موسوعة التفسير

سُورةُ يُوسُفَ
الآيات (19-21)

ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ

غريب الكلمات:


وَارِدَهُمْ: الذي يتقَدَّمُهم إلى الماءِ ليَستقيَ لهم، وأصلُ (ورد): يدلُّ على المُوافاةِ إلى الشَّيءِ [195] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 214)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 481)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/105)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 195). .
فَأَدْلَى دَلْوَهُ: أي: أرسَلَها، والدَّلوُ: إناءٌ مَعروفٌ يُوضَعُ فيه الماءُ، وأصلُ (دلى): يدُلُّ على مُقاربةِ الشَّيءِ، ومُداناتِه بسُهولةٍ ورِفقٍ [196] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 214)، ((تفسير ابن جرير)) (13/42)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/293)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 241)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 68). .
وَأَسَرُّوهُ: أي: أخْفَوه، وأصلُ (سرَّ): يدُلُّ على إخفاءِ الشَّيءِ [197] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/67)، ((تفسير البغوي)) (4/224)، ((تاج العروس)) للزبيدي (12/17). .
بِضَاعَةً: البِضاعةُ: القِطعةُ مِن المالِ تُجعَلُ للتِّجارةِ؛ مِن: بَضَعتُ الشَّيءَ: إذا قَطَعْتَه، وأصل (بضع): يدلُّ على الطَّائفةِ مِن الشَّيءِ عُضْوًا أو غيرَه [198] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 214)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/254)، ((البسيط)) للواحدي (12/54)، ((المفردات)) للراغب (ص: 128). .
وَشَرَوْهُ: أي: باعُوه، يُقالُ: شَرَيتُ الشَّيءَ: إذا بِعتَه وإذا اشتَرَيتَه، فهو مِن الأضدادِ، وهو بمعنَى (بعتُ) أكثرُ [199] يُنظر: ((مجاز القرآن)) لأبي عبيدة (1/304)، ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 214)، ((البسيط)) للواحدي (12/55)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 195). .
بَخْسٍ: أي: ناقصٍ، وقيل: بَخْسٍ: بمعنى مَبْخُوس أي: منقوصٍ، والبَخْسُ والبَاخِسُ: الشيء الطفيف الناقص، يُقَال: بخسه حَقَّه إِذا نقَصه، وأصلُ البخسِ: نقصُ الشيءِ على سبيلِ الظُّلمِ [200] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 123)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/205)، ((المفردات)) للراغب (ص: 110)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 241). .
مَثْوَاهُ: أي: منزلَه ومقامَه، وأصلُ (ثوي): إقامة [201] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 214)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 418)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/393)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 170)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 241)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 163). .

المعنى الإجمالي:


يقولُ الله تعالى مخبرًا عمَّا جرَى ليوسفَ عليه السَّلامُ بعدَ إلقاءِ إخوتِه له في الجُبِّ: وجاءت جماعةٌ مِن المُسافرينَ فأرسَلوا مَن يطلُبُ لهم الماءَ، فلمَّا أرسَلَ دَلْوَه في البئرِ تعلَّقَ بها يوسُف، فقال ذلك الوارِدُ: يا بُشرايَ هذا غلامٌ نَفيسٌ، وأخفَى السيارةُ أمرَ يوسُفَ، وجعَلوه بضاعةً وعزَموا على بيعِه، واللهُ عليمٌ بما يَعمَلونَه بيوسُفَ، وباعه السيارةُ بثَمَنٍ قليلٍ مِن الدَّراهمِ، وكانوا زاهدينَ فيه، راغبينَ في التخَلُّصِ منه، ولَمَّا ذهب المُسافِرونَ بيوسُفَ إلى «مصر» اشتَراه منهم عزيزُها- وهو الوزيرُ- وقال لامرأتِه: أحسِني مُعامَلتَه، واجعلي مَقامَه عندنا كريمًا؛ لعلَّنا نستفيدُ مِن خِدمتِه، أو نُقيمُه عندنا مقامَ الولَدِ.
وكما أنجَينا يوسُفَ مِن الجُبِّ، وجَعَلْنا عزيزَ «مصر» يَعطِفُ عليه، فكذلك مكَّنَّا له في أرضِ «مِصرَ»، وجعَلْناه على خزائِنِها، ولِنُعَلِّمَه تفسيرَ الرُّؤى، ومعاني كتُبِ الله وسُنَن الأنبياءِ، واللهُ غالِبٌ على أمرِه، فحُكمُه نافِذٌ لا يُبطِلُه مُبطِلٌ، ولكِنَّ أكثَرَ النَّاسِ لا يَعلمونَ أنَّ الأمرَ كُلَّه بيَدِ اللهِ.

تفسير الآيات:


وَجَاءتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَـذَا غُلاَمٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (19).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّه لَمَّا أراد اللهُ تعالى خَلاصَ يوسُفَ عليه السَّلامُ من الجُبِّ، بيَّنَ سَبَبه بقَولِه تعالى [202] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (2/97). :
وَجَاءتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ.
أي: وجاءت جَماعةٌ مارَّةٌ في الطَّريقِ مِن المُسافرينَ، فأرسلوا مُقدَّمَهم الَّذي يَرِدُ الماءَ ليَسْتَقيَ لهم، فأرسلَ دَلوَه في البئرِ ليَملأَها، فتعلَّقَ يوسُفُ بالدَّلوِ وخرَج [203] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/42)، ((تفسير القرطبي)) (9/152، 153)، ((تفسير السعدي)) (ص: 395). قال ابنُ جرير: (وفي الكلامِ محذوفٌ، استُغْني بدلالةِ ما ذُكِر عليه، فتُرِك، وذلك: فَأَدْلَى دَلْوَهُ فتعلَّق به يُوسفُ، فخرَج، فقال المدْلي: يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ). ((تفسير ابن جرير)) (13/42). .
قَالَ يَا بُشْرَى هَـذَا غُلاَمٌ.
أي: قال واردُهم حين رأى يوسُفَ: أبْشِروا، هذا غُلامٌ [204] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/42)، ((تفسير السمعاني)) (3/16)، ((تفسير السعدي)) (ص: 395). قال أبو حيان: (والَّذي يظهرُ مِن سياقِ الأخبارِ والقصصِ أنَّ يوسفَ كان صغيرًا، فقيل: كان عُمُرُه إذْ ذاك سبعَ سِنِينَ. وقيل: سِتٌّ، قاله الضَّحَّاكُ... ويدلُّ على أنَّه كان صغيرًا بحيثُ لا يدفعُ عن نفسِه قولُه: وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ و: يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ، وأخذُ السَّيَّارةِ له، وقولُ الواردِ: هَذَا غُلَامٌ، وقولُ العزيزِ: عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا). ((تفسير أبي حيان)) (6/249).
وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً.
أي: وأخْفَى السيارةُ [205] وممن اختار أن السيارةَ هم الذين أسرُّوا يوسفَ بضاعةً: ابنُ جزي، وأبو حيان، ومحمد رشيد رضا، وابنُ عاشورٍ. يُنظر: ((تفسير ابن جزي)) (1/383)، ((تفسير أبي حيان)) (6/252)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (12/223)، ((تفسير ابن عاشور)) (12/242). وقيل: إنَّ الذين أسرُّوا يوسفَ بضاعةً: هم الواردُ ومَن كان معه؛ ونسبه الواحدي لأكثرِ المفسِّرينَ. يُنظر: ((البسيط)) للواحدي (12/53). وقيل: إنَّ إخوتَه هم الذين أسرُّوا أمرَه وباعوه، وقالوا: هو بضاعةٌ لنا. يُنظر: ((تفسير ابن الجوزي)) (2/422). أمْرَ يوسُفَ، وجعَلوه بِضاعةً مِن جُملةِ تجارتِهم، وعزَمُوا على بيعِه [206] يُنظر: ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (3/98)، ((تفسير القاسمي)) (6/162)، ((تفسير ابن عاشور)) (12/242). ومعنَى أسرُّوه: أخْفَوه مِن الرُّفقةِ، أو كتَموا أمرَه مِن وجدانِهم له فِي الجُبِّ، وقالوا: دَفَعه إلينا أهلُ الماءِ لِنبيعَه لهم بمصرَ. ((تفسير أبي حيان)) (6/252). وقيل: إنَّهم أسرُّوا في أنفسِهم يتَّخِذونه بضاعةً لأنفسِهم أي متجرًا، ولم يخافوا مِن أهلِ الرفقةِ شيئًا. ينظر: ((تفسير ابن عطية)) (3/229). .
وَاللّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ.
أي: واللهُ عليمٌ بما يعمَلُون بيوسُفَ [207]  قال ابن عطية: (قوله: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ إن كانت الضمائرُ لإخوةِ يوسفَ ففي ذلك توعدٌ، وإن كانت الضمائرُ للواردينَ ففي ذلك تنبيهٌ على إرادةِ الله تعالى ليوسفَ، وسوقِ الأقدارِ بحسبِ بناءِ حالِه). ((تفسير ابن عطية)) (3/229). وقيل: وَاللهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ أي: بما يعمَلُه هَؤُلَاءِ السَّيَّارَةُ، وما يعملُه إخوةُ يُوسُفَ. يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (12/223). وقيل: قولُه تعالى: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ يعمُّ الباعةَ والمشترينَ ليوسفَ. يُنظر: ((تفسير ابن الجوزي)) (2/422). ، ولكِنَّه ترَكَ تغييرَ ذلك؛ ليَمضيَ فيه وفيهم قَدَرُه السَّابِقُ في عِلمِه، وذلك بحسَبِ ما اقتضَتْه حِكمتُه سُبحانَه [208] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/49)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 541)، ((تفسير ابن كثير)) (4/376). قال القنوجي: (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ أي: بما يترتَّبُ على عملِهم القبيحِ بحسبِ الظاهرِ مِن الأسرارِ والفوائدِ المنطويةِ تحتَ باطنِه، فإنَّ هذا البلاءَ الذي فعلوه به كان سببًا لوصولِه إلى مصرَ، وتنقُّلِه في أطوارٍ حتى صار ملكَها، فرحِم الله به العبادَ والبلادَ خصوصًا في سِني القحطِ الذي وقَع بها). ((تفسير القنوجي)) (6/303). .
وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (20).
وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ.
أي: وباع السيارةُ يوسُفَ بثَمَنٍ منقوصٍ؛ دراهِمَ قليلةٍ مَعدودةٍ غيرِ وافيةٍ [209] ممن اختار أنَّ الذين باعوا يوسفَ هم السيارةُ: ابنُ جزي، وأبو حيانَ، والبقاعي، ومحمد رشيد رضا، وابنُ عاشور. يُنظر: ((تفسير ابن جزي)) (1/383)،  ((تفسير أبي حيان)) (6/253)، ((تفسير البقاعي)) (10/37)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (12/223)، ((تفسير ابن عاشور)) (12/243، 244).  وممن قال بهذا القولِ من السلف: قتادةُ، والحسنُ. يُنظر: ((تفسير ابن أبي حاتم)) (7/2115)، ((تفسير ابن جرير)) (13/52)، ((تفسير ابن الجوزي)) (2/422). وقيل: إنَّ الذين باعوا يوسفَ هم إخوتُه، وممن اختار هذا القولَ: ابنُ جريرٍ، والسمعانيُّ- ونسبه لأكثرِ المفسرينَ-، والقرطبيُّ، وابنُ كثيرٍ، والسعدي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/50، 53، 56، 59)، ((تفسير السمعاني)) (3/17)، ((تفسير القرطبي)) (9/155)، ((تفسير ابن كثير)) (4/377)، ((تفسير السعدي)) (ص: 395). وممن قال بهذا القولِ مِن السَّلفِ: ابنُ عبَّاسٍ، ومجاهدٌ، والضحَّاكُ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/51)، ((تفسير ابن كثير)) (4/377). قال ابنُ كثيرٍ: (ولما استشْعَر إخوةُ يوسفَ بأخذِ السيارةِ له، لحقوهم، وقالوا: هذا غلامُنا أبق منَّا، فاشْتَروه منهم بثمنٍ بخسٍ). ((البداية والنهاية)) (1/232). ويُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 395). .
وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ.
وكان السيارةُ في يوسُف مِن الرَّاغبينَ عنه [210] وممن اختار هذا القولَ المذكور: البقاعي، ومحمد رشيد رضا، وابنُ عاشور. يُنظر: ((تفسير البقاعي)) (10/47)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (12/224)، ((تفسير ابن عاشور)) (12/244). قيل: كانوا فيه مِن الزَّاهدينَ؛ لأنَّهم يُريدون التخلُّصَ مِن تُهمةِ استرقاقِه وبيعِه. يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (12/224). وقيل: لقلةِ معرفتِهم بالأسعارِ. يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/244). قال البقاعي: (مِنَ الزَّاهِدِينَ أي: كمال الزهدِ حتَّى رغِبوا عنه، فباعوه بما طفَّ، والزُّهدُ: انصرافُ الرغبةِ عن الشيءِ إلى ما هو خيرٌ مِنه عندَ الزاهدِ، وهذا يعيِّنُ أنَّ الضميرَ للسيارةِ؛ لأنَّ حالَ إخوتِه في أمرِه فوقَ الزهدِ بمراحلَ، فلو كان لهم لقيل: وكانوا له مِن المبعدينَ أو المبغضينَ، ونحوَ ذلك). ((تفسير البقاعي)) (10/47). وممن اختار أنَّ إخوةَ يوسفَ هم الذين كانوا فيه من الزاهدين: ابنُ جرير، والواحدي، وابنُ كثير، والسعدي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/59)، ((الوسيط)) للواحدي (2/605)، ((تفسير ابن كثير)) (4/377)، ((تفسير السعدي)) (ص: 395). وممن قال بهذا القولِ من السلفِ: الضحَّاك، وابنُ جريج. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/61). .
وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (21).
وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ.
أي: وقال الذي اشترى يوسُفَ مِن بائِعِه بمصرَ لامرأتِه: أكرمي مَنزِلَه ومُقامَه عِندَك [211] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/61، 62)، ((تفسير البغوي)) (2/482)، ((تفسير الخازن)) (2/519). .
عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا.
أي: عسى أن يَكفيَنا يوسُفُ بعضَ أمورِنا، أو نجعَلَه ولدًا لنا بالتبنِّي [212] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/63)، ((تفسير القرطبي)) (9/160)، ((تفسير الشوكاني)) (3/17)، ((تفسير السعدي)) (ص: 395). .
وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ.
أي: وكما أنقَذْنا يوسُفَ مِن إخوتِه، وأخرَجْناه مِن الجُبِّ، وصيَّرناه إلى الكَرامةِ والمَنزِلةِ الرَّفيعةِ عندَ عزيزِ مِصرَ، كذلك مكَّنَّا له في أرضِ مِصرَ، حتى بلغ فيها ما بلغَ [213] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/64)، ((البسيط)) للواحدي (12/61)، ((تفسير الرازي)) (18/435)، ((تفسير القرطبي)) (9/160)، ((تفسير ابن كثير)) (4/378)، ((تفسير السعدي)) (ص: 395).  قال ابن عاشور: (التَّمكينُ في الأرضِ هنا مرادٌ به ابتداؤه وتقديرُ أوَّلِ أجزائِه، فيوسُفُ عليه السَّلامُ بحُلولهِ محلَّ العنايةِ مِن عزيزِ مِصرَ قد خُطَّ له مُستقبَلُ تمكينِه من الأرضِ، بالوجهِ الأتَمِّ الذي أُشيرَ له بقَولِه تعالى بعدُ: وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ [يوسف: 56]، فما ذُكِرَ هنالك هو كَرَدِّ العَجُزِ على الصَّدرِ ممَّا هنا، وهو تمامُه). ((تفسير ابن عاشور)) (12/247). .
وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ.
أي: ولنُعَلِّمَ يوسُفَ مِن تعبيرِ الرُّؤى- التي يراها النَّاسُ في منامِهم- ومعاني كتُبِ الله، وسُنَنِ الأنبياءِ، مكَّنَّا له في الأرضِ [214] يُنظر: ((معاني القرآن)) للزجاج (3/99)، ((تفسير الشوكاني)) (3/17)، ((تفسير السعدي)) (ص: 395)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/202، 203). ممن جمَع بينَ معنيي تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ بنحوِ المعنى المختارِ: الشوكانيُّ، والسعدي والشنقيطي ، وأجاز الزجاج المعنيين. تنظر: المصادر السابقة. وممن اقتَصر في قوله تعالى: تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ على معنى تعبيرِ الرُّؤيا: ابنُ جريرٍ، والقرطبي وابنُ كثير. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/65)، ((تفسير القرطبي)) (9/165)، ((تفسير ابن كثير)) (4/378). قال الشوكاني: (قولُه: وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ هو عِلَّةٌ لِمُعَلَّلٍ محذوفٍ، كأنَّه قيلَ: فعلْنا ذلك التَّمكينَ لِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ أوْ كانَ ذلك الإنجاءُ لهذه الْعِلَّةِ، أوْ معطوفٌ على مُقَدَّرٍ، وهو أنْ يُقالَ: مَكَنَّا ليوسفَ ليترتَّبَ على ذلك ما يَتَرَتَّبُ مِمَّا جرَى بينَه وبينَ امرأةِ العزيزِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ). ((تفسير الشوكاني)) (3/17). .
وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ.
أي: واللهُ غالِبٌ على أمرِه سبحانَه [215] ممن اختار أن  الضَّميرَ في قوله تعالى: أَمْرِهِ يعودُ إلى الله تعالى: القرطبي، وأبو حيان، وهو ظاهرُ اختيارِ ابنِ كثيرٍ، ومحمد رشيد رضا، والسعدي. يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (9/160-161)، ((تفسير أبي حيان)) (6/255)، ((تفسير ابن كثير)) (4/378)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (12/225)، ((تفسير السعدي)) (ص: 395). وقيل: يعودُ الضَّميرُ إلى يوسفَ عليه السَّلامُ، أي: اللهُ غالبٌ على أمر يوسُفَ، يدَبِّرُه ويَحوطُه، ولا يكِلُه إلى غيره، حتى لا يصِلَ إليه كيدُ كائدٍ. وممن اختار هذا: ابن جرير. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/65). قال ابنُ الجَوزي: (وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ في هاء الكِنايةِ قَولان: أحدُهما: أنَّها تَرجِعُ إلى الله تعالى، فالمعنى: أنَّه غالِب على ما أراد مِن قَضائِه، وهذا معنى قَول ابنِ عَبَّاس. والثَّاني: أنَّها تَرجِع إلى يُوسُف، فالمعنى: غالِب على أمرِ يُوسُفَ حتَّى يُبَلِّغَه ما أرادَه له، وهذا معنى قَولِ مُقاتِل). ((تفسير ابن الجوزي)) (2/424)، ويُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (2/327). ، يفعَلُ ما يشاءُ، فلا يُرَدُّ أمرُه ولا يُمانَعُ، ولا يُنازَعُ فيما أرادَه [216] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (9/160، 161)، ((تفسير ابن كثير)) (4/378)، ((تفسير الألوسي)) (6/399)، ((تفسير السعدي)) (ص: 395). ، ومِنْ ذلك ما يتعلَّقُ بيوسُفَ عليه السَّلامُ مِنَ الأمورِ الَّتي أرادَها اللَّهُ سبحانَه في شأنِه [217]  يُنظر: ((تفسير الشوكاني)) (3/17). .
كما قال تعالى: وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ الرعد: 41.
وقال سُبحانه: فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ البروج: 16.
وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ.
أي: ولكنَّ أكثَرَ النَّاسِ لا يَعلمونَ أنَّ اللهَ غالِبٌ على أمرِه، وأنَّ تدبيرَ الأمورِ بيَدِه، ولا يَدرُونَ حِكمَتَه في خَلقِه، وتلَطُّفَه لِما أراد سُبحانَه [218] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (9/161)، ((تفسير البيضاوي)) (3/159)، ((تفسير ابن كثير)) (4/378). .

الفوائد التربوية:


1- قال الله تعالى: وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ هذا وإن كان خبرًا مِن اللهِ- تعالى ذِكرُه- عن يوسُفَ نبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فإنَّه تذكيرٌ مِن اللهِ نبيَّه مُحمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وتسليةٌ منه له عمَّا كان يَلقَى مِن أقربائِه وأنسِبائِه المُشرِكينَ مِن الأذى فيه، يقولُ له: فاصبِرْ يا محمَّدُ على ما نالَك في الله؛ فإنِّي قادِرٌ على تغييرِ ما ينالُك به هؤلاء المُشرِكونَ، كما كنتُ قادرًا على تغييرِ ما لَقِيَ يوسُفُ مِن إخوتِه في حالِ ما كانوا يفعَلونَ به ما فَعَلوا، ولم يكُنْ تَركي ذلك لهوانِ يوسُفَ عليَّ، ولكِنْ لماضي عِلمي فيه وفي إخوتِه، فكذلك تَرْكي تغييرَ ما ينالُك به هؤلاء المُشرِكونَ؛ لِغيرِ هوانٍ بك عليَّ، ولكِنْ لسابقِ عِلمي فيك وفيهم، ثمَّ يصيرُ أمرُك وأمرُهم إلى علُوِّك عليهم، وإذعانِهم لك، كما صار أمرُ إخوةِ يوسُفَ إلى الإذعانِ ليوسُفَ بالسُّؤدَدِ عليهم، وعلُوِّ يوسُفَ عليهم [219] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/50) ويُنظر أيضًا: ((تفسير ابن كثير)) (4/376). .
2- من بُلِيَ وهو من أهلِ الخيرِ والصَّلاحِ بشَيءٍ مِن الأذى والمكرِ، فليتَّقِ اللهَ ويستعِنْ به ويصبِرْ؛ فإنَّ العاقبةَ للتَّقوى، كما قال تعالى بعد أن قَصَّ قِصَّةَ يوسُفَ وما حصل له من أنواعِ الأذى بالمَكرِ والمُخادعة: وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ، وقال تعالى حكايةً عنه أنَّه قال لإخوتِه: أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ يوسُف: 90 الآية. وقال تعالى في قصَّةِ موسى عليه السَّلامُ وما حصلَ له ولقَومِه مِن أذى فرعونَ وكيدِه، قال لقَومِه: اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ الأعراف: 128، وقد أخبَرَ اللهُ تعالى أنَّ المكرَ يعودُ وَبالُه على صاحِبِه، وقال تعالى: وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فاطر: 43 وقال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا... الآية الأنعام: 123. والواقِعُ يشهَدُ بذلك؛ فإنَّ مَن سَبَرَ أخبارَ النَّاسِ، وتواريخَ العالَم، وقَف من أخبارِ مَن مكَرَ بأخيه فعاد مَكرُه عليه، وكان ذلك سببًا لنَجاتِه وسَلامتِه، على العجَبِ العُجابِ [220] يُنظر: ((مجموع رسائل ابن رجب)) (2/417). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قولُه تعالى: وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ... استنبط الناسُ مِن هذه الآيةِ أحكامَ اللقيطِ؛ فأخذوا منها: أنَّ اللقيطَ يُؤخَذُ ولا يُتركُ. ومِن قولِه: هَذَا غُلَامٌ أنَّه كان صغيرًا، وأنَّ الالتقاطَ خاصٌّ به، فلا يُلتقَطُ الكبيرُ، وكذا قولُه: وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ؛ لأنَّ ذلك أمرٌ يختصُّ بالصغارِ، ومِن قولِه: وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ أنَّ اللقيطَ يُحكَمُ بحريتِه [221] يُنظر: ((الإكليل في استنباط التنزيل)) للسيوطي (ص: 154). ، وموضعُ الحجةِ مِن الآيةِ أنَّ اللقيطَ لو كان مملوكًا لمن التقَطه، لما احْتاجُوا إلى شرائِه [222] يُنظر: ((المقدمات الممهدات)) لابن رشد الجد (2/476). ، وهذا على القولِ بأنَّ الذين باعوه إنَّما هم إخوتُه.
2- مِنْ عَجائبِ الجَزاءِ في الدُّنْيا أنَّه لَمَّا امتدَّتْ أَيْدِي الظُّلمِ مِن إخْوَةِ يُوسفَ: وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ امتدَّتْ أَكُفُّهُم بين يَدَيْه بالطَّلَبِ يقولُونَ: وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا [223] يُنظر: ((صيد الخاطر)) لابن الجوزي (ص: 66). يوسف: 88.
3- قولُ الله تعالى: وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ * وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا فيه أنَّ الشَّيءَ إذا تداوَلَته الأيدي، وصار مِن جُملةِ الأموالِ، ولم يُعلَمْ أنَّه كان على غيرِ وَجهِ الشَّرعِ، أنَّه لا إثمَ على مَن باشَرَه ببيعٍ أو شِراءٍ، أو خِدمةٍ أو انتفاعٍ أو استعمالٍ [224] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص:407). .
4- قال الله تعالى: وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ لم يبَيِّن القُرآنُ اسمَ الذي اشتَراه مِن السَّيَّارةِ في مصر ولا مَنصِبَه ولا اسمَ امرأتِه؛ لأنَّ القُرآنَ ليس كتابَ حَوادِثَ وتاريخٍ، وإنَّما قَصَصُه حِكَمٌ ومواعِظُ، وعِبَرٌ وتهذيبٌ [225] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (12/224). .
5- عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: (أفرس الناس ثلاثة: العزيز، حين قال لامرأته: أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا وبنت شعيب التي قالت: يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ القصص: 26 وأبو بكر، حين تفرَّس في عمر رضي الله عنها وولاه من بعده) [226] أخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (38213) مختصرًا، والطبراني (9/185) (8829) واللفظ له، والحاكم (3320) باختلاف يسير، وصححه على شرط الشيخين. .

بلاغة الآيات:


1- قولُه تعالى: وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ
- قولُه: قَالَ يَا بُشْرَى مُستأنَفٌ استئنافًا بيانيًّا؛ لأنَّ ذِكْرَ إدْلاءِ الدَّلْوِ يُهيِّئُ السَّامِعَ للسُّؤالِ عمَّا جَرى حينَئذٍ فيَقَعُ جوابُه: قَالَ يَا بُشْرَى [227] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/241). .
- قولُه: قَالَ يَا بُشْرَى هذا النداءُ تنبيهٌ للمخاطبينَ وتوكيدٌ للقصةِ ؛ لأنَّ البشرَى لا تُجيبُ ولا تعقلُ، والمعنَى: أبْشِروا، ويا أيُّها البشرَى هذا مِن أوانِك، وقيل: إنَّ هذه الكلمةَ تُستعملُ للتبشيرِ مِن غيرِ قصدٍ إلى النداءِ [228] يُنظر: ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (3/97)، ((تفسير ابن الجوزي)) (2/421)، ((تفسير القاسمي)) (6/161). .
- قولُه: مَعْدُودَةٍ أي: غيرِ موزونةٍ؛ فهو بَيانٌ لقِلَّتِه، ونُقصانِه مِقدارًا، بعدَ بيانِ نُقصانِه في نفسِه؛ إذِ المعتادُ فيما لا يَبلُغُ أربَعين العَدُّ دونَ الوزنِ [229] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/261). ، وهو كِنايةٌ عن كَونِها قليلةً؛ لأنَّ الشَّيءَ القليلَ يَسهُلُ عَدُّه، فإذا كَثُر صار تَقديرُه بالوزنِ أو الكَيلِ، ويُقالُ في الكنايةِ عن الكَثرةِ: لا يُعَدُّ [230] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/244). .
- قولُه: وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ فيه صَوْغُ الإخبارِ عن زَهادَتِهم في يوسُفَ عليه السَّلامُ بصِيغةِ مِنَ الزَّاهِدِينَ؛ وهي أشَدُّ مُبالَغةً ممَّا لو أخبَر بـ (كانوا فيه زاهِدين)؛ لأنَّ جَعْلَهم مِن فريقٍ زاهِدينَ يُنْبِئُ بأنَّهم جَرَوْا في زُهدِهم في أمثالِه على سَنَنِ أمثالِهم البُسَطاءِ الَّذين لا يُقدِّرون قدْرَ نَفائِسِ الأمورِ [231] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/244). .
- وفيه تقديمُ المجرورِ: فِيهِ على عامِلِه الزَّاهِدِينَ؛ للتَّنويهِ بشَأنِ المزهودِ فيه، وللتَّنبيهِ على ضَعْفِ تَوسُّمِهم وبَصَارتِهم، معَ الرِّعايةِ على الفاصلةِ [232] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/244). .
2- قولُه تعالى: وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
- قولُه: وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ التَّمكينُ في الأرضِ هنا مرادٌ به ابتداؤه، وتقديرُ أوَّلِ أجزائِه، فيوسُفُ- عليه السَّلام- بحلولِه محَلَّ العِنايةِ مِن عزيزِ مِصرَ قد خُطَّ له مُستقبَلُ تَمكينِه من الأرضِ بالوجهِ الأتَمِّ الذي أُشيرَ له بقَولِه تعالى بعدُ: وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ يوسف: 56، فما ذُكِرَ هنالك هو كرَدِّ العَجُزِ على الصَّدرِ ممَّا هنا، وهو تمامُه [233] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/247). .
- قولُه: أَكْرِمِي مَثْواهُ مَثْواهُ: مَكانُ إقامَتِه، وهو كنايةٌ عن الإحسانِ إليه في مَأكَلٍ ومشرَبٍ وملبَسٍ [234] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/255).
- قولُه: وَكَذلِكَ مَكَّنَّا، (ذَلِكَ) إشارةٌ إلى ما يُفهَمُ من كلامِ العزيزِ، وما فيه مِن معنَى البُعدِ لتَفخيمِه، أي: مِثْلَ ذلك التَّمكينِ البديعِ [236] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/262). .
- قولُه: وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ لعلَّ ترْكَ المعطوفِ عليه (وهو: ولِيَصِلَ إلى مَنصِبِ الرِّئاسةِ بسَببِ تأويلِه لرُؤيا الملِكِ)؛ للإشعارِ بعدَمِ كَونِه مُرادًا بالذَّاتِ، أو جعَلْناه عِلَّةً لِمُعلَّلٍ محذوفٍ، كأنَّه قيل: ولهذه الحكمةِ البالِغةِ فعَلْنا ذلك التَّمْكينَ دونَ غيرِها ممَّا ليس له عاقبةٌ حميدةٌ [237] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/263). .