موسوعة القواعد الفقهية

الفرعُ الأوَّلُ: يَدُ الأمينِ كَيَدِ المالكِ


أوَّلًا: صيغةُ القاعِدةِ.
استُعمِلَتِ القاعِدةُ بهذه الصِّيغةِ المَذكورةِ: "يَدُ الأمينِ كَيَدِ المالكِ" [4427] يُنظر: ((المحيط البرهاني)) لابن مازه (9/178). ، وصيغةِ: "يَدُ ‌الأمينِ ‌َيَدُ ‌صاحبِ ‌المالِ" [4428] يُنظر: ((المحيط البرهاني)) لابن مازه (7/402). . وصيغةِ: "يَدُ ‌الأمانةِ كيَدِ المالِكِ" [4429] يُنظر: ((الاختيار لتعليل المختار)) لابن مودود الموصلي (4/ 112). ، وصيغةِ: "يَدُ الأمينِ يَدُ مَنِ ائتَمَنَه" [4430] يُنظر: ((السيل الجرار)) للشوكاني (ص: 487). .
ثانيًا: المعنى الإجماليُّ للقاعِدةِ.
حيازةُ الشَّيءِ أوِ المالِ نيابةً عَنِ المالكِ بإذنٍ مِنه كَيَدِ المودَعِ، أو بإذنٍ مِنَ الشَّارِعِ كاللُّقَطةِ عِندَ أيَّامِ التَّعريفِ تُعتَبَرُ في الحُكمِ كَيَدِ المالكِ، أي: أنَّ يَدَ الأمينِ على المالِ الذي في حَوزَتِه لَها نَفسُ حُكمِ يَدِ المالكِ، وبناءً على ذلك يَتَرَتَّبُ على وُجودِه في يَدِ الأمينِ جَميعُ الآثارِ المُتَرَتِّبةِ عليه فيما لَو كان بيَدِ صاحِبه فِعلًا؛ فتَجِبُ جَميعُ الحُقوقِ الماليَّةِ مِنَ الزَّكَواتِ والنَّفقاتِ فيه، وإذا تَلف أو ضاعَ بدونِ تَعَدٍّ أو تَفريطٍ لَم يَضمَنْه، وكَأنَّ المالَ في يَدِ مالكِه الأصليِّ، لَكِن لا يَعني ذلك أن يَتَصَرَّفَ الأمينُ في المالِ بما يَجوزُ للمالكِ مِن تَصَرُّفاتٍ، بَل يَتَصَرَّفُ في حُدودِ التَّصَرُّفاتِ المَأذونِ فيها فقَط ولا يَتَعَدَّاها، وإلَّا انقَلَبَت يَدُه إلى يَدِ ضَمانٍ، وتُعتَبَرُ هذه القاعِدةُ مُكَمِّلةً لقاعِدةِ (اليَدُ دَليلُ المِلكِ) [4431] يُنظر: ((المبسوط)) للسرخسي (11/145)، ((بدائع الصنائع)) للكاساني (6/211)، ((تبيين الحقائق)) للزيلعي (1/276،275)، ((المحيط البرهاني)) لابن مازه (7/402) و(9/178)، ((معلمة زايد)) (14/182-184). .
ثالثًا: أدلَّةُ القاعِدةِ.
يُستَدَلُّ لهذه القاعِدةِ بعُموماتِ الشَّريعةِ القاضيةِ بأنَّ يَدَ الأُمَناءِ وتَصَرُّفاتِهم مُعتَدٌّ بها دونَ تَعَدٍّ أو تَفريطٍ كَيَدِ المالكِ الأصليِّ وتَصَرُّفاتِه، ومِن ذلك:
عَن مُعاذِ بنِ سَعدٍ، أو سَعدِ بنِ مُعاذٍ، أنَّ جاريةً لكَعبِ بنِ مالكٍ كانت تَرعى غَنَمًا بسَلعٍ، فأُصيبَت شاةٌ مِنها، فأدرَكَتها فذَبَحَتها بحَجَرٍ، فسُئِلَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: ((كُلوها)) [4432] أخرجه البخاري (5505). .
وَجهُ الدَّلالةِ:
أنَّ الحَديثَ فيه تَصديقُ الأجيرِ الأمينِ فيما اؤتُمِنَ عليه حَتَّى يَظهَرَ عليه دَليلُ الخيانةِ، وجَوازُ تَصَرُّفِ الأمينِ كالمودَعِ بغَيرِ إذنِ المالكِ بالمَصلَحةِ [4433] يُنظر: ((فتح الباري)) لابن حجر (9/ 633). ؛ وذلك لأنَّ الأمينَ لا يَلزَمُه الضَّمانُ إلَّا بالتَّعَدِّي؛ فيَدُه كَيَدِ المالكِ، ولَو هَلَكَتِ العَينُ في يَدِ المالكِ لَم يَضمَنها، فكَذلك إذا هَلَكَت في يَدِ المودَعِ [4434] يُنظر: ((شرح مختصر الكرخي)) للقدوري (7/ 496). .
وأيضًا نُقِلَ الإجماعُ على أنَّه لا يُشتَرَطُ أن يَكونَ المَسروقُ في يَدِ المالكِ عِندَ السَّرِقةِ، بَل السَّرِقةُ تُعتَبَرُ مِن يَدِ المودَعِ والمُرتَهَنِ والوكيلِ وعامِلِ القِراضِ والمُستَعيرِ والمُستَأجِرِ، وهَؤُلاءِ كُلُّهم أُمَناءُ وأيديهم يَدُ أمانةٍ، قال الرَّافِعيُّ: (لأنَّ أيديَهم ثابتةٌ على المالِ بحَقٍّ، كَيَدِ المالكِ، وهذا لا خِلاف فيهـ) [4435] ((العزيز شرح الوجيز)) (11/ 194). . وهذا أيضًا يَدُلُّ على أنَّ يَدَ الأمانةِ كَيَدِ المالكِ.
رابعًا: أمثلةٌ للقاعِدةِ.
تَندَرِجُ تحتَ هذه القاعِدةِ بعضُ الفُروعِ الفِقهيَّةِ، منها:
1- إذا ضاعَتِ الوديعةُ في يَدِ المودَعِ بغَيرِ صُنعِه لا يَضمَنُ؛ لأنَّ يَدَه يَدُ المالكِ، فالهَلاكُ في يَدِه كالهَلاكِ في يَدِ المالكِ، وكَذلك إذا دَخَلَها نَقصٌ؛ لأنَّ النُّقصانَ هَلاكُ بَعضِ الوديعةِ، وهَلاكُ الكُلِّ لا يوجِبُ الضَّمانَ، فهَلاكُ البَعضِ أولى [4436] يُنظر: ((بدائع الصنائع)) للكاساني (6/211). .
2- إذا سَرَقَ شَخصٌ ما وديعةً مِنَ المودَعِ وكانت بالغةً نِصابَ السَّرِقةِ وتَوافرَتِ الشُّروطُ وجَبَ القَطعُ على السَّارِقِ؛ لأنَّ يَدَ الأمينِ كَيَدِ المالكِ، فالأخذُ مِنَ الأمينِ أخذٌ مِنَ المالكِ [4437] يُنظر: ((بدائع الصنائع)) للكاساني (7/80). .
3- لَو غَصَبَ العَينَ المُودَعةَ مِنَ المودَعِ أوِ المُستَأجِرِ أو مِنَ المَرهونِ عِندَه، ثُمَّ رَدَّ إلَيهم، بَرِئَ على الرَّاجِحِ؛ لأنَّ يَدَهم كَيَدِ المالكِ [4438] يُنظر: ((كفاية الأخيار)) للحصني (ص: 282). .
4- يُصَدَّقُ الأمينُ بيَمينِه في رَدِّ الوديعةِ ويُقبَلُ قَولُه بغَيرِ بَيِّنةٍ؛ أشبَهَ الوكيلَ بلا جُعلٍ، ويُصَدَّقُ الوديعُ في رَدِّه لمالكِه، كَوكيله في حِفظِها وخازِنِه ومَن يَحفظُ مالَه عادةً؛ لأنَّ يَدَهم كَيَدِ المالكِ، فالدَّفعُ لَهم كالدَّفعِ له [4439] يُنظر: ((مطالب أولي النهى)) للرحيباني (4/ 163). .

انظر أيضا: