الموسوعة الحديثية


- استعملَ عمرُ قُدامةَ بنَ مظعونٍ فقدمَ الجارودُ سيِّدُ عبدِ القيسِ على عُمرَ فقالَ إنَّ قدامةَ شربَ فسَكِرَ فَكَتبَ عمرُ إلى قُدامةَ في ذلِكَ فذَكَرَ القصَّةَ بطولِها في قدومِ قُدامةَ وشَهادةِ الجارودِ وأبي هُرَيْرةَ علَيهِ وفي احتجاجِ قُدامةَ بآيةِ المائدةِ وفي ردِّ عمرَ علَيهِ وجَلدِهِ الحدَّ
خلاصة حكم المحدث : إسنادها صحيح
الراوي : عبدالله بن عامر بن ربيعة | المحدث : ابن حجر العسقلاني | المصدر : فتح الباري لابن حجر | الصفحة أو الرقم : 13/151
| التخريج : أخرجه عبدالرزاق في ((المصنف)) (17076)، والبيهقي (17970)
التصنيف الموضوعي: حدود - الشهادة في الحدود حدود - ينبغي للإمام إذا انتهى إليه حد أن يقيمه حدود - الجلد حدود - من وجد منه ريح شراب أو لقي سكران حدود - حد شارب الخمر
| أحاديث مشابهة |أصول الحديث
إقامةُ الحُدودِ الشَّرعيَّةِ بَينَ النَّاسِ مِنَ الأعمالِ التي يَقومُ بها إمامُ المُسلِمينَ، ولَه أن يوكِّلَ عنه مَن يُباشِرُ ذلك مِمَّن يَراه مُناسِبًا للحُكمِ أوِ الوِلايةِ، وللإمامِ أن يَكتُبَ لعُمَّالِه يَسألُهم ويَستَوضِحُ مِنهُم بَعضَ الأُمورِ فيما يَتَعَلَّقُ بالحُدودِ.
وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ عَبدُ اللَّهِ بنُ عامِرِ بنِ رَبيعةَ -أحَدُ التَّابِعينَ- أنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رَضيَ اللهُ عنهُ استَعمَلَ قُدامةَ بنَ مَظعونٍ رَضيَ اللهُ عنهُ، أي: ولَّاه على وِلايةٍ، فقدِمَ الجارودُ سَيِّدُ عَبدِ القَيسِ -وهيَ قَبيلةٌ مِن قَبائِلِ العَرَبِ- على عُمَرَ فقال: «إنَّ قُدامةَ شَرِبَ فسَكِرَ»، أي: أنَّ الجارودَ ذَهَبَ إلى عُمَرَ يَشكو له عامِلَه قُدامةَ أنَّه شَرِبَ الخَمرَ، فكَتَبَ عُمَرُ رَضيَ اللهُ عنهُ إلى قُدامةَ في ذلك، أي: كَتَبَ كِتابًا يَسألُ قُدامةَ عَن صِحَّةِ ما حَصَلَ مِنهُ مِن شُربِه للخَمرِ وهَل هذا صَحيحٌ أم لا؟ فذَكَرَ القِصَّةَ بطولِها في قُدومِ قُدامةَ وشَهادةِ الجارودِ وأبي هُرَيرةَ عليه، أي: ذَكَرَ الرَّاوي قِصَّةَ قُدامةَ كامِلةً، وهيَ قِصَّةٌ طَويلةٌ، وفيها أنَّ قُدامةَ قدِمَ على عُمَرَ واعتَرَفَ بشُربِ الخَمرِ وكانَ مُتَأوِّلًا في ذلك، وشَهِدَ عليه مِنَ الشُّهودِ الجارودُ وأبو هُرَيرةَ، وفي احتِجاجِ قُدامةَ بآيةِ المائِدةِ، أي: أنَّ قُدامةَ رَضيَ اللهُ عنهُ احتَجَّ بقَولِه تَعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [المائدة: 93] . وفي رَدِّ عُمَرَ عليه وجَلدِه الحَدَّ، أي: رَدَّ عُمَرُ على قُدامةَ استِدلالَه بهذه الآيةِ وأنَّه أخطَأ فيها، ثُمَّ جَلَدَ عُمَرُ قُدامةَ حَدَّ شارِبِ الخَمرِ، والقِصَّةُ بطولِها هيَ: أنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رَضيَ اللهُ عنهُ استَعمَلَ قُدامةَ بنَ مَظعونٍ على البَحرَينِ -وهو خالُ حَفصةَ وعَبدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ- فقدِمَ الجارودُ سَيِّدُ عَبدِ القَيسِ على عُمَرَ مِنَ البَحرَينِ فقال: يا أميرَ المُؤمِنينَ، إنَّ قُدامةَ شَرِبَ فسَكِرَ، ولَقد رَأيتُ حَدًّا مِن حُدودِ اللَّهِ حَقًّا عليَّ أن أرفَعَه إلَيكَ. فقال عُمَرُ: مَن يَشهَدُ مَعَكَ؟ قال: أبو هُرَيرةَ، فدَعا أبا هُرَيرةَ فقال: بمَ أشهَدُ؟ قال: لَم أرَه يَشرَبُ ولَكِنِّي رَأيتُه سَكرانَ. فقال عُمَرُ: لَقد تَنَطَّعتَ في الشَّهادةِ. قال: ثُمَّ كَتَبَ إلى قُدامةَ أن يَقدَمَ إلَيه مِنَ البَحرَينِ، فقال الجارودُ لعُمَرَ: أقِمْ على هذا كِتابَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فقال عُمَرُ: أخَصمٌ أنتَ أم شَهيدٌ؟ قال: بَل شَهيدٌ. قال: فقد أدَّيتَ شَهادَتَكَ. قال: فصَمَتَ الجارودُ حَتَّى غَدا على عُمَرَ فقال: أقِمْ على هذا حَدَّ اللَّهِ. فقال عُمَرُ: ما أراكَ إلَّا خَصمًا، وما شَهِدَ مَعَكَ إلَّا رَجُلٌ. فقال الجارودُ: إنِّي أنشُدُكَ اللَّهَ. فقال عُمَرُ: لَتُمسِكَنَّ لسانَكَ أو لَأسوءَنَّكَ. فقال الجارودُ: أما واللَّهِ ما ذاكَ بالحَقِّ، أن شَرِبَ ابنُ عَمِّكَ وتَسوءَني! فقال أبو هُرَيرةُ: إن كُنتَ تَشُكُّ في شَهادَتِنا فأرسِلْ إلى ابنةِ الوليدِ فسَلْها -وهيَ امرَأةُ قُدامةَ- فأرسَلَ عُمَرُ إلى هِندِ ابنةِ الوليدِ يَنشُدُها فأقامَتِ الشَّهادةَ على زَوجِها، فقال عُمَرُ لقُدامةَ: إنِّي حادُّكَ. فقال: لَو شَرِبتُ كما يَقولونَ ما كانَ لَكُم أن تَجلِدوني! فقال عُمَرُ: لمَ؟ قال قُدامةُ: قال اللهُ تَعالى: {ليس على الذينَ آمَنوا وعَمِلوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فيما طَعِموا إذا ما اتَّقَوا وآمَنوا} [المائدة: 93] الآيةَ، فقال عُمَرُ: «أخطَأتَ التَّأويلَ؛ إنَّكَ إذا اتَّقَيتَ اجتَنَبتَ ما حَرَّمَ اللهُ عليكَ». قال: ثُمَّ أقبَلَ عُمَرُ على النَّاسِ فقال: «ماذا تَرَونَ في جَلدِ قُدامةَ؟» قالوا: لا نَرى أن تَجلِدَه ما كانَ مَريضًا، فسَكَتَ عَن ذلك أيَّامًا، وأصبَحَ يَومًا وقد عَزَمَ على جَلدِه، فقال لأصحابِه: «ماذا تَرَونَ في جَلدِ قُدامةَ؟» قالوا: لا نَرى أن تَجلِدَه ما كانَ ضَعيفًا. فقال عُمَرُ: «لَأن يَلقى اللَّهَ تَحتَ السِّياطِ أحَبُّ إلَيَّ مِن أن يَلقاه وهو في عُنُقي، ائتوني بسَوطٍ تامٍّ»؛ فأمَرَ بقُدامةَ فجُلِدَ ().
وقد فهِمَ قُدامةُ الآيةَ خَطَأً وأنَّه ليس عليه شَيءٌ في الشُّربِ ما دام يَتَّقي اللَّهَ ويُحسِنُ، ولَكِنَّ المُرادَ الصَّحيحَ مِنَ الآيةِ أنَّها في الذينَ ماتوا قَبلَ نُزولِ تَحريمِ الخَمرِ وحَدِّ الشُّربِ، وأنَّهم ليس عليهم وِزرٌ ولا إثمٌ فيما شَرِبوه؛ لأنَّه كانَ قَبلَ التَّحريمِ.
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ كِتابةِ الإمامِ لأحَدِ وُلاتِه لأجلِ كَشفِ الحالِ.
وفيه إقامةُ حَدِّ شُربِ الخَمرِ بشَهادةِ شاهِدَينِ ().
تم نسخ الصورة
أضغط على الصورة لنسخها