الموسوعة العقدية

المَطْلَبُ السَّادِسُ والأربعون: الآثارُ الإيمانيَّةُ لاسْمِ اللهِ: المَجِيدِ

فاللهُ سُبحانَه له المجْدُ المُطلَقُ بفِعالِه العَظيمةِ وصِفاتِه العَلِيَّةِ وبأسمائِه الحُسنى، فلا مَجْدَ إلَّا مَجْدُه، ولا عَظَمةَ إلَّا عَظَمَتُه، وكُلُّ مَجْدٍ لغيره فإنما هو منه عَطاءٌ وتَفَضُّلٌ.
قال الحليمي في معنى المجيد: (المَنيعُ المحمودُ؛ لأنَّ العَرَبَ لا تقولُ لكُلِّ محمودٍ مَجيدًا، ولا لكُلِّ مَنيعٍ مَجيدًا. أو قد يكونُ الواحِدُ مَنيعًا غيرَ محمودٍ، كالمتآمِرِ الخليِع الجائِرِ، أو اللِّصِّ المتحَصِّنِ ببعضِ القلاعِ. وقد يكونُ محمودًا غيرَ مَنيعٍ... فلَمَّا لم يُقَلْ لكُلِّ واحدٍ منهما: مجيدٌ، عَلِمْنا أنَّ «المجيد» مَن جَمَع بينهما فكان منيعًا لا يُرامُ، وكان في مَنَعَتِه حَسَنَ الخِصالِ جَميلَ الفِعالِ، والباري جلَّ ثناؤه يَجِلُّ عن أن يُرامَ وأن يُوصَلَ إليه، وهو مع ذلك محسِنٌ مُجمِلٌ لا يستطيعُ العَبدُ أن يُحصِيَ نِعمَتَه، ولو استنفد فيه مُدَّتَه؛ فاستحَقَّ اسمَ المجيدِ وما هو أعلى منه) [3639] يُنظر: ((المنهاج في شعب الإيمان)) (1/197). .
وفي الحديثِ القُدُسيِّ ((قال اللهُ تعالى: قسَمْتُ الصَّلاةَ بيني وبين عبدي نصفَينِ، ولعبدي ما سأل؛ فإذا قال العَبدُ: الحَمدُ للهِ رَبِّ العالَمين، قال اللهُ تعالى: حَمِدني عبدي، وإذا قال: الرَّحمنُ الرَّحيمُ، قال اللهُ تعالى: أثنى عليَّ عبدي، وإذا قال: مالِكُ يومِ الدِّينِ، قال: مجَّدني عبدي... )) [3640] أخرجه مسلم (395) من حَديثِ أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه. .
قال أبو العَبَّاسِ القُرطبي: (مجَّدَني: شَرَّفَني، أي: اعتَقَد شرفي ونَطَق به، والمجْدُ: نهايةُ الشَّرَفِ، وهو الكثيرُ صِفاتِ الكَمالِ، والمجْدُ: الكَثرةُ) [3641] يُنظر: ((المفهم)) (2/ 26). .
وقال النووي: («مجَّدني عَبْدي» أي: عَظَّمَني... والتمجيدُ: الثَّناءُ بصِفاتِ الجَلالِ) [3642] يُنظر: ((شرح مسلم)) (4/ 101-104). .
وقال المظهري: («مجَّدني» أي: ذكَرني بالعَظَمةِ، ومَصدَرُه: التمجيدُ) [3643] يُنظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) (2/ 127). .
وتمجيدُ اللهِ تعالى من أعمالِ أهلِ الذِّكرِ، الذين لا يشقى بهم جليسٌ، كما في حديثِ أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((إنَّ لله ملائكةً يطوفون في الطُّرُقِ يلتَمِسون أهْلَ الذِّكرِ، فإذا وجدوا قومًا يذكُرون اللهَ تنادَوا: هَلُمُّوا إلى حاجَتِكم، قال: فيَحُفُّونهم بأجنِحَتِهم إلى السَّماءِ الدُّنيا، قال: فيسألهم رَبُّهم عَزَّ وجَلَّ -وهو أعلَمُ منهم-: ما يقولُ عِبادي؟ قال: تقولُ: يُسَبِّحونك ويُكَبِّرونك ويَحمَدونَك ويُمَجِّدونَك، قال فيقولُ: هل رَأَوني؟ قال: فيقولون: لا واللهِ ما رأوك، قال: فيقول: كيف لو رَأَوني؟ قال: يقولون: لو رأوك كانوا أشَدَّ لك عبادةً، وأشَدَّ لك تمجيدًا، وأكثَرَ لك تسبيحًا... حتى قال تعالى: فأُشهِدُكم أني قد غفَرْتُ لهم، قال: يقولُ مَلَكٌ من الملائكةِ: فيهم فلانٌ، ليس منهم، إنما جاء لحاجةٍ! قال: هم الجُلَساءُ لا يشقى جَليسُهم! )) [3644] أخرجه البخاري (6408) واللفظ له، ومسلم (2689). .
وقد سَمَّى اللهُ تبارك وتعالى كتابَه بـ (المَجِيد) في آيتينِ مِن كِتابِه؛ فقال تعالى: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ [ق: 1] ، وقال سُبحانَه: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ [البروج: 21-22].

انظر أيضا: