كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَغزو بأصحابِه فيُصيبُهمُ الجوعُ، حَتَّى إنَّه مِن شِدَّةِ جوعِهم يَطلُبونَ منه أن يَقوموا بذَبحِ الدَّوابِّ التي عليها يَركَبونَ!
وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ أبو خُنَيسٍ الغِفاريُّ رَضيَ اللهُ عنه أنَّه خَرَجَ مَعَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غَزوةِ تِهامةَ لقِتالِ المُشرِكينَ، فكانَت غَزوتُهم هذه لَيسَت في المَدينةِ، وإنَّما خَرَجوا مُسافِرينَ، حَتَّى إذا كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بعُسفانَ، وهو مَوضِعٌ شَماليَّ مَكَّةَ، على طَريقِ المَدينةِ على بُعدِ 80 كم، جاءَ الصَّحابةُ رَضيَ اللهُ عنهُم للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وقالوا له: يا رَسولَ اللهِ، جَهَدَنا الجوعُ، أي: أصابَنا الهُزالُ والمَشَقَّةُ بسَبَبِ الجوعِ، فأذِنَ لَنا في الظَّهرِ أن نَأكُله، أي: لَو أذِنتَ لَنا أن نَنحَرَ الدَّوابَّ التي نَركَبُها فنَأكُلَ مِنها، فلَمَّا رَأى رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حالَهم أذِنَ لَهم، وقال: نَعَم، أي: قد أذِنتُ لَكُم في ذَبحِها، فأُخبِرَ بذلك عُمَرُ، أي: عَلِمَ عُمَرُ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أذِنَ لَهم في ذَبحِ الظَّهرِ، فدَهَبَ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: يا نَبيَّ اللهِ، ما صَنَعتَ؟ أمَرتَ النَّاسَ أن يَأكُلوا الظَّهرَ، فعَلى ماذا يَركَبونَ؟ أي: ما هذا الرَّأيُ يا رَسولَ اللهِ الذي أمَرتَ النَّاسَ بهِ مِن ذَبحِ الرِّكابِ، فإنَّهم إن فعَلوا ذلك فعَلى ماذا سَيَركَبونَ في سَفَرِهم، وكَيفَ سَيُواصِلونَ المَسيرَ؟ فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ما تَرى يا ابنَ الخَطَّابِ؟ أي: فما هو الرَّأيُ الذي تَراه أنتَ يا عُمَرُ؟ فقال عُمَرُ: أرى أن تَأمُرَهم وأنتَ أفضَلُ رَأيًا. وهذا مِن تَوقيرِ عُمَرَ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وعَدَمِ التَّقدُّمِ بَينَ يَدَيه، أن يَجمَعوا فضلَ أزوادِهم في ثَوبٍ، أي: رَأيي أنَّكَ يا رَسولَ اللهِ تَأمُرُ النَّاسَ بجَمعِ بَقيَّةِ الطَّعامِ الزَّائِدِ عِندَهم، فكُلٌّ يَأتي بباقي طَعامِه، ثُمَّ تَدعو اللهَ لَهم، أي: ثُمَّ تَدعو يا رَسولَ اللهِ على هذا الطَّعامِ أن يُبارِكَ اللهُ فيه، فإنَّ اللهَ سَيَستَجيبُ لَكَ، فأمَرَهم، أي: أخَذَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم برَأيِ عُمَرَ، فأمَرَ النَّاسَ أن يَجمَعوا فضلَ أزوادِهمِ، فجَمَعوا فضلَ أزوادِهم في ثَوبٍ، ثُمَّ دَعا اللهَ لَهم، أي: دَعا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم اللهَ أن يُبارِكَ في هذا الطَّعامِ، ثُمَّ قال لَهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ائتُوا بأوعيَتِكُم، أي: بأوانيكُم، فمَلَأ كُلُّ إنسانٍ مِنهُم وِعاءَه، أي: مِن ذلك الطَّعامِ الذي في الثَّوبِ، ثُمَّ أذِنَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالرَّحيلِ، أي: بالسَّفَرِ، فلَمَّا ارتَحَلوا، أي: مَشُوا، أمطَروا ما شاءَ اللهُ، أي: نَزَلَ عليهمُ المَطَرُ الكَثيرُ، ونَزَلَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ونَزَلوا مَعَه، أي: نَزَلَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن فوقِ النَّاقةِ هو وأصحابُه وشَرِبوا مِنَ الماءِ هُم والكُراعُ. والكُراعُ: اسمٌ لجَميعِ الخَيلِ ، أي: شَرِبَت دَوابُّهم مَعَهم أيضًا، ثُمَّ خَطَبَهم، أي: ألقى عليهم مَوعِظةً، ومِمَّا ذَكَرَه لَهم فيها كما في الرِّوايةِ الأُخرى: ألا أُخبِرُكُم عَنِ النَّفَرِ الثَّلاثةِ: أمَّا واحِدٌ فاستَحيا مِنَ اللهِ فاستَحيا اللهُ منه، وأمَّا الآخَرُ فأقبَلَ تائِبًا إلى اللهِ، فتابَ اللهُ عليه، وأمَّا الآخَرُ فأعرَضَ، فأعرَضَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ عنه.
وفي الحَديثِ بَيانُ ما وقَعَ للصَّحابةِ مِنَ الجوعِ والشِّدَّةِ مَعَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
وفيه بَيانُ مُعجِزةٍ مِن مُعجِزاتِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
وفيه مَشروعيَّةُ المَشورةِ على وليِّ الأمرِ.
وفيه مَشروعيَّةُ أخذِ الإمامِ برَأيِ أحَدِ الرَّعيَّةِ.
وفيه بَرَكةُ دُعاءِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
وفيه استِجابةُ اللهِ لدُعاءِ نَبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
وفيه فَضلُ عُمَرَ رَضيَ اللهُ عنه وحُسنُ مَشورَتِه للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
وفيه أدَبُ عُمَرَ رَضيَ اللهُ عنه مَعَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.