌّ إن كانَ خَبرًا صَحيحًا، كمَن شَهدَ له النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالجَنَّةِ فقَط.
القَولُ الثَّالِثُ: يُشهَدُ به لِمَنِ استَفاضَ عِندَ الأمَّةِ أنَّه رَجُلٌ صالِحٌ، كعُمَرَ بنِ عَبدِ العَزيزِ والحَسَنِ البَصْريِّ وغيرِهما [1139] يُنظر: ((النبوات)) لابن تيمية (1/ 154)، ((شرح الطحاوية)) لابن أبي العز (2/ 538). .
وفي حَديثِ أبي زُهَيرٍ الثَّقَفيِّ رَضيَ اللهُ عَنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((يُوشِكُ أن تَعرِفوا أهلَ الجَنةِ من أهلِ النَّارِ )). قالوا: بمَ ذاك يا رَسولَ اللهِ؟ قال: ((بالثَّناءِ الحَسَن، والثَّناءِ السَّيِّئِ، أنتم شُهَداءُ اللهِ بَعضُكم على بَعضٍ )) [1140] رواه ابن ماجه (4221) واللَّفظُ له، وأحمد (15439). صحَّحه ابن حبان في ((صحيحه)) (7384)، وشعيب الأرناؤوط في تخريج ((مسند أحمد)) (15439)، وحسَّنه الألباني في ((صحيح سنن ابن ماجه)) (4221)، وصحَّح إسنادَه الحاكم في ((المستدرك)) (413)، والبوصيري في ((مصباح الزجاجة)) (4/241)، وقال ابن حجر في ((الإصابة)) (4/77): إسناده حسن غريب. .
 قال السِّنديُّ: (قيلَ: هو مَخصوصٌ بالصَّحابةِ، وقيلَ: مِمَّن كانَ على صِفَتِهم في الإيمانِ، وقيلَ: هَذا إذا كانَ الثَّناءُ مُطابِقًا لأفعالِه، وقال النَّوَويُّ: الصَّحيحُ أنَّه على عُمومِه وإطلاقِه، فكُلُّ مُسْلِمٍ مات فألَهم اللهُ النَّاسَ أو مُعظَمَهم الثَّناءَ عليه، كانَ ذلك دَليلًا على أنَّه من أهلِ الجَنَّةِ، سَواءٌ كانَت أفعالُه تَقتَضي ذلك أم لا؛ إذِ العُقوبةُ غيرُ واجِبةٍ، فإلهامُ اللهِ الثَّناءَ عليه دَليلٌ أنَّه يَشاءُ المِغفرةَ له) [1141] يُنظر: ((حاشية السندي على سنن ابن ماجه)) (2/ 555). ويُنظر: ((شرح مسلم)) للنووي (7/ 19). .
وعَن أنسِ بن مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنه قال: ((مَرُّوا بجِنازةٍ، فأثْنَوا عليها خيرًا، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: وجَبَت، ثُمَّ مَرُّوا بأخرى فأثنَوا عليها شَرًّا، فقالَ: وجَبَت، فقال عُمرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنه: ما وجَبَت؟! قال: هَذا أثنيتُم عليه خيرًا فوَجَبَت له الجَنَّةُ، وهَذا أثنيتُم عليه شَرًّا، فوَجَبَت له النَّارُ، أنتم شُهَداءُ اللهِ في الأرضِ )) [1142] رواه البخاري (1367) واللَّفظُ له، ومسلم (949). .
 قال ابنُ حَجَرٍ: (قَولُه: ((أنتم شُهَداءُ اللهِ في الأرضِ )) أيِ: المُخاطَبونَ بذلك من الصَّحابةِ ومَن كانَ على صِفتِهم من الإيمانِ، وحَكى ابنُ التينَ أنَّ ذلك مَخصوصٌ بالصَّحابةِ؛ لأنَّهم كانوا يَنطِقونَ بالحِكْمةِ بخِلافِ مَن بَعْدَهم، قال: والصَّوابُ أنَّ ذلك يَختَصُّ بالثِّقاتِ والمُتَّقينَ... قال الدَّاوديُّ: المُعتَبَرُ في ذلك شَهادةُ أهلِ الفضلِ والصِّدق لا الفَسَقةِ؛ لأنَّهم قد يُثْنُونَ على مَن يَكونُ مِثلَهم، ولا من بينَه وبينَ الميِّتِ عَداوةٌ؛ لأنَّ شَهادةَ العَدُوِّ لا تُقبَلُ.
وفي الحَديثِ فضيلةُ هذه الأمَّةِ، وإعمالُ الحُكمِ بالظَّاهرِ، ونَقَلَ الطِّيبيُّ عَن بَعضِ شُرَّاحِ المَصابيحِ قال: ليسَ مَعنى قَولِه: ((أنتم شُهَداءُ اللهِ في الأرضِ )) أنَّ الذي يَقولونَه في حَقِّ شَخصٍ يَكونُ كذلك حَتى يَصيرَ مَن يَستَحِقُّ الجَنةَ من أهلِ النَّارِ بقَولِهم، ولا العَكسُ، بَل مَعناه: أنَّ الذي أثْنَوا عليه خيرًا رَأوَه منه كانَ ذلك عَلامةَ كونِه من أهلِ الجَنَّةِ وبِالعَكسِ، وتَعَقَّبَه الطِّيبيُّ بأنَّ قَولُه: ((وجَبَت)) بَعدَ الثَّناءِ، حُكمٌ عَقَّبَ وصفًا مُناسِبًا فأشعَرَ بالعِلِّيَّةِ، وكذا قَولُه: ((أنتم شُهَداءُ اللهِ في الأرضِ )) لأنَّ الإضافةَ فيه للتَّشريفِ؛ لأنَّهم بمَنزِلةٍ عاليةٍ عِندَ اللهِ، فهو كالتَّزكيةِ للأمَّةِ بَعدَ أداءِ شَهادَتِهم، فيَنبَغي أن يَكونَ لها أثَرٌ، قال: وإلى هَذا يومِئُ قَولُه تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا الآية) [1143] يُنظر: ((فتح الباري)) (3/ 229 - 231). .
قال ابنُ تَيميَّةَ: (التَّحقيقُ أنَّ هَذا قد يُعلَمُ بأسبابٍ، وقد يَغلِبُ على الظَّنِّ، ولا يَجوزُ للرَّجُلِ أن يَقولَ بما لا يَعلَمُ) [1144] يُنظر: ((النبوات)) (1/ 156). .
وفي حَديثِ أمِّ العَلاءِ الأنصاريَّةِ رَضيَ اللهُ عَنها قالت: ((أنَّه اقتَسَمَ المُهاجِرونَ قُرعةً فطارَ لنا عُثمانُ بنُ مَظعونٍ، فأنزَلْناه في أبياتِنا، فوَجِعَ وجَعَه الذي تُوفِّي فيه، فلَمَّا تُوُفِّي وغُسِّلَ وكُفِّن في أثوابِه، دَخَلَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقُلتُ: رَحمةُ اللهِ عليك أبا السَّائِبِ، فشَهادتي عليك: لقد أكرَمَك اللهُ. فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: وما يُدْريكِ أنَّ اللهَ قد أكرَمَه؟! فقُلتُ: بأبي أنتَ يا رَسولَ اللهِ، فمَن يُكرِمُه اللهُ؟ فقال: أمَّا هو فقد جاءَه اليَقينُ، واللهِ إنِّي لأرجو له الخيرَ، واللهِ ما أدري -وأنا رَسولُ اللهِ- ما يُفعَلُ بي! قالت: فواللهِ لا أُزَكِّي أحَدًا بَعدَه أبَدًا! )) [1145] رواه البخاري (1243). . وفي رِوايةٍ: ((قالت: فواللهِ لا أزَكِّي أحَدًا بَعدَه أبَدًا، وأحزَنَني ذلك، قالت: فنِمْتُ، فأُرِيتُ لعُثمانَ عينًا تَجري، فجِئْتُ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فأخبَرْتُه، فقال: ذاك عَمَلُه )) [1146] رواها البخاري (2687) مطولًا. .
 قال الكرمانيُّ: (فيه دَليلٌ على أنَّه لا يُجزَمُ لأحَدٍ بالجَنَّةِ إلَّا ما نَصَّ عليه الشَّارِعُ، كالعَشَرةِ المُبَشَّرةِ وأمثالِهم، سيَّما والإخلاصُ أمرٌ قَلبيٌّ لا اطِّلاعَ لنا عليه) [1147] يُنظر: ((الكواكب الدراري)) (7/ 55). .

انظر أيضا: