trial

الموسوعة الحديثية


- إنَّ رسولَ اللَّهِ جعلَ يقبضُ للنَّاسِ يومَ حنينٍ من فضَّةٍ في ثوبِ بلالٍ فقالَ لهُ رجلٌ : اعدِل يا نبيَّ اللَّهِ فقالَ لهُ رسولُ اللَّهِ ويحَكَ فمَن يَعدلُ إن لَم أعدِلْ ؟ قد خِبتُ وخسَرتُ إن كنتُ لا أعدِلُ قالَ : إنَّ هذَا وأصحابَهُ يخرجونَ فيكُم ، يقرؤونَ القرآنَ لا يجاوزُ حناجرَهم يمرُقونَ منَ الدِّينِ مروقَ السَّهمِ منَ الرَّميَّةِ فقالَ عمرُ : يا رسولَ اللَّهِ ألا أضربُ عنقَهُ ، فإنَّهُ منافقٌ ؟ فقالَ رسولُ اللَّهِ : معاذَ اللَّهِ أن يتحدَّثَ النَّاسُ أنِّي أقتلُ أصحابي
الراوي : جابر بن عبدالله | المحدث : الألباني | المصدر : تخريج كتاب السنة | الصفحة أو الرقم : 943 | خلاصة حكم المحدث : صحيح | التخريج : أخرجه مسلم (1063) باختلاف يسير.
لقدْ أخبَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بكثيرٍ مِن الأمورِ التي ستَحدُثُ بَعدَه؛ بيانًا للأُمَّةِ وإرشادًا لها، ومِن ذلك إخبارُه أنَّه سيَخرُجُ بعدَه خوارجُ يُقاتِلون أهلَ الإسلامِ، وذِكْرُ صِفاتِهم وعلاماتِهم، وقد وقَعَ بعضُ ذلك في عَهدِ الخَليفةِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضِيَ اللهُ عنه، ثمَّ يَستمِرُّ الحالُ إلى آخرِ الزَّمانِ.
وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ جابرُ بنُ عبدِ اللهِ رضِيَ اللهُ عنهما: "أنَّ رَسولَ اللهِ جعَلَ يَقبِضُ للنَّاسِ"، أي: يُعْطِيهم بقَبضةِ يَدِه ومِلْءِ كَفِّه، "يومَ حُنَينٍ مِن فِضَّةٍ في ثَوبِ بلالٍ"، أي: يُعْطِي النَّاسَ مِن غنائمِ غَزوةِ حُنينٍ، وحُنينٌ: وادٍ بين مكَّةَ والطَّائفِ، وقَعَت فيه الغزوةُ المشهورةُ في الخامسِ مِن شوَّالٍ سَنةَ ثمانٍ مِن الهجرةِ بعدَ فتْحِ مكَّةَ، وكانتْ مع قَبيلةِ هَوزانَ، "فقال له رجلٌ"، واسمُه ذو الخُوَيْصِرةِ، وهو رَجُلٌ مِن بَني تَميمٍ، "اعْدِلْ يا نَبِيَّ اللهِ"، أي: في العطيَّةِ والقِسمةِ، "فقال له رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: وَيْحَكَ!" الويْحُ: هو الويلُ، وهي كَلِمةٌ لا يُرادُ بها الدُّعاءُ على الشَّخصِ، ولكنْ يُرادُ بها الزَّجرُ والحثُّ على شيءٍ مُعيَّنٍ، "فمَن يَعدِلْ إنْ لم أعْدِلْ؟! قد خِبْتَ وخسِرْتَ إنْ كنتُ لا أعدِلُ"، المعنى: أصابَك الخيبةُ والخُسرانُ إنْ لم أعدِلْ أنا؛ إذ كنتَ أنتَ مُقتدِيًا بي وتابعًا لي، ثمَّ قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "إنَّ هذا"، إشارةٌ لهذا الرَّجلِ، "وأصحابَه"، والمرادُ بهم: مَن يَتَّبِعونه ويَسِيرون على طريقتِه، "يَخرُجون فيكم"، أي: كجماعةٍ أو فِرقةٍ، "يَقْرَؤون القرآنَ لا يُجاوِزُ حناجِرَهم"، أي: يقْرَؤون القُرآنَ فلا يَتدبَّرون آياتِه، ولا يَتفكَّرون في معانِيه، فلا تَصِلُ إلى قُلوبِهم بالتَّدبُّرِ والخشوعِ، ولا تَصعَدُ إلى السَّماءِ، فلا يكونُ لهم بها أجرٌ ولا ثوابٌ، "يَمْرُقون مِن الدِّينِ مُروقَ السَّهمِ مِن الرَّمِيَّةِ"، أي: يَخرُجون مِن مِلَّةِ الإسلامِ سريعًا، ولا يَتعلَّقون منه بشيءٍ، مِثْلُ السَّهمِ القويِّ السَّريعِ الَّذي يَنفُذُ في الصَّيدِ، ومِن قُوَّتِه وسُرعتِه لا يكونُ فيه أثرٌ مِن دَمٍ أو لَحمٍ.
قال جابرٌ رضِيَ اللهُ عنه: "فقال عُمرُ: يا رَسولَ اللهِ، ألَا أضْرِبُ عُنقَه؛ فإنَّه منافقٌ؟" أي: إنَّ شأْنَه المُستقبليَّ يَستوجِبُ قتْلَه قبْلَ أنْ يشِيعَ في النَّاسِ ويكونَ لهم فِتنةً، "فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: معاذَ اللهِ أنْ يَتحدَّثَ النَّاسُ أنِّي أقتُلُ أصحابي"، إنَّما استعاذَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ يَقتُلَ الرَّجُلَ؛ لئلَّا يكونَ سببًا في تَنفيرِ النَّاسِ مِن هذا الدِّينِ، ويَدَّعِيَ أتباعُه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَقتُلُ أصحابَه دونَ عُذْرٍ وسببٍ ظاهرٍ.
وفي الحَديثِ: عَلامةٌ مِن عَلاماتِ النُّبُوَّةِ.
وفيه: عَلاماتُ وصِفاتُ الخوارجِ.
وفيه: أنَّ قِراءةَ القُرْآنِ مع اخْتِلالِ العَقيدةِ غيرُ زاكيةٍ صاحبَها، ولا حاميةٍ صاحِبَها مِن سَخَطِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ( ).