موسوعة التفسير

سُورة الأنفالِ
الآيات (45-47)

ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ

غريب الكلمات:


رِيحُكُمْ: أي: قُوَّتُكم وغَلَبَتُكم ودَولَتُكم [620] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 179)، ((تفسير ابن جرير)) (11/216)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 141)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/464)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 130)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 219)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 485). .
بَطَرًا: أي: دفعًا للحَقِّ، وفَخرًا وبَغيًا، وأَصلُ (بطر) يدلُّ على الشَّقِّ [621] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/219)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/262)، ((المفردات)) للراغب (ص: 129)، ((تفسير ابن كثير)) (4/72). .
وَرِئَاءَ النَّاسِ: أي: ليَراهم النَّاسُ، ومُفاخرةً، وتكبرًا عليهم، راءَى فلانٌ يُرائِي، وفعَلَ ذلكَ رِئاءَ النَّاسِ، وهو أنْ يفعلَ شيئًا لِيَراه النَّاسُ، وأصلُه مِن الرُّؤيةِ [622] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/473)، ((المفردات)) للراغب (ص: 375)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 139)، ((تفسير ابن كثير)) (4/72)، ((تفسير السعدي)) (ص: 322). .

المعنى الإجمالي:


يأمرُ اللهُ عبادَه المؤمنينَ إذا لَقُوا جماعةً مِن أعدائِهم مُحاربينَ لهم؛ أن يَثبُتوا في قتالِهم، ويَذكرُوا اللهَ كثيرًا؛ لعلَّهم يُفلِحونَ.
ويأمُرُهم أن يُطيعوه ويُطيعوا رسولَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولا يختَلِفوا فيما بينهم فيَفشَلوا، وتخورَ قواهم، وتنحَلَّ عزائِمُهم، وأمَرَهم أن يَصبِروا؛ فإنَّه تعالى مع الصَّابرينَ.
ونهاهم أن يكونوا مثلَ كفَّارِ قُريشٍ، الذين خرجوا مِن منازلهم ردًّا للحَقِّ، ودَفعًا له، ولِيَفتَخِروا على النَّاسِ، ويَتَباهَوا بجَمعِهم، ويمنَعوا النَّاسَ مِن الدُّخولِ في الإسلامِ، واللهُ بما يعملونَ مُحيطٌ.

تفسير الآيات:


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ (45).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا عَرَّفهم اللهُ تعالى بنِعَمِه ودلائِلِ عِنايتِه، وكشفَ لهم عن سرٍّ مِن أسرارِ نَصرِه إيَّاهم، وكيف خذل أعداءَهم، وصرَفَهم عن أذاهم، فاستتَبَّ لهم النَّصرُ مع قِلَّتِهم، وكثرةِ أعدائِهم- أقبلَ في هذه الآيةِ على أنْ يأمُرَهم بما يهيِّئُ لهم النَّصرَ في المواقِعِ كُلِّها، ويستدعي عنايةَ الله بهم وتأييدَه إيَّاهم، فجمع لهم في هذه الآيةِ ما به قِوامُ النَّصرِ في الحُروبِ [623] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/29). .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ.
أي: يا أيُّها المؤمنونَ، إذا لَقِيتُم جماعةً مُحاربينَ لكم مِن أعدائِكم، فاثبُتُوا لقتالِهم، ولا تتَزَعزعوا ولا تَفِرُّوا منهم [624] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/213)، ((البسيط)) للواحدي (10/181)، ((تفسير القرطبي)) (8/23)، ((تفسير ابن كثير)) (4/72)، ((تفسير السعدي)) (ص: 322)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/75). .
عن أبي هُريرةَ رَضيَ اللهُ عنه، عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((لا تَمَنَّوا لقاءَ العَدُوِّ، فإذا لَقيتُموهم فاصبِروا )) [625] رواه البخاري (3026) ومسلم (1741). .
وعن أبي النَّضرِ، عن كتابِ رجلٍ مِن أسلمَ مِن أصحابِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، يقال لهُ عبدُ اللهِ بنُ أبي أَوفَى، فكتب إلى عمرَ بنِ عُبيدِ اللهِ، حين سار إلى الحَروريَّةِ، يخبرُه أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان في بعضِ أيَّامِه التي لقيَ فيها العدوَّ، ينتظرُ حتى إذا مالتِ الشمسُ قام فيهم، فقال: ((يا أيُّها الناسُ، لا تتمَنَّوا لقاءَ العدوِّ، واسألوا اللهَ العافيةَ، فإذا لَقِيتُموهم فاصبِروا، واعلموا أنَّ الجنةَ تحتَ ظِلالِ السُّيوفِ، ثم قام النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وقال: اللَّهم مُنْزِلَ الكتابِ، ومُجْرِيَ السَّحابِ، وهازمَ الأحزابِ، اهْزِمْهم وانصُرْنَا عليهم )) [626] رواه البخاري (2965)، ومسلم (2509) واللفظ له. .
وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ.
أي: واذكُروا اللهَ تعالى عند لقاءِ العَدُوِّ ذكرًا كثيرًا؛ بقُلوبِكم وألسِنَتِكم؛ لِتُدرِكوا ما تَطلبونَ مِن الانتصارِ على عَدُوِّكم [627] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/213)، ((تفسير ابن كثير)) (4/72)، ((تفسير السعدي)) (ص: 322)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/75). قال ابنُ عطيةَ: (وهذا ذِكرٌ خَفِيٌّ؛ لأنَّ رَفعَ الأصواتِ في مَوطِنِ القِتالِ رَديءٌ مَكروهٌ، إذا كان إلغاطًا، فأمَّا إن كان مِنَ الجَمعِ عند الحَمْلةِ، فحَسَنٌ فاتٌّ في عَضُدِ العَدُوِّ). ((تفسير ابن عطية)) (2/536). .
وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46).
وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ.
أي: وأطيعُوا اللهَ ورَسولَه- أيُّها المؤمنونَ- بامتثالِ أمْرِهما، واجتنابِ نَهْيِهما [628] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/214)، ((تفسير ابن كثير)) (4/72)، ((تفسير السعدي)) (ص: 322). قال ابنُ كثيرٍ: (في حالِهم ذلك). ((تفسير ابن كثير)) (4/72). وقال السعدي: (في جميعِ الأحوالِ). ((تفسير السعدي)) (ص: 322). .
وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ.
أي: ولا تَختَلفوا فيما بينكم، فتَضعُفوا، وتجبُنوا عن قتالِ عَدُوِّكم [629] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/214)، ((تفسير ابن كثير)) (4/72)، ((تفسير السعدي)) (ص: 323)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/81). .
كما قال تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا [آل عمران: 103].
وعن أبي موسى الأشعريِّ رَضيَ الله عنه، أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بعَثَه ومُعاذًا إلى اليَمنِ فقال: ((يَسِّرا ولا تُعَسِّرا، وبشِّرا ولا تُنفِّرا، وتطاوَعا ولا تختَلِفا )) [630] رواه البخاري (3038) ومسلم (1733). .
وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ.
أي: وتَخورَ قُواكم، وتنحَلَّ عَزائِمُكم، فلا تَنتَصِروا بسببِ تَنازُعِكم [631] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/214)، ((تفسير القرطبي)) (8/24)، ((تفسير ابن كثير)) (4/72)، ((تفسير السعدي)) (ص: 323). .
  وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ.
أي: واصبِروا عند لقاءِ عَدُوِّكم؛ إنَّ اللهَ مع الصَّابرين، بالنَّصرِ والتَّأييدِ [632] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/214، 215)، ((تفسير السعدي)) (ص: 323)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/88). .
وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاء النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَاللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (47).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّه بعد أنْ أمَرَ الله تعالى عبادَه المؤمنينَ بما أمَرَ به؛ من جلائِلِ الصِّفاتِ، وأحاسِنِ الأعمالِ، التي جرَتْ سُنَّتُه بأنْ تكونَ سبَبَ الظَّفَر في القتالِ، ونهاهم عن التَّنازُع- نهاهم عمَّا كان عليه خُصومُهم مِن مُشركي مكَّةَ حين خرجوا لحمايةِ العِيرِ؛ من الصِّفاتِ الرديئةِ، وذكر لهم بعضَ أحوالِهم القَبيحةِ [633] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (10/24). ، فقال:
وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاء النَّاسِ.
أي: ولا تكونوا- أيُّها المؤمنونَ- مِثلَ كُفَّارِ قُريشٍ [634] قال ابنُ عطيةَ: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ... الآية، آية تتضمنُ الطعنَ على المشارِ إليهم، وهم كفارُ قريش، وخرَج ذلك على طريقِ النَّهيِ عن سلوكِ سبيلِهم، والإشارةُ هي إلى كفارِ قريشٍ بإجماعٍ). ((تفسير ابن عطية)) (2/537). الذين خرَجُوا مِن مَنازِلهم ردًّا للحَقِّ، ودفعًا له، غيرَ شاكرينَ لنِعَمِ الله تعالى عليهم، ولِيَفتَخِروا على النَّاسِ، ويتباهَوا بجَمعِهم [635] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/216، 220)، ((تفسير الرازي)) (15/490)، ((تفسير ابن عطية)) (2/537)، ((تفسير القرطبي)) (8/25)، ((تفسير ابن كثير)) (4/72)، ((تفسير السعدي)) (ص: 323). قال ابنُ كثير: (يقول تعالى بعد أمْرِه المُؤمِنينَ بالإخلاصِ في القِتالِ في سبيلِه، وكَثرةِ ذِكْرِه، ناهيًا لهم عن التشبُّه بالمُشرِكينَ في خُروجِهم من ديارِهم بَطَرًا أي: دفعًا للحَقِّ، وَرِئَاءَ النَّاسِ وهو: المُفاخَرةُ والتكَبُّرُ عليهم، كما قال أبو جهل- لَمَّا قيل له: إنَّ العيرَ قد نجا فارجِعوا- فقال: لا واللهِ، لا نرجِعُ حتى نَرِدَ ماءَ بَدرٍ، وننحَرَ الجُزُرَ، ونشرَبَ الخَمرَ، وتعزِفَ علينا القِيانُ، وتتحَدَّثُ العَربُ بمكانِنا فيها يومَنا أبدًا). ((تفسير ابن كثير)) (4/72). .
عن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رَضِيَ الله عنه، عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((الكِبرُ: بَطَرُ الحقِّ [636] بَطَرُ الحَقِّ: أي: دَفْعُه وإنكارُه؛ ترفُّعًا وتَجَبُّرًا. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (2/90). ، وغَمْطُ النَّاسِ [637] غَمْطُ النَّاسِ: أي: احتِقارُهم والاستهانةُ بهم. يُنظر: ((النهاية)) لابن الأثير (3/387). ) [638] رواه مسلم (91). .
وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ.
أي: وخَرَجوا لِيَمنَعُوا النَّاسَ مِن الدُّخولِ في الإسلامِ [639] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/220)، ((الوسيط)) للواحدي (2/465)، ((تفسير ابن عطية)) (2/537)، ((تفسير السعدي)) (ص: 323). .
وَاللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ.
أي: واللهُ عالِمٌ بما يعمَلُ أولئك المُشركونَ؛ مِن الرِّياءِ، والصَّدِّ عن سبيلِ اللهِ، وغيرِ ذلك، لا يخفَى عليه شيءٌ من أعمالِهم الظَّاهِرة والباطنةِ [640] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/220)، ((تفسير الرازي)) (15/491)، ((تفسير ابن كثير)) (4/72)، ((تفسير السعدي)) (ص: 323). .

الفوائد التربوية:


1- قولُه تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ أمَرَ فيه المجاهدينَ بخمسةِ أشياءَ، ما اجتمعَتْ في فئةٍ قَطُّ إلَّا نُصِرَت، وإن قَلَّتْ وكَثُر عَدُوُّها؛ أحدها: الثَّبات. الثاني: كثرةُ ذِكرِه سبحانه وتعالى. الثالث: طاعَتُه وطاعةُ رسولِه. الرابع: اتِّفاقُ الكَلِمةِ وعَدمُ التَّنازُعِ الذي يوجِبُ الفَشَلَ والوَهَنَ. الخامس: مِلاكُ ذلك كلِّه وقِوامُه وأساسُه، وهو الصَّبرُ. فهذه خمسةُ أشياءَ تُبتَنى عليها قُبَّةُ النَّصرِ، ومتى زالت أو بعضُها زال مِن النَّصرِ بحسَبِ ما نقَصَ منها، وإذا اجتمَعَت قَوَّى بعضُها بعضًا، وصار لها أثرٌ عَظيمٌ في النَّصرِ، ولَمَّا اجتمَعَت في الصَّحابةِ، لم تقم لهم أمَّةٌ مِن الأمَمِ، وفَتَحوا الدُّنيا، ودانت لهم البلادُ، ولَمَّا تفرَّقَت فيمن بعدَهم وضَعُفَت، آلَ الأمرُ إلى ما آلَ [641] يُنظر: ((الفروسية)) لابن القيم (ص: 505، 506). .
2- قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا أمَرَ بالثَّباتِ عند قتالِ الكفَّارِ، كما في الآيةِ قَبلَها النَّهيُ عن الفِرارِ عنهم، وهي قولُه تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ فالتقى الأمرُ والنَّهيُ على سواءٍ، وهذا تأكيدٌ على الوقوفِ للعَدُوِّ والتجَلُّدِ له [642] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (8/23). .
3- قَولُ الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ فيه إشعارٌ بأنَّ على العبدِ ألَّا يَفتُرَ عن ذِكرِ ربِّه أشغَلَ ما يكون قلبًا، وأكثَرَ ما يكونُ هَمًّا، وأن تكونَ نَفسُه مُجتَمِعةً لذلك، وإن كانت مُتَوزِّعةً عن غيرِه [643] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/226). ، فقد أمر الله تعالى بالإكثارِ مِن ذِكرِه في أضيَقِ الأوقاتِ- وهو وقتُ الْتحامِ القتالِ- ففي ذلك دليلٌ واضِحٌ على أنَّ المُسلِمَ ينبغي له الإكثارُ مِن ذِكرِ اللهِ على كلِّ حالٍ، ولا سيَّما في وقتِ الضِّيقِ [644] يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/102). .
4- قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ السِّلاحُ الأكبرُ في ميادينِ القِتالِ هو ذِكرُ اللهِ جلَّ وعلا، وطاعَتُه وامتثالُ أمرِه؛ لأنَّه هو الذي منه النَّصرُ والمَدَدُ [645] يُنظر: ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/78). .
5- قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ هذه الآيةُ الكريمةُ تدُلُّ على أنَّ الذين إذا لَقُوا فئةً مِن فئاتِ الكفَّارِ في ميدانِ القِتالِ، ولم يَثْبُتوا، أو لم يَذْكُروا اللهَ كثيرًا؛ أنَّهم لا يُفلِحونَ [646] يُنظر: ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/80). .
6- في قَولِه تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إشارةٌ إلى أنَّ الثَّباتَ في القِتالِ، هو من أسبابِ النَّصرِ المَعنويَّةِ، التي يحصُلُ بها ما يُعبَّرُ عنه في عُرفِ العَصرِ بالقُوَّةِ الرُّوحيَّةِ [647] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (10/127). .
7- الجهادُ لا ينفَعُ إلَّا مع التمسُّكِ بسائِرِ الطَّاعات؛ يبيِّنُ ذلك قولُ الله تعالى: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ بعد قَولِه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا [648] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (15/489). .
8- قَولُ الله تعالى: وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ فيه ذَمُّ الاختلافِ، والنَّهىُ عن التفَرُّقِ والتَّنازُعِ [649] يُنظر: ((إعلام الموقعين)) لابن القيم (1/197). .
9- قال الله تعالى: وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا، أكبَرُ أسبابِ النِّزاعِ: تقديمُ المصالحِ الشَّخصيَّةِ والأغراضِ الدُّنيويةِ على المصالِحِ العامَّةِ، وهذه أكبَرُ البلايا التي يأتي مِن قِبَلِها الشَّرُّ للمُسلمين؛ لأنَّه قد يخالِفُ بعضُ المسلمينَ، فتكونُ العقوبةُ عامَّةً للجميعِ [650] يُنظر: ((العذب النمير)) للشنقيطي (5/84). .
10- التَّنازُعُ يُفضي إلى التفَرُّقِ، وهو يُوهِنُ أمرَ الأمَّةِ؛ لذا قال الله تعالى: وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [651] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/32). .
11- قولُه تعالى: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ فيه دلالةٌ على وجوبِ الصَّبرِ، وكَونِه أعظَمَ أسبابِ النَّصرِ؛ ولذلك عَظَّمَ اللهُ تعالى شأنَه بِقَوِلِه بعد الأمرِ بِطاعَتِه وطاعةِ رَسولِه وبِذِكْرِه: وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ، وأيُّ بيانٍ لِفائدةِ الصَّبرِ أبلَغُ مِن إثباتِ مَعيَّةِ اللهِ تعالى لأهلِه [652] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (10/128). ؟!

الفوائد العلمية واللطائف:


1- في قولِ الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا إن قيل: هذه الآيةُ تُوجِبُ الثَّباتَ على كلِّ حالٍ، وهذا يوهِمُ أنَّها ناسخةٌ لآيةِ التحَرُّفِ والتحيُّز، فالجوابُ: أنَّ هذه الآيةَ تُوجِبُ الثَّباتَ في الجملةِ، والمرادُ مِن الثَّباتِ الجِدُّ في المحاربةِ، وآيةُ التَّحرُّفِ والتحيُّز لا تقدَحُ في حصولِ الثَّباتِ في المحاربةِ، بل كان الثَّباتُ في هذا المقصودِ، لا يحصُلُ إلَّا بذلك التحرُّفِ والتَّحيُّز [653] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (15/489). .
2- في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ قَرنَ الذِّكرَ بالجِهادِ، فأمَرَ بذِكرِه عند مُلاقاةِ الأقرانِ ومُكافحةِ الأعداءِ، والمُحِبُّون يفتخِرونَ بذِكرِ مَن يُحِبُّونه في هذه الحالِ، وهذا كثيرٌ في أشعارِ العَرَبِ، وهو ممَّا يدُلُّ على قُوَّةِ المحبَّةِ؛ فإنَّ ذِكْرَ المُحِبِّ مَحبوبَه في تلك الحالِ التي لا يُهِمُّ المرءَ فيها غيرُ نَفسِه، يدُلُّ على أنَّه عنده بمنزلةِ نَفسِه أو أعَزُّ منها، وهذا دليلٌ على صِدْقِ المحبَّةِ [654] يُنظر: ((مدارج السالكين)) لابن القيم (2/399، 400). .
3- قَولُ الله تعالى: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ لَمَّا كان التَّنازُعُ مِن شَأنِه أن ينشَأَ عن اختلافِ الآراءِ، وهو أمرٌ مُرتكِزٌ في الفِطرةِ- بسَطَ القرآنُ القَولَ فيه ببيانِ سَيئِ آثارِه، فجاء بالتَّفريعِ بالفاءِ في قَولِه: فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ؛ فحَذَّرهم أمرينِ مَعلومًا سُوءُ مَغَبَّتِهما: وهما الفَشَلُ وذَهابُ الرِّيحِ [655] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/31). .
4- في قولِه تعالى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا إلى قوله سبحانه: وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ دليلٌ على أنَّه لا يَصْلُحُ في الحرب إلَّا مُدَبِّرٌ واحدٌ؛ وأنَّ منازعتَه، والخلافَ عليه داعٍ إلى الفشلِ، وتشويش الأمر، والصبرُ- واللهُ أعلمُ- في الآية جامعٌ للثباتِ، ولزومِ طاعةِ الأمير في تدبير الحرب [656] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقَصَّاب (1/471). .

بلاغة الآيات:


1- قَولُه تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ فيه تَصديرُ الخِطابِ بحَرْفَيِ النِّداءِ والتَّنبيهِ؛ إظهارًا لكَمالِ الاعْتِناء بمضمونِ ما بعدَه [657] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/25). ؛ فافتُتحتْ هذه الوصايا بالنِّداءِ اهتمامًا بها، وجُعِلَ طريقُ تعريفِ المُنادى طريقَ الموصوليَّة الَّذِينَ آمَنُوا؛ لِمَا تُؤذِنُ به الصِّلةُ من الاسْتِعدادِ لامتثالِ ما يَأمرُهم به اللهُ تعالى؛ لأنَّ ذلك أَخصُّ صِفاتِهم تِلْقاءَ أوامِر الله تعالى [658] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/29). .
- وقولُه: إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فيه تَرْكُ وَصْفِ الفِئةِ إيجازًا؛ لأنَّ المؤمنِينَ ما كانوا يَلْقَون إلَّا الكُفَّار؛ فالمرادُ: فئةٌ كافرةٌ، وحُذِفتْ؛ لأنَّ الخِطابَ للمُؤمنِينَ، وهم لا يُحارِبونَ إلَّا فِئةً مِن المشرِكين، أو الباغين، فحُذِفَ للإيجازِ مِن غيرِ إخلالٍ بالمعنى [659] يُنظر: ((البسيط)) للواحدي (10/181)، ((تفسير الزمخشري)) (2/226)، ((تفسير أبي حيان)) (5/331). .
2- قوله: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ
- قولُه: وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ فيه تَتْميمٌ في الوصيَّة، وعِدَةٌ مُؤنِسةٌ؛ وذلك أنَّ كمالَ أمْر الجِهادِ مبنيٌّ على الصَّبر؛ فأَمَرَهم بالصَّبر [660] يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (2/537)، ((تفسير الرازي)) (15/490). .
- وقوله: وَاصْبِرُوا بمنزلةِ التَّذييلِ؛ لأنَّ الصَّبرَ هو تَحمُّلُ المكروهِ، وما هو شديدٌ على النَّفْسِ، وتلك المأموراتُ كلُّها تحتاجُ إلى تَحمُّلِ المكارِهِ؛ فالصَّبرُ يَجمَعُ تَحمُّلَ الشَّدائدِ والمصاعِب [661] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/32). .
- وجملةُ: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ قائمةٌ مقامَ التعليلِ للأمْرِ وَاصْبِرُوا؛ لأنَّ حَرْف التَّأكيدِ إِنَّ في مِثلِ هذا قائمٌ مقامَ فاءِ التَّفريعِ [662] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/32). .
3- قولُه: وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ
- قولُه: وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ... جِيءَ في نَهْيهم عن البَطَر والرِّئاء بطَريقةِ النَّهيِ عن التشبُّهِ بالمشركين؛ إدماجًا للتَّشنيعِ بالمشركين وأحوالِهم، وتَكريهًا للمُسلِمينَ تلك الأحوالَ؛ لأنَّ الأحوالَ الذَّميمةَ تتَّضِح مذمَّتُها، وتَنكشِف مزيدَ الانكشاف إذا كانت من أحوالِ قومٍ مذمومين عند آخَرينَ، وذلك أبلغُ في النَّهي، وأكْشَفُ لقُبْح المنهيِّ عنه [663] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/32). ، وتَضمَّن هذا الأسلوبُ الطَّعنَ على المُشارِ إليهم، وهم كفَّارُ قريشٍ، وخرَج ذلك على طَريقِ النَّهي عن سُلوكِ سبيلِهم [664] يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (2/537). .
- قولُه: بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فيه ذِكرُ البَطرِ والرِّئاءِ بصِيغةِ الاسمِ، وذِكرُ الصَّدِّ عن سَبيلِ اللهِ تعالى بصِيغةِ الفِعلِ؛ لأنَّ المشرِكين كانوا مَجبولِينَ على البَطرِ والمفاخرةِ والعُجبِ، وأمَّا صدُّهم عن سَبيلِ اللهِ فإنَّما حصَلَ في الزَّمانِ الذي بُعِث فيه النبيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ فوَصَفَهم بالمَصدرِ؛ للمُبالغةِ في تمكُّن الصِّفتين منهم؛ لأنَّ البَطَرَ والرِّياءَ خُلُقان مِن خُلُقهم، فالتعبيرُ عنهما بالاسمِ فيه إشارةٌ إلى الثَّباتِ، وجاء الفِعْلُ يَصُدُّونَ بصِيغةِ الفِعْلِ المضارعِ؛ للدَّلالةِ على حُدوثِ صَدِّهم النَّاسَ عن سَبيلِ الله، وتَجدُّدِه [665] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (15/491)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/297)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/33). .
- وصِيغةُ المُفاعَلةِ في وَرِئَاءَ؛ للمُبالغةِ أيضًا، أي: بالَغَ في إراءة النَّاس عمَلَه؛ مَحبَّةَ أن يَرَوه ليَفخرَ عليهم [666] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/33). .
- قوله: وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ خِتامُ هذه الآيةِ فيه وعيدٌ وتهديدٌ لِمَن بَقِي من الكُفَّار، ونفوذُ القَدَر فيمَنْ مَضَى بالقَتْل؛ إذ الإنسانُ ربَّما أَظْهَر من نَفْسه أنَّ الحاملَ له والدَّاعي إلى الفِعلِ المخصوصِ طلبُ مَرضاةِ اللهِ تعالى، مع أنَّه لا يكونُ الأمرُ كذلك في الحَقيقةِ؛ فبيَّن اللهُ سبحانه أنَّه عالمٌ ومحيطٌ بما في دواخِلِ القلوبِ، وذلك كالتَّهديد والزَّجرِ عن الرِّئاءِ والتصنُّعِ [667] يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (2/537)، ((تفسير الرازي)) (15/491)، ((تفسير أبي حيان)) (5/333). .